هناك ظاهرة تتكرر في المغرب، ففي بعض اللحظات الخاصة، تشتغل النخبة بتنظيم إجماع حول قضية ما، أو باستقبال أو ترقب حدث أو أحداث تخدم الانفتاح وبالمقابل، تتحرك آلة العنف، في استغلال حاذق للظروف، لاقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، لا يتمكن الرأي العام من الانتباه إلى مقدار خطورتها إلا لاحقا، فيستغرب أن تكون قد حصلت فعلا، ويشرع في البحث عن وسائل المعالجة وطرق التصحيح.

وهكذا، وفي عام 1977، وبينما الطبقة السياسية المغربية تركز على اهتمامها على حدث انطلاق ما سمي آنذاك بـ”المسلسل الديمقراطي”، وبمعركة تثبيت حق المغرب على أراضيه الصحراوية، شهدت البلاد أكبر مجزرة للحق في التفكير والتنظيم، حيث سيق عشرات الشباب والتلاميذ إلى السجن بتهمة محاولة قلب النظام وإحلال نظام آخر محله، وهم لا يملكون سوى أقلامهم ودفاترهم، ولا يمارسون سوى أنشطة نقابية وتعبيرا سلميا عن مواقف سياسية باعتبارهم تيارا فكريا، وأدين هؤلاء الشباب بعشرات السنين في محاكمة مثيرة لم يتردد خلالها القضاة في إضافة سنوات جديدة من السجن، بجرة قلم، إلى العقوبات المحكوم بها، لأن الذين صدرت في حقهم الأحكام رددوا شعارات وأناشيد بقاعة الجلسات، واستمرت متابعة بعض مناضلي اليسار الجديد بعد محاكمة 1977، حيث أدين أحدهم مثلا بـ15 سنة سجنا من أجل قصيدة شعر!

وفي عام 1984، وبينما سيطر على الحياة السياسية حدث إنشاء الاتحاد العربي الإفريقي، والمشاركة “الجزئية” للاتحاد الاشتراكي في الحكومة، والحديث عن إمكان مشاركة “أوسع” بشرط حصول انتخابات نزيهة، لم يتأت في ظل هذا الظرف، التعرف على مصير الشباب المتظاهر في الشمال، ولم تسلط الأضواء الكافية على محاكمات غريبة، عمدت فيها الضابطة القضائية إلى “تحيين” ملفات سابقة لمناضلين يساريين قدامى أدينوا وأودعوا السجون مرة أخرى، لمجرد أنهم توبعوا في فترة سابقة، فكأنهم تحولوا إلى رهائن دائمين، رغم انقطاع صلة أغلبهم بالظروف التي اعتقلوا فيها لأول مرة، وتم ذلك في إطار تأويل خاص ومشتط لخطاب رسمي.

وفي 1996-1997، وفي غمرة انتشاء الرأي العام بالتعديلات المسطرية الإيجابية، وقبل أن تنتهي موجة الفرحة التي حركها الإفراج عن أكثر من 400 معتقل سياسي عام 1994، وفي خضم انتظار التناوب، كان مسلسل رهيب من التجاوزات يتم باسم حملة التطهير، حيث تمت عشرات المداهمات وأعمال التعذيب والتنكيل وتصفية الحسابات وحجز أفراد داخل بيوتهم وملاحقتهم حتى داخل السجون. وفي نفس الوقت جرت مجموعة من الاختطافات “الغامضة” بعدد من مناطق المغرب، دون أن يظهر أثر للمختطفين، ودون أن يتوصل أحد حتى الآن إلى معرفة سياق وحيثيات تلك الاختطافات.

واليوم، ونحن نعيش أجواء الإجماع على إدانة الإرهاب و”حماية المشروع الديمقراطي الحداثي”، ونتابع فصول انتخابات 12 شتنبر وحكاياتها، وتطورات ملف قانون الأسرة، وهل نتبين جيدا ما يجري حولنا؟ وهل نواكب بما يكفي من اليقظة أطوار حملة ما بعد 16 ماي التي طالت المئات؟ وهل نحن متيقنون من أننا لن نقف مشدوهين يوما ما أمام ذكرى ما جرى؟ وأننا لن نتساءل: كيف وقع ذلك؟ وأين كنا لما كانت كل هذه المظالم ترتكب؟

بعد تفجيرات 16 ماي، كان من الطبيعي، بل من واجب الدولة أن تحرك مساطر المتابعة ضد الأحياء من مرتكبي تلك الأفعال، طبقا لما ينص عليه القانون وباحترام للضوابط والضمانات والحقوق المنصوص عليها، ولكن ما وقع كان شيئا آخر.

