الدنيا بستان

إن الرحمة الإلهية خلقت في الدنيا مزرعة جميلة، وبستاناً زاهياً، وجعلت الجبال مخازن ومستودعات، وأوتاداً للتثبيت، وقلاعاً عظيمة.. وهكذا جعلت جميع الأشياء لوازم وأثاثاً لذلك القصر المنيف، بمقياس مكبر، وأظهرت عظمة ربوبيته سبحانه مثلما أسبغت رحمته سبحانه ـ من حيث الجمال ـ صنوف نعمه على كل كائن حي، حتى على أصغره، ونظّمت عليه، فجمّلت الكائنات طراً بالنعم وزيّنتها باللطف والكرم، دافعة هذه الألسنة الصغيرة الناطقة بجمال الرحمة أن تقابل تلك الألسنة العظيمة الناطقة بجلال العظمة، أي أن الأجرام الكبيرة كالشمس والعرش حينما تنطق بلسان العظمة: “ياجليل.. ياكبير.. ياعظيم” تقابلها ألسنة الرحمة في البعوض والسمك والحيوانات الصغيرة بـ”ياجميل.. يارحيم.. ياكريم “.. مكونة بذلك نغمات منسجمة في موسيقى كبرى، تزيدها حلاوة ولذة.

أسعد إنسان

لما كانت الدنيا فانيةً.. والعمر قصيراً.. والواجبات كثيرة.. أن الحياة الأبدية تُكسب هنا، في الدنيا.. وهي ليست بلا مولى.. فللمضيف ربٌ كريم حكيم.. لا يضيّع جزاء السيئة ولا الحسنة.. ولا يكلّف نفساً إلا وسعها.. وحيث إن السبيل السوي وما فيه أذى لا يستويان.. فلابد أن أسعد إنسان هو مَن لا ينسى الآخرة لأجل الدنيا.. ولا يضحي بآخرته للدنيا.. ولا يفسد حياته الأبدية لأجل حياة دنيوية.. ولا يهدر عمره بما لا يعنيه.. ينقاد للأوامر انقياد الضيف للمضيّف، ليفتح باب القبر بأمان.. ويدخل دار السعادة بسلام.

القلوب الميتة

يهب الله عز وجل لعبد من عباده تَركَ الدنيا لأجله، وعافها في سبيله، هديتين: إحداهما دواء للأسقام المعنوية، والأخرى علاج للأمراض المادية. فالقلوب الميتة تُبعث بنور الهداية، والمرضى الذين هم بحكم الأموات يجدون شفاءهم بنفث منه ونفخ، فيبرأون به. وأنت أيها الإنسان! بوسعك أن تجد في صيدلية حكمته تعالى دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فإنك لا محالة واجده وظافر به.