من المعاني اللغوية لـ”التوبة”، الرجوع من الذنب، كما جاء في “لسان العرب”، وجاء فيه أيضا، أصل تاب عاد إلى الله ورجع وأناب .. وقوله تعالى: “وتوبوا إلى الله جميعا” أي عودوا إلى طاعته وأنيبوا إليه.

التوبة من معانيها إذن، الرجوع والعودة إلى أصل أو أمر تم الإعراض عنه أو هجرانه وبعض معانيها يؤكدها الحديث الشريف، “كل مولود يولد على الفطرة..” حيث يمكن القول إنه قبل بدء الخليقة على ما هي عليه الآن، بل في عالم ما قبل المادة، عاهدت الأرواح خالقها أن تعبده وتوحده، وتحمل الأمانة التي كلف بها الإنسان، فبرجوع الإنسان إلى أصل الفطرة، ينخرط في النظام العام، والمتناسق للكون، من حيث عبوديته للخالق، لأن كل ما في الكون يسبح بحمد الخالق، والإنسان بما ملك ويمتلك من أسباب هو الذي يشذ عن هذه القاعدة.

يطغى الإنسان ويظلم ويجور، ويعصي الإله، بما يسر له الله عز وجل من علم أو مال، أو قوة، أو جاه … فالتوبة بهذا المعنى لا تكون بالتخلي عن العلم أو المال .. أو غيره، بل أن يتوب من استعمال ذلك في مواطن لا يرضى عنها الإله، وتسبب الضرر والشقاء للإنسان .. فكم من حاكم ظلم العباد وعات في البلاد الفساد بما امتلك من سلطة ومال، وآخر كان سببا لتقدم بلاده ورقيها .. وآخر أفسد “بثقافته” ذمما ونشر الرذيلة بين شباب الأمة .. وآخر حفزت أفكاره الناس .. فانتفعوا ونفعوا…

مم نتوب؟

التوبة إذن أن نرجع عن طريق الضلال والتيه، ولا نقصد بالضلال، معناه الاصطلاحي وهو الكفر، بل كما قال الراغب في تفسير الضلال: إنه ترك الطريق المستقيم عمدا كان أو سهوا، قليلا أو كثيرا.

واضح إذن أن التوبة تكون أولا من المعاصي، بكل أنواعها، ومن الصفات القبيحة التي تصطبغ بنفس الإنسان، أكان ذلك حسدا، أو غيبة، أو ظلما أو أكل أموال الناس بالباطل .. أو تضييع حقوق الله عز وجل، من صلاة وصيام وزكاة…

معاني أخرى

وعند تصفح أقوال صلحاء هذه الأمة المتقدمين منهم أو المتأخرين، نراهم يرتفعون بهذا المعنى (التوبة) إلى درجات أخرى “خاصة” تخاطب القلب، وتثير في الأعماق مكامن الشوق والمحبة إلى سلوك التقرب إلى الله، فلنستمع إلى بعض أقوالهم:

قال أحدهم “التوبة ترك التسويف”.

قال آخر “كل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر، لا لرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة.

وسئل أحدهم عن التوبة فقال: التوبة أن لا تنسى ذنبك.

وسئل آخر فقال: إذا ذكرت الذنب، ثم لم تجد حلاوته عند ذكره فهو التوبة.

وقال آخر: الاستغفار من غير إقلاع هو توبة الكاذبين.

ما أحوجنا أن ننصت إلى من سبقونا بالإيمان، وجربوا الطريق قبلنا وعرفوا مداخل النفس وأهواءها، واقترحوا العلاج الناجع لشفائها من أسقامها، وأمراضها، فكل نفس معرضة عن ربها، مريضة عليلة، يلزمها الطبيب الحاذق يطبها ويصف لها العلاج الناجع لشفائها.

شروط وعلامات التوبة

اتفق العلماء أن للتوبة شروطا ثلاثة، وهي الندم، والعزم على ترك المعاودة (الإقلاع) ثم السعي في أداء المظالم (الاعتذار).

الندم إذن على ما اقترف من ذنوب في السابق، و”الإقلاع عنه في الحال والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل” وقد تقدم أن التوبة أن لا تنسى ذنبك.

وجاء في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم بسند صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “الندم توبة”، ثم لا يتصور توبة دون إقلاع، فالإصرار يناقض التوبة والإصرار كما قال ابن القيم رحمه الله “هو الاستقرار على المخالفة، والعزم على المعاودة وذلك ذنب آخر، لعله أعظم من الذنب الأول بكثير..”.

ثم لابد من رد المظالم متى قدر على ذلك، وأن لا يتوب المرء على ما في يده من متاع اكتسبه يطرق غير مشروعة.

ومن علامات التوبة، أن يتولد لديك شعور بالكراهية والبغض لكل معصية، وأن تستعظم كل جناية مهما كان قدرها، فلا تنظر إلى الجناية وقدرها بل انظر إلى قدر من نهاك عنها حتى تتولد لديك صفة المراقبة، والمحاسبة، ومن العلامات أيضا، أن تصدر عن العبد أفعال، خير مما كان في السابق، ثم أن يصاحبه الخوف دائما خشية عدم قبول التوبة.

أمور مساعدة على التوبة

– حسن الظن بالله، وأنه تواب رحيم غفور “وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات” (الشورى / 25)، وهو سبحانه “غافر الذنب وقابل التوب” (غافر / 3) والأحاديث كثيرة في هذا الباب، ولا مجال للتطويل.

– لا تقل لا أستطيع أن أتوب من أمر كذا أو كذا، .. ولكن اعزم وتوكل على الله، عسى أن يتوب عليك يوما .. “ثم تاب عليهم ليتوبوا..”.

– الابتعاد عن رفقاء السوء، فمصاحبتهم تثير في نفسك الحنين إلى المعاصي، ومخالطتهم لابد تدفعك مشاركتهم يوما فيما هم فيه.

– صحبة الأخيار والصالحين، عسى أن تقبس من صفاتهم وأخلاقهم، فإن الطباع تسرق، والرحمة إذا نزلت تشمل الجميع، “هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم…”

– الاستغفار المستمر والدعاء للمولى عز وجل “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واسغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما”.

اليقظة:

وبعد، أخي القارئ، إذا تحقق العبد بما ذكرنا سابقا وأصبح هم الآخرة يؤرقنا، وأصبح كل منا يصارع نفسه ووخز ضميره، وكيفية معاملته مع الله، فلا تكتفي بذلك. ولا نركن إليه، فهناك درجات لابد من الرقي إليها، وذلك إذا حصلت في القلب يقظة، نتوب معها من القعود عن الجهاد في سبيل الله، ونصرة دينه، لا بد أن يتعدى التفكير في مصيرنا الفردي، إلى التفكير في مصير الأمة كلها حتى يلتحم مصيرنا بمصيرها، ونحمل الهم المزدوج حملا متوازنا، ولن يتأتى لنا ذلك، إلا إذا تعلمنا ذلك بمعية من تاب الله عليه، وأناب، بمعية حكيم سائر سالك إلى الله على بينة محب لله عز وجل ومحبوب من قبل الله عز وجل حتى نتذوق معاني لا نراها إلا سطورا على أوراق، أو عبارات جميلة تثير الإعجاب ولا تبعث في النفس العمل والإقبال، والإخبات والوقوف بباب الوهاب.

“أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، وسؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه”.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.