قال الشيخ عبد القادر: “باب قرب الحق لا يقبل الزحمة”. نداء الله عز وجل المتلو شهادة والمُلْقى غيبا في الثلث الأخير من الليل لا يجد من العباد الاستجابة. فأكثرُ العباد لا يريدون الله، إنما يريدون ما عند الله. يا حسرة على العباد. حَجَبَ العباد عن ربهم، وعن الإسراع إليه والسير والسلوك والمشي والتقرب والوصول ما كسبت أيديهم. حَجَبَ القلوبَ ما ران عليها وعلاها من أوساخ الذنوب والمعاصي والنفاق وسوء الظن بالله وبعباده والكسل عن الطاعات.

حَجَبَهم قرناء السوء واستخفافُهم بالصالحين وحسدُهم وقياسهم للآخرين على أنفسهم عن صحبة الأخيار وهي الشرط الأول في السلوك. حجبهم الغفلة والعادة والطبع والهوى والأنانية وتأويل كلمة الحق عن ذكر الله وعبادته على قدم السنة، والذكر هو الشرط الثاني في السلوك. وحجبهم كذبهم وتكذيبهم بالحسنى ونفاقهم عن صدق التوبة، وصدق النية، وصدق اليقظة، وصدق الاعتقاد، وصدق الطلب مع الصادقين، والصدق هو الشرط الثالث.

ومن تركيب هذه الموانع والحجب وضرب بعضها في بعض تنتُج الأعداد الهائلة، حتى يُقال: إن بين بعض العباد وربهم سبعين ألف حجاب من ظلمة ونور. وما وضع هذه الحُجُبَ غيرهم، ولا كسب سيئاتِها سواهم.

قال الله تبارك وتعالى يخبرنا عن حال المجرمين: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون).(سورة المطففين، الآية: 14) الرَّيْنُ: الصدأ.

وقد شرح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتكون هذا الصدأ ويعلو القلوب فتنحجب عن ربها عز وجل، فقال فيما رواه مسلم عن حذيفة: “تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عَوْداً عَوْداً. فأي قلب أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء. وأي قلب أنكرها نُكِت فيه نكتةٌ بيضاء. حتى تصير على قلبين: أبيضَ مثلَ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مُرْبادّاً كالكُوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشْرِبَ من هواه”. الحديث.

تعرض الفتن كالحصير عودا عودا: قال ابن الأثير: تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس. عَوْدا عَوْدا: أي مرة بعد مرة. قال: أشربها. دخلت فيه وقبلها وسكنت فيه. مُرْبَادّاً: الذي في لونه رُبدة وهي بين السواد والغُبْرة. كالكوز مُجَخِّياً: كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال.

هكذا يعلمنا الله ويعلمنا رسوله أثر مكاسبنا على قلوبنا. ما من عمل حسن إلا يزداد به القلب بياضا ونورا. وما من خطيئة وفتنة يُشْرَبُها القلب ولا يتوب فاعلها ويستغفر إلا نَكَتَتْ في قلبه سوادا. ويتراكم السواد طَبَقا عن طبق حتى يؤلِّفَ صدأ يرين على القلب فيحجبه عن ربه عز وجل دنيا وأخرى.

السلوك سير قلبي، والمشايخ المسلِّكون أطباء في تصفية القلوب. ليس طِبُّهم من قبيل وصف الدواء من بعيد، بل هم أنفسهم دواء، صُحْبتهم ومجالستهم ومحبتهم ومخاللَتهم تَعَرُّضٌ مباشر للإشعاع القلبي الشافي بإذن الله الذي يودعه الله عز وجل في قلوب أوليائه.

لكن كيف يعتَرِف عليلُ القلب، وداؤه مستورٌ عن الأبصار، أنه مريض! داء العُجْب يمنعه عن الاعتراف. أم كيف يقصد رجلا مثلَه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يقول له: داوني! الكبرياءُ وسوءُ الظن يمنعان من ذلك. حُجُبٌ بعضُها فوق بعض وظلمات. ويموتُ مريض القلب بدائه، لم يعرفه، أو عرفه ولم يرض بعرضه على أصحاب البصائر. وتسمعه يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة نبيه. وما عنده علم بالمصيبة الجُلَّى التي أصابت قلبه وسره فمَنعته من ملامسة نور الكتاب ونور السنة. ألا وهي مصيبة الرين والحجاب.

قال الإمام الرفاعي رحمه الله: “أيْ بُنيّ! اعلم أن أعظم مصائب السر حجابُه عن الله تعالى. فكل من حلت به هذه المصيبةُ فقد تلاشت سائر مصائبه في جنبها. فإن المحجوب سكران، والسكران لا يجد حالة سكره وجعَ المصيبة. فإذا أفاق وجد الألم.

“ومصيبة المحجوب لا تنجبر أبدا إلا بتجريد السر عن كل ما دون الله تعالى. ولا وعيد في القرآن أصعب من قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم). (سورة المطففين، الآية: 14).

“فكم من طاعة حَجَبت صاحبها عن المطاع (سبحانه)، وكم من نعمة قطعت صاحبها عن المُنعم. ورُبَّ نائمٍ رُزق الانتباه بعد رقدته، ومنتبهٍ نام بعد طول الانتباه. ورب فاجر رُزق الولاية، وبلغ منازل الأبرار، وزاهد سقط عن ولايته وسلك مسالك الفجار. وكم من عامل حجبته رؤية أعماله عن رؤية امتنان ربه حتى عميَتْ بصيرته فصار مبعدا وهو يحسب أنه واصل.

