إن توفر الإرادة السياسية، وتجسدها في كتلة منظمة، بقيادة مطاعة قوية، وإحكام نظام، ثم قناعة رجالها بالقضية التي من أجلها تشكلت، هي العوامل الأساسية لإحداث تغيير في المجتمعات.

وعلى مقدار ما عند الطليعة القيادية والقاعدة المعبأة من استعداد للتضحيات، وقدرة على سوق الجهود إلى قمة التوتر والفاعلية، يتوقف نجاح الحركات.

هذا كلام عن عموم التحركات البشرية، في نطاق التدافع الأرضي، ومواجهة العواطف والوسائل بعضها بعضا.

وتمتاز التحركات الإسلامية، ونموذجها جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاد أصحابه معه ومن بعده، بارتفاع العامل المعنوي في الجهاد، وهو الهجوم على الموت بناء على اليقين الإيماني أنها إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر.

وكان مما يعتد به أول شيء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معنوية المجاهدين. عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بعثوا إليه يطلبون مددا في إحدى المعارك أجلب: “إن أهم أمركم عندي الصلاة!”، فكان نصحه إياهم بالعناية بالصلاة هو نفس المدد، لأن إقبالهم على الصلاة يزيد إيمانهم، وإيمانهم يؤهلهم لنصر الله إياهم. ثم خالد يكتب إلى رستم: “جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة”، إشارة إلى ما كان يتمتع به جند الله من معرفة كاملة، واستعدادا نفسي وعملي للشهادة في سبيل الله، وهي أقصر طريق إلى الدرجات العليا، إلى الحياة الحقيقية.

واقرأ آيات الجهاد في القرآن، وكتاب الجهاد في أسفار الحديث، تجد أن المؤمنين مخاطبون بإلحاح أن يتجردوا من الحياة الدنيا نفسيا، ويوطدوا نياتهم على الموت في سبيل الله، لينالوا حياة الرضى عند الله الأبدية.

كان الإمام البنا رحمه الله يتحدث عن “صناعة الموت” إلى إخوانه، يستحث فيهم تلك الجذوة الجهادية التي تتحول إن تأججت في قلوب جند الله نورا يضيء لهم الطريق إلى العز في الدنيا والآخرة، وتتحول بذلك نارا على العدو.

إنها مسألة حياة أو موت. ما دام المسلمون يفضلون حياة الخنوع والمذلة، هذه الحياة الدنيا بكل معاني الدون، فهم كم ميؤوس من خيره. ولن يغير الله ما بنا قبل أن نغير ما بأنفسنا، وأهم ما بأنفسنا من ويل الحرص على الحياة الدنيا وكراهية الموت.

قال الله تعالى يؤنب بني إسرائيل ويبكتهم ليعلمنا بضرب المثل أن نتجنب النماذج الهابطة: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم. والله عليم بالظالمين). (سورة البقرة، الآيتان: 94-95)

كانوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم أصحاب الجنة بعد الموت. فيعجزهم الله عز وجل بهذا التحدي الحاسم أن يتمنوا الموت لينتقلوا من هذه الدار الشاقة إلى الآخرة. لكنهم لا يؤمنون بالمعاد ولا بأنهم سيجزون خيرا بعد الموت، وهم الأخسرون أعمالا هنا.

ويخبرنا الله سبحانه وتعالى أنهم لن يتمنوا الموت أبدا لعلمهم بسوء أعمالهم.

ثم يقول الله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة. ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة). (سورة البقرة، الآية: 96)

انتبه إلى ورود كلمة حياة نكرة. وإلى كلمة الحرص. فهم حريصون على هذه الحياة الخسيسة الماكرة التي تميز اليهود عبر التاريخ، والواحد منهم حريص على حياة أي حياة. وأفضل الدعاء عندهم لبعضهم أن يطول عمره.

هذا زجر بسرد المثال السيء لنا لكيلا نحرص على هذه الدنيا، لا سيما إذا كان الرضى بها والحفاظ عليها يعني الذل والبؤس للمسلم وأمته.

“صناعة الموت” إذا ضرورة تربوية تنظيمية، حب الشهادة في سبيل الله، وجعل الموت في سبيل الله أعز ما يطلب في ثقافتنا، في تعليمنا، في تربيتنا، في إعلامنا، في الهواء الذي نتنفسه، والغذاء الذي نطعمه، هو الروح الذي ينتظر أن يسري في الأمة لتنهض من كبوتها التاريخية، ولتستحق الحياة، ولتستعصي على الأعادي، ولتنتصر، ولتنال موعود الله بالخلافة في الأرض.

