على إثر توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان تم إحداث هيئة “الإنصاف والمصالحة” بعد أن حظيت بالقبول من طرف السلطات العليا بالمغرب.

قوبلت هذه المبادرة بترحيب كبير من طرف فئة اعتبرتها ثورة في مجال حقوق الإنسان لطي صفحة الماضي، لضمانها إنصاف الضحايا وتحقيق مصالحة وطنية بعيدا عن كل روح انتقامية. غير أن كثيرا من الضحايا والفاعلين الحقوقيين اعتبروا المبادرة مخيبة للآمال لعدم مسايرتها لتوصيات الندوة الوطنية حول انتهاكات حقوق الإنسان. وسجلوا بشأنها عدة تحفظات؛ خاصة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنتدى الحقيقة والإنصاف والمركز المغرب لحقوق الإنسان، أما المنظمة المغربية لحقوق الإنسان فقد كانت مقاربتها أقرب إلى توصية المجلس الاستشاري مع بعض الملاحظات ضمنتها في مذكرتها.

ومن أهم التحفظات التي سجلتها المنظمات الحقوقية حول التوصية:

1. غياب المعالجة الشمولية لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والدعوة إلى تبني توصيات الندوة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المنعقدة في الرباط أيام 9 و10 و11 نونبر 2001.

2. اختزال مطلب الحقيقة في مضمون توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بعدم التنصيص عليها في اسم الهيئة المحدثة، مع أنها مطلب جوهري بالنسبة للضحايا والمنظمات الحقوقية، لا يمكن طي صفحة الماضي بدون تحقيقه.

3. عدم استقلالية الهيئة نتيجة تأسيسها في إطار قوانين المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وليس بموجب قانون يضمن لها الاستقلالية ويمنحها سلطات تمكنها من القيام بواجبها.

4. استبعاد المساءلة الجنائية، التي يعتبرها أصحابها تجسيدا لركن العدالة وضمانا لعدم تكرير تلك المآسي.

5. حصر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي فقط، وتغييب انتهاكات التعذيب والنفي والإبعاد القسري والقتل خارج نطاق القانون.

وبعيدا عن هذا النقاش الحقوقي، الذي له مسوغاته. يجب أن نقف لمساءلة حقيقة إرادة السلطة في طي صفحة الماضي وإحداث قطيعة مع أساليب “العهد الغابر”، لنبصر هل هذه المبادرات والشعارات المرفوعة هي للترويج الخارجي من أجل تحسين صورة المغرب لدى الدوائر الأجنبية؟ أم هي مجرد تدبير لتسوية وضعية خصوم الأمس قصد المصالحة والإدماج، أما خصوم اليوم فليس لهم إلا الحديد والنار؟ أم هي بالفعل إرادة صادقة لوضع قطيعة مع الماضي وأساليبه بهدف إنصاف الضحايا، كل الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية مع كل أبناء البلد بدون إقصاء من أجل بناء مغرب الغد، إرادة صادقة على الاستعداد لاتخاذ كل التدابير والإجراءات لطي صفحة الماضي؟

إن أبسط جرد لما يحدث اليوم من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، في ظل الشعارات المرفوعة والمبادرات “المطروحة”، يفرض علينا مساءلة هذه الإرادة واختبار مصداقية تلك الشعارات.

لقد أقرت التقارير الحقوقية سواء الصادرة من منظمات حقوقية مغربية والتي توجست من صدور هذه التوصية في هذا السياق، أو من منظمات حقوقية أجنبية، استمرارية الاختطافات والتعذيب والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية، تجسدت هذه الانتهاكات في قمع الحركات الاحتجاجية على رأسها حركة المعطلين، والحملة التي شنتها السلطة في إطار محاربة الإرهاب على ما سمي بـ”السلفية الجهادية”؛ حيث حوكم، في غياب شروط المحاكمة العادلة كما أكدت ذلك هيئة الدفاع، كثير من الأشخاص بأحكام قاسية بلغت أحيانا الإعدام أو المؤبد دون الاستناد إلى أدلة إثبات واضحة، بالإضافة إلى المعاملة غير الإنسانية سواء قبل المحاكمة أو أثناءها أو بعدها وشهادة “عصبة الحراس الرافضين” لما يتعرض له هؤلاء من سوء المعاملة داخل السجون خير دليل. وإثارة ما عرفه ملف “السلفية الجهادية” من خروقات لا يعني أبدا الاتفاق مع حملة هذا الفكر، ولكن يعني أن هناك حقوقا شرعها الله وراكمتها البشرية فيما يتعلق بالإنسان، لا ينبغي بأي حال من الأحوال استثناء أي إنسان من تلك الحقوق سواء بدوافع إيديولوجية أو فكرية أو عنصرية، بل حتى المجرمين لهم حقوق أثناء المحاكمة وقبلها وبعدها. وتجسدت هذه الانتهاكات أيضا في اعتقال الصحفيين وتوقيف المنابر الإعلامية، وهنا نتذكر محنة مصطفى العلوي ومحنة علي المرابط، التي لا زالت مستمرة، ومحنة صحفيي الجهة الشرقية الزملاء مصطفى قشنني وميلود بتركي وعبد العزيز جلولي، وقبل ذلك محنة جريدة “رسالة الفتوة”، وجريدة “العدل والإحسان” حيث منعت هذه المنابر بتعليمات لا تستند على أي أساس قانوني، بل بلغ الأمر حد مداهمة المطابع وشركات توزيع البضائع، كل ذلك في محاولة يائسة لإقصاء طرف سياسي، من الساحة السياسية.

