أرسل الله الرسل لبيان الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، فأوضحوا سبل تحقيق هذه الغاية بما أوحى إليهم الله عز وجل. هذه الغاية هي إخلاص العبودية لله تعالى، ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[(البقرة:29). وكانت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة ما بعث به الله عز وجل وأوحى. ويمكن تمييز ما بعث به النبي عليه والصلاة والسلام إلى صنفين :

_ما يخص الإنسان وحده من أوامر لا تتعلق به ذمة غيره ، وهي مسؤوليته كفرد مكلف.

_ما يخص الإنسان في علاقته مع غيره فتتعلق بذلك ذمم أخرى، وهذه مسؤوليته باعتباره فردا في الجماعة .

هذان الصنفان رغم ما قد يكون بينهما من تداخل، إلا أننا يمكن من خلالهما أن نحدد الإطار العام لعمل الإنسان في هذه الدنيا: العدل والإحسان، كما في قول الله عز وجل: ]إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون[ (النحل: 90).

فالإحسان له علاقة بالصنف الأول، وهو مصير الإنسان في علاقته مع الله عز وجل، وهو أعلى مراتب الإيمان، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. والعدل له علاقة بالصنف الثاني، وهو ما يجمع الإنسان بغيره، وإن شئت فقل: هو أدنى ما يمكن أن يجمع بين بني الإنسان.

ولكي يتم تحقيق العدل شرعت مجموعة من الأحكام تقوم بتنفيذها وتحرص على ذلك مجموعة من الأجهزة تضمها الدولة ، أو قل هي الدولة . وتأهيلا للغاية الإحسانية شرعت مجموعة من الأحكام والتعاليم تعد الإنسان للقاء الله تعالى وليس عليه وزر أو ذنب، وهذا ما يشرف عليه جهاز يسمى بالدعوة. ونؤكد مرة أخرى أن كلا الأمرين مرتبط ببعضه البعض، ولا يمكن الفصل بينهما عمليا وإن أمكن الفصل نظريا. أو بعبارة أخرى، أن مسؤولية الفرد لا يمكن فصلها عن مسؤوليته داخل الجماعة.

ولئن كان الترابط وثيقا بين الدعوة والدولة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلافة الراشدة، وكانت الدعوة هي أصل الدولة وغايتها، فإن الأمر لم يكن كذلك بعد الخلافة الراشدة، إذ سيطرت الدولة على الدعوة وأقصتها لتسود طاغية مستبدة محكمة لغير الله عز وجل، بل ليحكم الهوى والتعصب.

فأمر الدعوة أصبح مهمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فقط. وأما أمر الدولة فأصبح مهمة النظام الحاكم. فالدعوة بعد الانكسار التاريخي إما أن تخضع للدولة وتذوب فيها، وإما أن تضطهد وتحارب. ولا يمكن أبدا أن ننكر ما كان لهذا الأمر من آثار سيئة على الفكر الإسلامي عامة، والاجتهاد خاصة. ثم إن العلماء الذين نصحوا لحكامهم كان نصيبهم من العقاب وافرا لم تغفله كتب السير والتاريخ&

وقد أخبر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، حين قال: ” ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم بتظاهر قالوا يا رسول الله كيف نصنع قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله ” .

وفصل الدعوة عن الدولة هو ما يمكن أن نصطلح عليه اليوم بفصل الدين عن الدولة، وإن لم يكن بنفس الدرجة، ولكن يمكن اعتباره، كما سبقت الإشارة، علمانية غير مصرحة. ويؤكد هذا ما ساد في الفكر الإسلامي من تفريق بين السياسية الشرعية يختص بها الحكام وبين الفقه الذي كان من اختصاص الفقهاء.

ولن يصح بناء اليوم إن بقيت الدعوة والدولة منفصلتين، وإن لم تخدم الدولة الدعوة وتحميها. كما لا ينبغي الانشغال بالعمل السياسي الحزبي عن الدعوة قبل وبعد…