قال القنوجي رحمه الله:

أن لا يأخذ في فن من فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم.

فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً، فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه، ويكتفي منه بشمه، ويصرف جمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة، ولست أعني به الاعتقاد الذي يتلقنه العامي وراثة أو تلقفاً، ولا طريق تحرير الكلام والمجادلة فيه عن مراوغات الخصوم كما هو غاية المتكلم، بل ذلك نوع يقين هو ثمرة نور يقذفه الله تعالى في قلب عبد طهر بالمجاهدة باطنه عن الخبائث حتى ينتهي إلى رتبة إيمان الصديق رضي الله عنه الذي لو وزن بإيمان العالمين لرجح.

من كتاب أبجد العلوم للقنوجي رحمه الله.

الترقي وتحميل الباطن بالفضيلة

قال القنوجي رحمه الله:

أن يكون قصد المتعلم في الحال تخلية باطنه وتحميله بالفضيلة.

وفي الحال القرب من الله سبحانه، والترقي إلى جوار الملأ العلى من الملائكة والمقربين.

ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومجاراة السفهاء ومباهاة الأقران. وإذا كان هذا مقصده -طلب لا محالة- الأقرب إلى مقصوده وهو علم الآخرة.

ومع هذا فلا ينبغي أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم كالنحو واللغة المتعلقين بالكتاب والسنة وغير ذلك.

من كتاب “أبجد العلوم” للقنوجي رحمه الله.

سلوا الله علما نافعا

قال المناوي رحمه الله:

(سلوا اللّه علماً نافعاً) أي شرعياً معمولاً به (وتعوّذوا باللّه من علم لا ينفع) قال الحافظ ابن رجب: هذا كالسحر وغيره من العلوم المضرة في الدين أو الدنيا. وقد ورد تفسير العلم الذي لا ينفع بعلم النسب في مرسل رواه أبو داود في مراسيله. وأقول: هذا وإن كان محتملا،ً لكن أقرب منه أن يراد في الحديث المشروح العلم الذي لا عمل معه، فإنه غير نافع لصاحبه بل ضار له بل يهلكه فإنه حجة عليه.

قال الغزالي: العلم النافع هو ما يتعلق بالآخرة، وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المذمومة والمحمودة، وما هو مرضي عند اللّه، وذلك خارج عن ولاية الفقيه بعزل المصطفى صلى اللّه عليه وسلم أرباب السيف والسلطنة عنه، حيث قال: هل شققت عن قلبه؟ والفقيه هو معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق. وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم ليعمل به. فمن تعلم علم اللعان والظهار والسلم والإجارة ليتقرب بتعاطيها إلى اللّه فهو مجنون. وعلم طريق الآخرة فرض عين في فتوى علماء الآخرة. والمعرض عنه هالك بسيف سلاطين الدنيا بفتوى فقهاء الدنيا. لكن علم الفقه وإن كان من علوم الدنيا لا يستغني عنه أحد البتة، وهو مجاور علم الآخرة فإنه نظر في أعمال الجوارح.

من كتاب “فيض القدير” للمناوي رحمه الله.

مجالس علم الآخرة

قال المناوي رحمه الله:

(إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال مجالس العلم). قال القرطبي: أراد مجالس علم الحلال والحرام. وقال الغزالي: أراد مجالس علم الآخرة، وهو العلم بالله وآياته وأفعاله في خلقه، وقد تصرفوا فيه بالتخصيص، فشهوده بمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل فيقال هو العالم على الحقيقة وهو الفحل في العلم، فكان سبباً مهلكاً لخلق كثير.

ثم إنه فسر الرياض هنا بحلق العلم وفيما قبله بحلق الذكر وفيما يأتي بسبحان الله إلخ، ولا مانع من إرادة الكل وإنه إنما ذكر في كل حديث بعضاً لأنه خرج جواباً عن سؤال معين فرأى أن الأولى بحال السائل هنا حلق العلم وثم حلق الذكر.

من كتاب “فيض القدير” للمناوي رحمه الله.

حظك من علم الباطن

قال المناوي رحمه الله:

(علم الباطن) كذا هو بالميم في خط المصنف، ورأيته أيضاً في نسخة قديمة من الفردوس مضبوطة مصححة بخط الحافظ ابن حجر. علم الباطن: (سر من أسرار اللّه عز وجل وحكم من حكم اللّه يقذفه في قلوب من يشاء من عباده).

قال الغزالي: علم الآخرة قسمان: علم مكاشفة وعلم معاملة. وعلم المكاشفة هو علم الباطن وذلك غاية العلوم. وقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب منه يخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى النصيب منه التصديق وتسليمه لأهله. وقال بعضهم: من كان فيه خصلتان لم يفتح عليه منه بشيء: بدعة أو كبر.

ومن كان محباً للدنيا أو مصراً على الهوى لم يتحقق به، وقد يتحقق بسائر العلوم. وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره من الصفات المذمومة. وهذا هو العلم الخفي الذي أراده المصطفى صلى اللّه عليه وسلم بقوله:” إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه”.

من كتاب “فيض القدير” للمناوي رحمه الله.

العلم في شرفه وفضله

عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا العلم فإن تعلمه لله تعالى خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والتزين عند الأخلاء، يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتفى آثارهم ويقتدى بفعالهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، هو إمام والعمل تابعه، ويلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء).

أورده ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم) بإسناده وقال: هو حديث حسن جداً وفي إسناده ضعف. وروي أيضا من طرق شتى موقوفاً على معاذ. وقد يقال:الموقوف في مثل هذا كالمرفوع فإن مثله لا يقال بالرأي.