كما شكلت الانتهاكات التي تعرضت لها الحركة الطلابية بالمغرب، وقادتها من طلبة العدل والإحسان، من تعذيب جماعي، واعتقالات تعسفية، ومحاكمات صورية، وطرد جماعي من الدراسة والأحياء الجامعية، واقتحام للحرم الجامعي من طرف أجهزة القمع، جوابا على حقيقة إرادة طي صفحة الماضي. وعرفت الساحة الجامعية منذ صدور الدورية الثلاثية مجازر داخل الحرم الجامعي، كان أبطالها أجهزة التدخل السريع وما يعرف بـ”الأواكس”، خلفت العديد من الضحايا بكسور وجروح وعاهات مستديمة. إضافة إلى الاعتقالات التعسفية التي بلغت المئات، زج ببعضهم في مخافر الشرطة تحت سياط التعذيب التأديبي، ونصبت للبعض الآخر محاكمات صورية لا تتوفر فيها أبسط شروط المحاكمة العادلة، ولم يحضر جلساتها إلا الأجهزة المخزنية، أما العموم فكان يزج به في مراكز الأمن في أحسن الأحوال إذا لم تصبه عصى أجهزة التدخل السريع وتنصب له محاكمة صورية هو الآخر.

وبجانب التعذيب والاعتقال هناك الطرد الجماعي الذي شمل طلبة العدل والإحسان وبعض المناضلين بحرمانهم من الحق في التعليم والحق في السكن بالأحياء الجامعية وآخره طرد طلبة ابن ملال وطرد واحد وعشرين طالب من كلية الحقوق المحمدية.

إن محك احترام الدولة لحقوق الإنسان يقاس بناء على كيفية تعاملها مع الخصوم وليس مع الحلفاء. والذي ينظر لتعامل السلطة مع هؤلاء الخصوم خاصة من يعتبر معارضة حقيقية يدرك حقيقة الشعارات المرفوعة.

كما أن استمرار اعتقال اثني عشر عضوا من جماعة العدل والإحسان محكوم عليهم ظلما بعشرين سنة سجنا بعد مزاعم إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وتشديد الحصار على الجماعة بمنع أنشطتها وتوقيف منابرها الإعلامية وجل الجمعيات التي ينشط فيها أعضاؤها ومتابعة رموزها بتهم واهية، واعتقال المئات من أعضائها، إضافة إلى محاكمة ثلاثة أعضاء من مجلس إرشاد الجماعة خلال هذه السنة وهم الأساتذة: عمر أمكاسو وعيسى أشرقي ومحمد عبادي الذي حكم عليه بسنتين سجنا نافذة، ومتابعة أعضاء آخرين بقانون الإرهاب؛ هذه كلها أعمال تجلي حقيقة هذه الإرادة.

بل حتى فيما يتعلق برفع الحصار عن الأستاذ عبد السلام ياسين، والذي اعتبره العديد من المتتبعين مؤشرا على إرادة التخلص من مخلفات الماضي، يتأكد لكل من حاول زيارته أن تلك المياومة لأجهزة البوليس أمام بيته لازالت مستمرة، وأن هناك رصد لكل حركاته، وليس الأستاذ عبد السلام ياسين وحده المراقب والمتجسس عليه بل الأمر يطول كل مسؤولي الجماعة.

إن الممارسة أقوى برهان على حقيقة إرادة طي صفحة الماضي، ولا يمكن طيها بالشعارات ولا بالمبادرات الشكلية، إنما يتم طيها بتوقيف الانتهاكات، اليوم قبل الغد، كضمانة أولية لفتح المجال للحديث عن الكيف الذي تطوى به صفحة الماضي وتحقق به المصالحة الشاملة في الحاضر ويشيد به سد منيع لحماية المستقبل، عند ذلك فقط يمكن الحديث عن الحقيقة والإنصاف والمصالحة والعفو في إطار وجود إرادة صادقة وثقة متبادلة بين جميع الأطراف.

إن في وجود مناخ تسوده الثقة المتبادلة بين جميع الأطراف مقدمة لطي صفحة الماضي. وإن الاعتراف بالذنب ركن أساسي من أركان التوبة بدونها لا يمكن أن تقوم. والوضوح أمام الذات وأمام الأمة شرط أساسي لتحول جذري وحقيقي، ومن تمام الوضوح الكشف عن الحقيقة لأن طي صفحة الماضي يقتضي قراءتها أولا حفاظا على الذاكرة واستخلاصا للدروس والعبر.

ولا يمكن أن تكون مصالحة في غياب ما سلف، كما لا يمكن أن تكون على أنقاض حمامات الدماء، أو تنصيب المشانق، أو العقاب.

وهذا قد نستخلصه من بعض التجارب الإنسانية العالمية ونستخلصه نحن، قبل ذلك، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومافعله عند فتح مكة، مع من قتل المسلمين وعذبهم. لقد كان الفتح والانتقال مختزلا في كلمة واحدة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. كلمة قيلت بعد تحقق جميع الضمانات لعدم العود.

ذ. عبد الصمد فتحي

رئيس تحرير جريدة “رسالة الفتوة” المحاصرة