تقديم عام:

يحتفل العالم اليوم، العاشر من شهر دجنبر 2003، بالذكرى الخامسة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. وبهذه المناسبة، عاش العالم هذه السنة العديد من الأحداث التي يمكن تصنيفها ضمن الانتهاكات الصارخة في مجال الحقوق والحريات التي خولها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للإنسان. ولم يكن المغرب مستثنى من تلك الخروقات التي عاشها المواطن، والتي رصدتها المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وتأكدت مؤخرا في التقرير الصادر عن لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة بجنيف.

فكلما حلت ذكرى سنوية من الذكريات ذات الصلة بموضوع حقوق الإنسان، تتحرك الآلة الحقوقية العالمية من أجل تمجيد الذكرى، والإشادة بالنصوص، والعهود، والقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.. وينسى الجميع، وسيما إخواننا العرب والمسلمون العاملون في مجال الحقوق والحريات، أن الإسلام قد أرسى القواعد الأولى لحقوق الفرد والجماعات.. وبحكم ابتعادنا عن تعاليم ديننا الحنيف، صارت الحقوق مهدرة، والحريات مسلوبة، وأساسيات الحياة الكريمة للإنسان منتهكة. وعلى الرغم من توفر قوانين أممية صادقت عليها معظم الدول والحكومات، فإن الخرق بات السمة الأساسية، وعدم الاكتراث بحق الإنسان في ضمان أبسط حقوقه، وصمة عار على جبين كل الأنظمة القائمة بقوة الأمر الواقع.

لعل الكثيرين يعتقدون أن الحديث عن “حقوق الإنسان” في عالمنا الذي ينعث بعالم التقدم والتطور في مجال حقوق الإنسان، هو دليل وتأكيد على مدى التقدم الحضاري للإنسانية جمعاء. لكن الواقع يؤكد أن تلك الحقوق الممنوحة فقط على الورق، ما هي في الواقع سوى كلام عابر سبيل يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان.. تلك التي باتت في أكثر الأحيان تنتهك باسم حقوق الإنسان ! وصارت القضية تستغل سياسيا واجتماعيا وحقوقيا لتبرير الخروقات والانتهاكات والتجاوزات، بل ولتبرير احتلال دولة لأخرى تحت يافطة التحرير ومنح الحقوق.. وبذلك صار الظلم يصدر عن الدول، والدفاع عن الحقوق بات بالدرجة الأولى يهدف إلى حماية الفرد من الانتهاكات التي يتعرض لها من طرف الحاكم الذي يتمتع بجميع السلط، وأولاها سلطة القمع… !

حصيلة المغرب.. خروقات وانتهاكات وتجاوزات

طالما تم الحديث عن دولة الحق والقانون، والعهد الجديد، وإطلاق الحريات والتعويض عما كان يسمى بــ”سنوات الجمر”، والمصالحة والإدماج… إلى غير ذلك من المصطلحات التي تتناغم و “حقوق الإنسان” كما هو متعارف عليها دوليا. إلا أن الواقع، وبعيدا عن البروتوكولات الرسمية، يؤكد أن مجال الحقوق منتهك يوما بعد يوم، وبأن حالات الخرق وعدم اعتبار الإنسان إنسانا سجلت في العديد من المحطات، وبأن الحريات كانت تنتهك في السر والعلن.. وجاءت أحداث 16 مايو المرعبة التي هزت مدينة الدارالبيضاء في العام المنصرم، لتعطي الضوء الأخضر كي تصير كل تلك الانتهاكات علنية تحت ذريعة “الحفاظ على الأمن العام ومكافحة الإرهاب”..

إن الحديث عن حقوق الإنسان في المغرب حديث ذو شجون، وتقارير الهيآت الحقوقية المغربية والدولية تحفل بالعديد من الانتهاكات عكس التصريحات الرسمية؛ وما موقف المغرب أمام لجنة مناهضة التعذيب المجتمعة في جنيف والذي وصف بالمحرج، إلا دليلا واضحا على تمادي المسؤولين المغاربة في اقترافهم جرائم حقوقية.. بل وإصرارهم على نفي وجودها!