إن لم نرب نفوسنا على الجهاد والسخاء بالمال والنفس، وبذل المال والنفس، فلا حياة.

إن لم يكن كل فرد من جند الله مستعدا للموت، أهون ما يكون عليه ذلك، بل أحب ما يكون إليه، ما دام واثقا أنه في سبيل الله، فلا حياة للأمة.

لا يعني هذا أن ندفع بأموالنا وأنفسنا هكذا يسيرة على الأعداء. لا نستهين بأموالنا ومهجنا دون أن نصرفها حيث يكون الصرف أنفع للأمة. من إتقان صناعة الموت أن يعرف المؤمن لم يموت لتصلح نيته، ومتى يموت ليكون موته لحظة لنصر قضية من قضايا أمته، وكيف يموت ليكون موته ربحا لنا وخسارة على عدونا، ومع من يموت ليندمج جهاده في جهاد جند الله، وليساهم موته في دفع عجلة الجهاد إلى الأمام.

أخس ما في نفوسنا المريضة هو كراهية الموت. بل هو المرض والوبال والكارثة. وقد شخص لنا المرض والعلاج رسول الله المصطفى معلمنا وحبيبنا وطبيبنا صلى الله عليه وسلم، روى أبو داود وابن عساكر بسند صحيح عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تتداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”. فقال قائل: “أومن قلة نحن يومئذ؟” قال: “بل أنتم يومئذ كثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليقذفن الله في قلوبكم الوهن”. فقال قائل: “يا رسول الله! وما الوهن!” قال: “حب الدنيا وكراهة الموت!”.

هذا هو المرض الذي بنفوسنا، لا نرجو تغيير ما بنا حتى نغيره: الوهن. وما الحيلة لنزعه؟ ما العلاج؟ ما الوسيلة؟

هذه المئات الملايين أخذت تستيقظ والحمد لله وفي إيران رفض للغثائية ومعانيها وشفاء من مرض الوهن، بفضل محبة الحسين عليه السلام، وبفضل تقمص حال الحسين عليه السلام، وبفضل ذكرى الحسين واستشهاد الحسين، وبقائها حية في النفوس، ثم تذكيتها، وإثارتها، ورفع شعارها.

وهذا جهاد أبطالنا المجاهدين في أفغانستان يذكرنا وفاؤهم بالعهد، وإقدامهم على الموت، ونصر الله إياهم بخرق العادة، بذلك العهد الأول.

فهل يتم لنا أمر في الأقطار الإسلامية كلها كما تم لنا في أفغانستان وإيران، (نرجو الله أن يحفظنا فيهما)، بدون الروح الجديدة المجددة، روح الشهادة في سبيل الله؟

كلا ثم كلا!

إذا أعدنا في نفس المومن والمومنة الحالة الصحية وهي حب الشهادة واحتقار الحياة الدنيا التي يحرص عليها غيرنا فأبشر بالنصر! وإلا فأبشر بطول سلامة يا مربع!

إذا ألفنا جند الله من كتائب تريد أن تموت في سبيل الله، وتعرف لم تموت، ومتى وأين وكيف ومع من، فذاك زحف لن يغلب بإذن الله. وإن نلفق أشتاتا من الناس، يحرص كل منهم على الإبقاء على نفسه بدل، أن يستبقوا إلى مغفرة الله ورضوانه، إلى الثغرة الأشد خطرا على يكون جهادا. بل تكون مأساة مكررة لحشود عبد الناصر الغثائية، وتنظيمات الأحزاب زمن الوهن.

ألا بلغ من ورائك يا أخي، بلغي من ورائك يا أختي، أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأن الجد والغناء في الحياة الأخرى. بلغا أن الحياة الدنيا متاع الغرور وأن حياة الشهيد عند ربه، وفرحه بلقائه، واستبشار بما لقي حين يلتفت إلينا من ورائه يتمنى لنا اللحاق به، هي الحقائق الثابتة التي عليها مدار حياة الأمة. الإيمان به فيصل ما بين الحق الديني والباطل. والعمل على مقتضاها هو الفيصل ما بين الموت التاريخي للأمة والحياة الجديدة التي نرجوها لها.