كيف تقيمون أوضاع الحركة الإسلامية في المغرب عقب أحداث 16 مايو في الدار البيضاء؟

إن الحركات الإسلامية هي حركات دعوة إلى الله عز وجل، هدفها إخراج الأمة من دائرة الغفلة عن الله تعالى إلى دائرة الاستقامة، وتحرير المستضعفين في الأرض من العبودية لغير الله وحمل رسالة العدل والمساواة والإخاء إلى الإنسانية جمعاء. وعبر التاريخ، حيث أنيط الإنسان بمسؤولية الدعوة والتغيير، ووجهت كل حركات التغيير بالقمع والاضطهاد، بدءا بالرسل والأنبياء، وحتى رجال المقاومة الذين واجهوا الاستبداد من آل البيت وغيرهم. لذلك فلن تكون الحركة الإسلامية المغربية استثناءا. فواجبها الذي هو واجب الطليعة المجاهدة مقاومة الظلم استعدادا للقاء الله عز وجل. فوضع الحركة الإسلامية قبل أحداث 16 ماي لا أظنه أحسن حالا مما هي عليه الآن، فالحصار المفروض على الحركة الإسلامية، والقمع الممنهج والتضييق، حقائق ثابتة قبل وبعد 16 ماي. المتغير هو في إعطاء هذه الخروقات الصبغة القانونية. بعد المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب أما إن كان الأمر يتعلق بما قد تعتبره بعض الحركات الإسلامية امتيازات كانت تتوفر عليها من خلال عملها في إطار مشروعية النظام المغربي، قد تفقدها اليوم بعد الأحداث. فأرى أن قوة الحركة الإسلامية في قوة مشروعها وفي ثقتها في موعود الله عز وجل بالنصر والتمكين.

هل تعتقدون أن التفجيرات الإرهابية ستقود إلى فرز حقيقي في جسم الإسلاميين بين التطرف والاعتدال مثلا، أو السلفيين والحركيين بالنسبة للنظام في المغرب؟

موقف الحركات الإسلامية المغربية من العنف الذي يتنافى مع سماحة الإسلام ورحمته، كان واضحا. فالإسلام جاء يحمل بشارته بالرفق والعدل. أمرنا بحقن الدماء وجعل سفكها بغير حق من أكبر الموبقات. ولنا نموذج كامل في حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأناته، ومن المؤسف أن بعض التيارات المتشددة والتي اختارت خط العنف تحسب على الحركة الإسلامية، بل ينسب العنف إلى الإسلام. رغم أن أسبابه متعددة، فإضافة إلى الفهم الخاطئ للتغيير في الإسلام، هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وكذا سياسية ساهمت في تنامي عقلية الحقد والكراهية للمجتمع. ولا نظن أن النظام المغربي يهتم للتمييز بين الحركات الإسلامية بل ما يهمه هو من يخدم مصلحته. فإن كان اليوم يحارب السلفية الجهادية، فهو من دعمها بالأمس للتضييق على بعض الحركات الإسلامية. كما أنه من غير اللائق أن ننسب كل ما حدث للسلفية، رغم أن السلفية هي اتجاهات مختلفة. كما أن ما حدث من خروقات تمثلت في اعتقالات واختطافات لبعض المشتبه فيهم تشكل انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان.

كيف تنظرون إلى مستقبل العمل الإسلامي في المغرب في أفق مخطط وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنظيم وإعادة هيكلة الحقل الديني؟

لم تكن يوما وزارة الأوقاف تحكم الحركات الإسلامية، ولا كانت الحركات الإسلامية تحت وصاية وزارة الأوقاف ثم ما الجديد الذي سيأتي به الإصلاح الديني وقد يؤثر على مستقبل العمل الإسلامي. عمل وزارة الأوقاف ممركزا أساسا بالمساجد، والحركة الإسلامية ممنوعة من الدعوة عبر المساجد. الدين الذي تتبناه وزارة الأوقاف هو دين العبادات الناعسة والمناسك العاجزة.

أما الدين الذي تحمل مشروعه الحركات الإسلامية فهو دين الجهاد الشامل تجديدا للإيمان وتحريكا للهمم النائمة وإحياء الشهامة وترفض الذلة.