– مئات من الاعتقالات والتوقيفات التي تتم دون أن تقدم عنها أية بيانات، باستثناء الذين يحالون على المحاكم، مع وجود صعوبة في أن نتصور أن لجميع الذين شملتهم هذه الحملات الواسعة جدا علاقة معتد بها حنائيا بالجرائم المرتكبة.

– تصريح جميع المتهمين تقريبا بتعرضهم للتعذيب دون أن يعرضوا على خبرة أو يفتح تحقيق في الأمر.

– تسريع المحاكمات حتى تنتهي قبل صدور القانون الجديد للمسطرة الجنائية لحرمان المتهمين ربما من درجة ثانية في التقاضي.

– كل القرائن تشير إلى أن جل المتهمين مروا عبر مركز الاعتقال غير القانوني بتمارة.

– تعيين محامين في إطار المساعدة القضائية أحيانا، لحظات قليلة قبل إصدار الأحكام بعشرات السنين من السجن.

– الإصرار على محاكمة متهمين جرحى بعد إصابتهم في حادث سير، وعدم نقلهم للعلاج أولا، وتركهم يتساقطون أمام أعين القضاة مغميا عليهم.

– موت المتهم الرئيسي أثناء الاعتقال وضياع الحلقة المحورية لفهم سيناريو الأحداث، وموت معتقل آخر في نفس الظروف، بدون أن يسمح للعائلات والمنظمات الحقوقية باستعمال الوسائل الكفيلة بتبديد شكوكها.

– تزامن متابعة محام مع انطلاق المحاكمات يطرح أكثر من سؤال ولا يوفر شروط عمل نفسية ملائمة للمحامين.

– متابعة طفلتين صغيرتين بجرائم خطيرة يصعب حسب الوسائل المتوفرة للقاصرتين تصور جدية مشروعهما الإجرامي، وإيداعهما بالسجن لقضاء عقوبة بخمس سنوات عوض الإفراج عنهما أو إحالتهما على مركز إصلاحي ورعاية طبية نفسية، مع التذكير بأن تغيير صك الاتهام يسمح بالتشكك المشروع حول احتمال وجود إرادة الإبقاء عليهما رهن الاعتقال رغم جميع الظروف.

– معاناة الصحافة المستقلة من محنة غير مسبوقة في تاريخها والإصرار على إدانة مجموعة من الصحفيين، ومواطنين عاديين يحتمل أن يكونوا قد عبروا عن موقف من الأحداث في إطار غير سياسي ليس من شأنه خلق تبعات أمنية، وإدانة مجموعة من الدعاة الذين أكدوا رفضهم للعنف، والذين لا يتيسر للملاحظ الموضوعي أن يتأكد من ثبوت عناصر علاقة السببية المادية بين نشاطهم الديني والدعوي وبين الجرائم المرتكبة وفقا للمبادئ العامة للقانون الجنائي، وكل هؤلاء تبعا لذلك يعتبرون سجناء رأي طبقا للمعايير الدولية.

– الاعتماد على تقنية “الاتفاق الجنائي العام” للربط بين مختلف أصناف المعتقلين، واعتبار كل من انضم لـ”التيار” متحملا المسؤولية عن الجرائم المرتكبة في أية نقطة بالمغرب وفي أية لحظة، وهي تقنية سهلة، لكنها تفضي إلى نوع من التعميم الذي يهدر الحقوق ويمنع تفريد الجزاء.

– شن حملة في الإعلام العمومي لتبرير الأحكام اعتمادا على استظهار مضامين محاضر الضابطة القضائية وتعبئة الجمهور لمسايرة رواية تلك المحاضر، بدون أن يتاح لهيأة الدفاع حيز للكلام في الإعلام العمومي لعرض وجهة نظرها بخصوص طريقة سريان المسطرة واعتقادها ببراءة عدد من موكليها.

هل كانت الدولة محتاجة إلى الرد بكل هذا القدر من العنف والقسوة؟ ولماذا سكتت الأحزاب السياسية ولم تبد أي حرص على ضرورة خضوع ممارسة حق الدولة في العقاب لضوابط دولة الحق والقانون؟ هل يعود ذلك إلى سهولة نعت البعض لكل من ينادي باحترام المساطر بأنه حليف للإرهاب وخصم للأمن العام وعدو للدولة، أم أن خيار الديمقراطية عندنا ليس قضية مبدئية؟

إننا قد نخجل من أنفسنا غدا، إذا استعدنا شريط ما يقع اليوم.

وفي انتظار أن تصدر المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تقريرها المفصل عن حملة ما بعد 16 ماي، نذكر بأن أجهزة الدولة في أي مكان، إذا ألفت الاستجابة لنزوة الخرق، يصبح ذلك قاعدة للعمل، ويسمح بإمكان توسيع دائرة الضحايا.