فقد أكد تقرير أمنستي المرفوع إلى لجنة مناهضة التعذيب أن المغرب تراجع كثيرا في مجال الحقوق، وخلصت المنظمة الدولية أن مستوى احترام حقوق الإنسان بالنظر إلى السنوات العشر الأخيرة، قد عرف العديد من الخروقات سيما ما تعلق منها بالانتهاكات الخاصة بالتعذيب والاعتقال بسبب إبداء الرأي، وكذا استفحال ظاهرة الاختطاف، وانتقاد عدم سن التشريع المغربي تجريم التعذيب وتضمينه ضمن بنود القانون الجنائي.. إضافة إلى إشكالية الإفلات من العقاب أو ما يسمى بالحصانة التي يتمتع بها المسؤولون عن ممارسة التعذيب.

لقد حاولت الدولة في السنوات الأخيرة تحسين صورتها أمام المحافل الحقوقية الدولية، وذلك بإنشاء لجنة للتحكيم، و بإقرار تعويض عن الضرر الذي لحق بالعديد ممن قضوا وعانوا من سنوات خلت.. وقررت الدولة” طي صفحة الماضي” باعتماد مقاربة حقوقية تصحيحية لما مضى، وأدرجت العديد من الملفات في إطار جبر الضرر.. لكن دون الكشف عن الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، سيما وأن بعضهم حي يرزق، منهم من يحتل مناصب حساسة ومنهم من يتولى مسؤوليات في أعلى هرم السلطة..

فهل يمكن تجاوز ما يسمى بـ “ماضي الانتهاكات” والحديث عن الحاضر، هذا الحاضر الذي يعتبره المسؤولون صفحة جديدة لا تشوبها شوائب الانتهاكات ؟

إن المتتبع لتجاوزات الحاضر حري به أن يتساءل عن الانتهاكات الجديدة المرتكبة تحت يافطة الحفاظ على الأمن والاستقرار، وبذريعة ما يصطلح عليه دوليا بــ”مكافحة الإرهاب”.

فقد أبانت أحداث 16 ماي وما تلاها من اعتقالات واختطافات ومحاكمات، أن القانون لم يأخذ مساره الطبيعي بكل استقلالية، وإنما كان متأثرا بإملاءات الظروف الدولية، بل وإملاءات سياسية داخلية، دون إغفال تحكم قانون الإرهاب الدولي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على كل الأنظمة العربية.. وصارت بالتالي الحقوق منتهكة “بحكم القانون”، وفرضت المحاكمات دون توفر أدنى شروط المحاكمة العادلة، وسلطت رقابة صارمة على الصحافة وحرية الرأي، وتمت محاكمة صحفيين وإدخالهم السجن بسبب إبداء الرأي بعد محاكمتهم بتهم المس بالمقدسات، والإخلال بالاحترام الواجب للملك، والمس بالنظام الملكي، والتحريض على المس بالأمن الداخلي للبلاد… ناهيك عن الممارسات اللائنسانية التي يتعامل بها مع المعتقلين داخل السجون.

إن خرق القانون ولو في الحالات الاستثنائية، أمر مرفوض بقوة القانون مادامت الدولة تؤكد احترامها لحقوق الإنسان، وما دامت أنها صادقت على مجموعة من القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بهذا الصدد.

أمام كل هذه الخروقات، لم يجد وزير حقوق الإنسان سوى نفي ما أكدته لجنة مناهضة التعذيب في تقريرها الأخير، ووصف محمد أوجار في جلسة أمام مجلس المستشارين زوال يوم الثلاثاء المنصرم تلك الانتقادات بأنها ” مجرد ضجيج إعلامي “، وبأن ” الاستغلال السياسي لهذه التقارير هو الذي يخلق نوعا من التشويش ونوعا من البلبلة”. ووصف محمد أوجار ما تناقلته وسائل الإعلام بخصوص التقارير المضادة حول التعذيب والتي سبق أن تقدمت بها إحدى المنظمات الحقوقية، بأنها ” تضخيم مبالغ فيه”. ! علما أن الجميع يعلم علم اليقين أن هناك تقريرا مضادا للتقرير الحكومي الذي تقدمت به الحكومة المغربية في جنيف، صاغته المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، تم التطرق فيه لممارسات غير حقوقية تمثلت في التعذيب والاختطاف والوفيات، والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة..

هكذا إذن تعالج الأمور من طرف المسؤولين، وبمثل هذه التصريحات البعيدة كل البعد عن الواقع الحقوقي البئيس الذي نعيشه، تكون المقاربة الجديدة لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان !!

هنيئا إذن للمسؤولين بالعيد السنوي لحقوق الإنسان، وكل عام والحقوق بألف خير !

10 دجنبر 2003