ما أن تطأ قدمك داخل الكلية، حتى تقابلك وجوه مذعورة لطلبة تسكنتهم لغة الاحتمالات، عيون تطرح استفهامات حول الوضع الموجع الذي باتوا يعيشونه، بعضهم قاطع الكلية واكتفى باستنساخ الدروس.. ومع كل تجمع طلابي، يتساءل الطلبة متى ستتحرك تلك العناصر المتراصة خارج وداخل مبنى الكلية لتنقض عليهم في حملة عنف أصبحت شبه معتادة.

أي جرم يرتكبه الطالب ويستحق عليه الرفس والركل تحت الأرجل؟ وأي ناموس يشرعن لغة الجلد التي تمارسها عناصر دخيلة على الجامعة ضد الطلبة الذين يفترض أنهم جاؤوا إلى الكلية لتحصيل العلم والمعرفة واستبطان قيم الاختلاف والحوار؟ بل ما الذي ينتظر مستقبلا من شباب جامعي يحمل معه عاهات نفسية ورسوم تعنيف منقوشة على جسده؟

كسور ورضوض وإهانة كرامة الطالب .. الحصيلة المؤقتة للعنف:

بعض الطلبة أصبحوا يحفظون عن ظهر قلب تقنية تدخل جهاز الأواكس الذي لوحظ ارتفاع عدد عناصره مع بداية السنة الجامعية الحالية، يسبق تدخل هذه العناصر جو من الاستنفار والاستفزاز، كدعوة الطلبة المجتمعين في الساحة الأمامية للإدارة بالابتعاد، أو تفريق حلقة نقاش تجمع بين الطلبة وممثليهم بمكتب التعاضدية، فيبدأ الكر والفر والرفس. قانون هذا العنف أعمى، فهو لا يميز بين طالب وطالبة، ولا غرابة إذا امتد هذا العنف إلى الأساتذة أنفسهم.

يسود الذعر العام جميع مرافق الكلية، وتجتهد عناصر الأواكس في الدفع بالطلبة خاصة المستهدفين منهم نحو الردهات الموجودة بجانب المدرجات، يساقون إليها كالأكباش على حد تعبير أحد الأساتذة، فيصبح الطالب الأعزل وجها لوجه مع جلاده، ضرب بالعصي وركل بالأرجل، وعندما يدخل أحد الطلبة في حالة إغماء، لا بأس من أن يلقي به أحد هذه العناصر إلى السماء ليتأكد من أنه فعلا دخل في حالة غيبوبة! ناهيك عن الطلبة الذين يتم اعتقالهم لساعات طويلة بمخفر الأواكس، حيث يأخذ قاموس التعذيب مجراه من أوله إلى آخره، ابتداء بالإهانات، مرورا بنـزع الملابس الداخلية للطالب وانتهاء بوصلة متنوعة من الضرب والركل.

يتحدث الطلبة بمرارة عن المآل الذي تسير عليه كليتهم، خاصة الطلبة الجدد الذين يجدون أنفسهم بين فكي المطرقة والسندان، بين إصلاح جامعي جديد دخلوا دائرته دون أن يفهموه، ومشاهد العنف شبه اليومية التي قد يكون أحدهم في أي وقت عرضة لها. يتحدثون عن حالات الكسر والرضوض التي أصيب بها بعض الطلبة، عن عمليات اعتقالهم، وعن محاكمة بعض زملائهم في كليات أخرى.

الأساتذة ينددون .. والعمادة بالنيابة حاضرة .. غائبة

في الرابع من نونبر الجاري، نظم أساتذة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن مسيك وقفة احتجاجية عبروا خلالها عن انزعاجهم من تطور الوضع اللا إنساني داخل الكلية، ونددوا “بالاعتداءات الهمجية والوحشية التي تعرض لها الطلبة من قبل العناصر البوليسية”. وحمل الأساتذة في بيانهم الصادر عن الوقفة مسؤولية توتر الوضع إلى عمادتها وإلى رئاسة الجامعة، مطالبين بالإخلاء الفوري لجميع العناصر البوليسية من الحرم الجامعي، في انتظار سحب المذكرة الثلاثية الشهيرة التي تشرعن تواجد الجهاز الأمني داخل الحرم الجامعي. وطالبوا أيضا بوقف التعويضات التي تصرفها الكلية على هذا الجهاز.

أساتذة الكلية دعوا مجلس الكلية ومجلس الجامعة للانعقاد من أجل الوقوف عند الأحداث التي يعيشها الموسم الدراسي الحالي، معلنين بذلك عن استعدادهم التام لخوض جميع الأشكال النضالية دفاعا عن مطالبهم المشروعة، ويأتي على رأسها تنقية الجو الدراسي من شحنة العنف الدموي الذي أصبحت تطبعه. وفي نفس السياق، دعا المكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بالكلية إلى جمع عام طارئ للأساتذة سينعقد يوم الأربعاء 3 دجنبر المقبل من أجل مناقشة أحداث العنف والانتهاك المستمر لحرمة الكلية.

