على إثر توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان تم إحداث هيئة “الإنصاف والمصالحة” بعد أن حظيت بالقبول من طرف السلطات العليا بالمغرب.

قوبلت هذه المبادرة بترحيب كبير من طرف فئة اعتبرتها ثورة في مجال حقوق الإنسان لطي صفحة الماضي، لضمانها إنصاف الضحايا وتحقيق مصالحة وطنية بعيدا عن كل روح انتقامية. غير أن كثيرا من الضحايا والفاعلين الحقوقيين اعتبروا المبادرة مخيبة للآمال لعدم مسايرتها لتوصيات الندوة الوطنية حول انتهاكات حقوق الإنسان.

فالحقيقة التي كانت مطلبا جوهريا للندوة وللمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، لما تشكله من ضمانة حقيقية لطي صفحة الماضي وعدم تكرار مآسيه في المستقبل تم اختزالها في مضمون توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وتجاهلها وهذا ما يتضح من خلال اسم الهيئة المحدثة وصلاحياتها وطريقة عملها.

والمساءلة التي تجسد ركن العدالة تم رفضها رسميا باستبعاد المعالجة القضائية والمساءلة الجنائية، وفي ذلك مجانبة للمقاربة الشمولية الكفيلة بطي صفحة الماضي وحماية المستقبل حسب رأي هذا الفريق.

وبعيدا عن هذا الجدل الحقوقي، الذي له مسوغاته في الإطار المرسوم له من كل طرف يجب أن نقف لمساءلة حقيقة إرادة السلطة في طي صفحة الماضي وإحداث قطيعة مع أساليب العهد الغابر. وقبل الدخول في هذا السجال، لنبصر هل هذه المبادرات والشعارات المرفوعة هي للترويج الخارجي من أجل تحسين صورة المغرب لدى الدوائر الأجنبية؟ أم هي مجرد تدبير لتسوية وضعية خصوم الأمس قصد المصالحة والإدماج أما خصوم اليوم فليس لهم إلا الحديد والنار؟ أم هي بالفعل إرادة صادقة لوضع قطيعة مع الماضي وأساليبه بهدف إنصاف الضحايا، كل الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية مع كل أبناء البلد بدون إقصاء من أجل بناء مغرب الغد، إرادة صادقة على استعداد لاتخاذ كل التدابير والإجراءات لطي صفحة الماضي؟

إن أبسط جرد لما يحدث اليوم من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في ظل الشعارات المرفوعة والمبادرات “المطروحة” يفرض علينا مساءلة هذه الإرادة واختبار مصداقية تلك الشعارات.

لقد أقرت التقارير الحقوقية سواء الصادرة من منظمات حقوقية مغربية أو من منظمات حقوقية أجنبية استمرارية الاختطافات والتعذيب والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية، وقد تجسدت هذه الانتهاكات في الحملة التي شنتها السلطة في إطار محاربة الإرهاب على ما سمي بـ”السلفية الجهادية”، كما تجسدت هذه الانتهاكات في اعتقال الصحفيين وتوقيف المنابر الإعلامية وهنا نتذكر محنة مصطفى العلوي ومحنة علي المرابط التي لا زالت مستمرة ومحنة صحفيي الجهة الشرقية الشاهدة على قمع حرية التعبير وتغليب المقاربة الأمنية.

وقد شكلت الانتهاكات التي تعرضت لها الحركة الطلابية بالمغرب وقادتها من طلبة العدل والإحسان، من تعذيب جماعي واعتقالات تعسفية ومحاكمات صورية وطرد جماعي من الدراسة واقتحام للحرم الجامعي من طرف أجهزة القمع، جوابا على حقيقة إرادة طي صفحة الماضي.

إن محك احترام الدولة لحقوق الإنسان يقاس بناء على كيفية تعاملها مع الخصوم وليس مع الحلفاء. والذي ينظر لتعامل السلطة مع هؤلاء الخصوم خاصة جماعة العدل والإحسان يدرك حقيقة الشعارات المرفوعة.

فاستمرار اعتقال 12 عضوا من الجماعة محكوم عليهم ظلما بعشرين سنة سجنا بعد مزاعم إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وتشديد الحصار على الجماعة بمنع أنشطتها وتوقيف منابرها الإعلامية وجل الجمعيات التي ينشط فيها أعضاؤها ومتابعة رموزها بتهم واهية، واعتقال المئات من أعضائها وطلبتها، كلها أعمال تجلي حقيقة هذه الإرادة.

إن الممارسة أقوى برهان على حقيقة إرادة طي صفحة الماضي، ولا يمكن طيها بالشعارات ولا بالمبادرات الشكلية، إنما يتم طيها بتوقيف الانتهاكات، اليوم قبل الغد، كضمانة أولية لفتح المجال للحديث عن الكيف الذي تطوى به صفحة الماضي وتحقق به المصالحة الشاملة في الحاضر ويشيد به سدا منيعا لحماية المستقبل، عند ذلك فقط يمكن الحديث عن الحقيقة والإنصاف والمصالحة والعفو في إطار وجود إرادة صادقة وثقة متبادلة بين جميع الأطراف.