تعدد التنظيمات الإسلامية بالمغرب، هل يعكس تعددا في الاجتهادات أم يترجم واقعا آخر؟

ما من خلاف بين المسلمين إلا مرده إلى عوامل ثلاثة: ما طرء على الكتاب والسنة من اجتهادات عبر القرون واختلاف في درجة الفهم، فلكل جماعة نظرتها للإسلام، ومقاصده والجهاد ووسائله، ثم ما يغشى هذه الإرادات البشرية من فتور يدعو إلى مسالمة الواقع أو حماس مندفع يؤدي إلى عنف.

والتنظيمات الإسلامية على الأغلب تعكس هذه الخلافات وعليه فهي تتنافس أكثر من أن تتكامل. وأرى أنه لا محيد لهذه التنظيمات عن إيجاد صيغة تتكامل فيها الجهود، ولا يتم لها ذلك إلا في إطار بلورة مرجعية مشتركة تضمن هذا التكامل. وفي نظري أن هذه المرجعية لا تكتمل إلا على ضوء ما اقترحه الأستاذ عبد السلام ياسين لتجاوز الخلافات التي سلف ذكرها وهي استصلاح اجتهاد فقهي قروني وإدماجه في إطار اجتهاد كلي، ثم الانفتاح العقلي والحوار، وقبل ذلك وأثناءه وبعده الإخلاص لله عز وجل.

البعض أصبح يتحدث عن صراع أجيال داخل الحركة الإسلامية المغربية، ما رأيكم؟

صراع الأجيال صنعه الاستعمار لما جاء باللائكية دينا بديلا عن نظام الحكم في الإسلام. فعلى هذا النحو كان الصراع داخل الأحزاب أما داخل الحركة الإسلامية فلا يمكن الحديث عن صراع للأجيال بهذا المعنى وإنما الأمر لا يعدو ما سبق وذكرته من اختلافات وأسبابها. فيحتاج كل تنظيم إلى مشروع تربوي متكامل يوحد الإرادات والتصور والجهود.

بعد سنوات من نهج إحدى الحركات الإسلامية المغربية لخيار المشاركة السياسية كيف تقيمون هذا التوجه؟

لا يمكن الحديث عن مشاركة سياسية في الحكم إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي. والذي لا يخفى أننا لا زلنا بعيدين عن هذه المرحلة. والمشاركة السياسية الفعلية هي التي تدفع في هذا الاتجاه ولا يكون ذلك إلا برفع الوصاية عن إرادة الشعب ليختار بكل حرية وبدون قيد أو شرط دستوره وحكومته وبرلمانه هذا في اعتبار التغيير الشامل. أما مشاركة بعض الاتجاهات الإسلامية من خلال الحكومة أو البرلمان فلا يخلو من إيجابيات، ولكنها تبقى في سياق محاولات للإصلاح جزئية كثيرا ما تصادر. ويبدو لي أن هذه المشاركة في ظل نظام لا يسمح للإسلاميين أن يشكلوا أغلبية، بل لا يسمح لأي حزب بذلك، يستحيل معها الحديث عن مشروع مجتمعي متكامل يوضح كيف يغير المنكر بالمعروف، ولا يغير المنكر إلا بتغيير أسبابه التاريخية.

إلى عهد قريب كان بالإمكان الحديث عن خصوصية الحركة الإسلامية المغربية وتميزها، الآن بعد أحداث 16 ماي هل ما زال هذا الطرح واردا؟

أعتقد أن التميز لا يمكن الحديث عنه بوضوح إلا بالنظر إلى تنظيم بعينه داخل الحركة الإسلامية لأن الحركة الإسلامية بالمغرب أو بغيره تنظيمات متعددة ولكل تنظيم ما يميزه والمتتبعون للحركة الإسلامية واعون بهذه الحقيقة، فهم لا يحكمون على الحركات الإسلامية وكأنها كيان واحد بل يميزون. أما إن أردنا التميز، فتميزنا المطلوب أننظهر بمثال سلوكنا وبتعليمنا وفكرنا وخطتنا أن الإسلام رحمة وأن ما فيه أمتنا أفرادا وجماعات بلاء لا يلامس جوهر عقيدتها رغم انحراف بعض الفئات. نتميز بمعالجة الفتنة لنقضي على الفتنة لا على الناس، ونتميز أساسا بأن نسمع الناس كلمة الله وخبر الآخرة والاستعداد للقاء الله بعد الموت.