“ولا مصيبة أشد على العارف من الحجاب ولو طرفة عين. وأعظم عقوبة على العبد البُعد من الله والحجابُ”. (حالة أهل الحقيقة مع الله ص 133-134).

قال رحمه الله: “واعلم أن الكفار محجوبون بظلمة الضلالة عن نور الهدى. وأهل المعصية محجوبون بظلمة الغفلة عن نور التقوى. وأهل الطاعة محجوبون بظلمة رؤية الطاعة (أي الاعتزاز بعملهم من دون الله واهب المنن والاستكبار به والاستغناء) عن أنوار رؤية التوفيق وعناية المولى.

“فإذا رفع الله عنهم هذه الحجب نظروا بأعين النور إلى النور. فعند ذلك يحجبون عن غيره به.

“فكل من نظر إلى حركاته وأفعاله في طاعة الله صار محجوبا عن وليها (سبحانه) مفلسا. ومن نظر إلى وليها صار محجوبا به عن رؤيتها. لأنه إذا رأى عجزه عن تحقيقها وإتمامها صار مستغرقا في امتنانه. وربما يُحْجَب برؤية العبادة عن وجدان حلاوتها. وربما يُحْجَبُ برؤية وِجدان الحلاوة عن صحة الإرادة. وربما يُحْجَبُ برؤية المنة عن رؤية المنان سبحانه” (حالة أهل الحقيقة مع الله ص 135-136).

قلت: نَعَمْ! المحجوب سكران: سكرة العقل بعلمه ومخزون مكتسباته، وسكرة النفس بأنانيتها واستكبارها، وسكرة الماجن بلذاته، والرئيس برئاسته، والمالك بمِلْكِهِ، والمعافَى بصحة بدنه، والمريض بمرضه، والفقير المُعْوِز بعَوَزه، حتى تحيط بالدنيا وهوسها عدّاً، عكسا وطردا. الدنيا دار فتنة، وما من فتنة عينية جزئية أُشْرِبَها القلبُ حتى استقرت فيه إلا أظلمت ركنا منه وتكاثف عليه الريْنُ فما بالك بمن أُشْرب حبَّ الدنيا كلها، وهي الفتنة مُجَسَّدة! لذا كان حب الدنيا رأسَ كل خطيئة، وكانت حجابا عن الآخرة، وكانت هي والآخرة، لمن وقف عندهما بسره، حجابا عن الله عز وجل.

والموفَّق من لا يقف مع شيء من دون الله، خصوصا مع طاعته يَعتَدُّ بها ويباهي. الموفق من يخرق الحجاب الأكبر، وهو الزمان، وهو العمر، وهو حظه من الدنيا، ويطويه فيطلِّقُ الدنيا من قلبه، ثم يطلق الآخرة من سره، ويقطع المراحل كأنه في الدنيا غريب أو عابر سبيل. يقطع المراحل وهمُّه الله لا غيره.

قال شيخ الإسلام ابن القيم: “العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه. ومدة سفره هي عمره الذي كتب له. فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه. ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره. فكلُّ يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة مرحلة حتى ينتهي السفر.

“فالكيِّس الفطن (الموفق) هو الذي يجعَل كل مرحلة نُصْبَ عينيه، فيهتم بقطعها سالما غانما. فإذا قطعها جعل الأخرى نُصْبَ عيْنيه. ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه، ويَمْتَدَّ أمله، ويحضر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل. بل يعدّ عمْرَه تلك المرحلة الواحدة. فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته.

“فإذا تيقن قِصَرَها وسرعة انقضائها هان عليه العمل، فطوعت له نفسه الانقياد إلى التزوُّدِ. فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك. فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها. فيحمد سعيه، ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته. فإذا طلع صبح الآخرة، انقشع ظَلاَمُ الدنيا، فحينئذ يحمد سُرَاهُ، وينجاب عنه كَراهُ. فما أحسن ما يستقبِلُ يومه وقد لاح صباحُه، واستبان فلاحه” (طريق الهجرتين ص 234).

قال الشيخ عبد القادر: “ويحك يا جاهل! بدل ما تشغل نفسك بالاعتراض، اشغلها بالسُّؤال من الحق عز وجل. شاغِلْها به حتى تذهب أوقات البلايا وتنطفئ نيران الآفات(…)

“إذا تحيرت قل: يا دليلَ المتحيرين دُلني. إذا ابْتُليتَ وعجزت عن الصبر قل: إلهي أعِنِّي وصبِّرني واكشف عني. وأما إذا وصلت، وأُدْخِل قلبُك وقُرِّبَ منه، فلا سؤال ولا لسان! بل سكون ومشاهدة. تصير ضيفاً. والضيف لا يَتَشَهَّى، بل يُحْسِنُ الأدبَ، ويأكل ما يُقَدَّم له، ويأخذ ما يعطى. إلا أن يقال له: تشهَّ! فيتشهى امتثال أمر لا اختياراً منه.

“السؤال عند البعد، والسكوت عند القرب. القوم لا يعرفون غير الحق عز وجل. تقطعت الأرباب عنهم، وانخلعت الأسباب من قلوبهم(…)

“من ادعى محبة الله عز وجل وطلب منه غيره فقد كذب في محبته. أما إذا صار محبوبا واصلا ضيفا مقربا فيقال له: اطلب وتشَهَّ وقل ما تريد فإنك مُمَكَّنٌ! (…) اطلبوا منه طيبة القلوب معه، فإنه يُوَسِّع طيبة القلوب على من يشاء، يُكثِر أرزاق القلوب على من يشاء” (الفتح الرباني ص 237).