وفي لقاء مع المكتب المحلي لنقابة التعليم العالي، أكد لنا بعض الأساتذة أن العنف الذي تعيش عليه الكلية، هو ممارسة مفتعلة ومجانية، المستهدف فيها يتجاوز مجرد تصفية الحساب مع فصيل إسلامي طلابي بل إن المستهدف فيها هو الجامعة برمتها. ورغم احتجاج الأساتذة ومساندتهم اللامشروطة لمطالب الطلبة المشروعة ورغم مراسلتهم للمسؤولين داخل وخارج الكلية، فإنه لا حياة لمن تنادي. بل أكثر من ذلك، يقول أحد الأساتذة، “لدينا أخبار تؤكد تورط عناصر من الإدارة في عملية التنكيل والتعنيف بالطلبة، هناك شهود عيان على ذلك من أساتذة وطلبة، حيث لوحظ الكاتب العام للكلية وهو يسوق فيلقا من الأواكس وعناصر الأمن داخل ساحة الكلية في عملية مطاردة للطلبة”، الشيء الذي يدفع الأساتذة إلى الاعتقاد، أمام صمت الجميع، بأن الأحداث التي تعيشها كليتهم، كما هو الحال بالنسبة لباقي الكليات المنضوية تحت جامعة الحسن الثاني المحمدية، أن ما يحدث يراد منه تنفيذ مخطط يشيع الفوضى ويبرر كل ما ترفضه العملية التعليمية السليمة.

أحيانا يعطي بعض المسؤولين عن الكلية الانطباع بأن لا حول ولا قوة لهم، يتابعون مشاهد الخوف والفزع والعنف يوميا دون أن تدخل لتوقيف مسلسل العنف الذي أصبح مسألة مألوفة، بل أحيانا تتكرر مشاهد العنف أكثر من مرة في اليوم، فما أن يجتمع الطلبة، يقول أحد الأساتذة، حتى ينهال عليهم البوليس بالضرب، رغم أنهم لم يقوموا بما يبرر ضربهم.

والطامة الكبرى، يضيف أحد الأساتذة، عندما تعتبر العمادة التي تمت مراسلتها بشأن ما يحدث أن الوضع يسير بشكل طبيعي، وأن الأساتذة يقومون بدورهم التربوي والتعليمي بشكل عاد، وذلك ما ينفيه المنطق والعقل، إذ كيف يمكن تصور وضع عاد للدراسة وباب القسم يمكن في أية لحظة أن يفتح على مصراعيه ليدخل أحد عناصر الأواكس بعصاه مطاردا أحد الطلبة الذي يلجأ إلى القسم للاحتماء بالأستاذ والطلبة!!.

“مطالب الطلبة، يؤكد أحد الأساتذة، مشروعة تضم النقل والتسجيل وإعادة التسجيل والسماح بالتكرار .. وهي مشاكل واقعية ومطروحة، لكن يبدو أن السلطات المحلية والعمالة التي تتواجد علىترابها كليتنا أعطت تعليمات بعدم التعامل والتحاور مع ممثلي الطلبة. ولدينا إحساس، بأن الجهاز البوليسي اليوم أصبح يدخل في عملية استفزاز ورد فعل مع الأساتذة أنفسهم، خاصة بعد تنظيمنا لوقفة احتجاجية مساندة للطلبة والذين لم يعودوا وحدهم المقصودين بالعنف بل كل مكونات الكلية”.

لمعرفة رأي العمادة فيما يحدث، طرقنا باب قيدوم الكلية بالنيابة، السيد عبد الحق حمام، لكن يبدو أن الحدث لا يرقى إلى مستوى المقابلة الصحفية بالنسبة للمسؤول عن تسيير الكلية. وعوض أن ندخل مكتبه، خرج القيدوم واستفسرنا ويداه لم تبرحا جيوبه عن سبب طلب المقابلة؟! وبعدما استعرضنا الوضع الذي تعيش عليه الكلية على مستوى الطلبة والأساتذة، يفاجئنا القيدوم بالنيابة بأجوبة باردة إلى حد الاستفزاز، مؤكدا أن لا شيء يقع في الكلية وأن الإصلاح يأخذ مجراه وأن حالات العنف الممارسة على الطلبة غير موجودة رغم تأكيد الأساتذة بأن الطبيب المقيم بالكلية لديه كل الحالات التي تعرضت للعنف، وأن الأساتذة لم يحتجوا لما يحدث وأن كل شيء يسير بشكل طبيعي داخل الكلية.

تطور وتيرة العنف داخل كلية الآداب بشكل متواتر، قد يحمل معه مستقبلا كل الاحتمالات، أمام مطالب مشروعة للطلبة وتصاعد الحركة الاحتجاجية للأساتذة، وأمام التنصل من المسؤولية وصمت الجهات المعنية.