ونبدأ بالسؤال: لماذا المنهاج؟

يجيبنا الأستاذ ياسين: “المسلمون بحاجة اليوم إلى اكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في الدار الآخرة, وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج النبوي واستكملوا الشروط” . فالأمة الإسلامية اليوم تعيش واقعا معقدا ومتشابكا, به تحكيم شريعة وضعية مقابل إقصاء شريعة الإسلام, ظلم وفساد, استعباد الإنسان لأخيه الإنسان, والقلوب فارغة إلا من الوهن…

ولكن، ما نصيب الحركات الأخرى من هذا المنهاج ؟

في دراسة حول مشاريع الإشهاد الحضاري تناول الدكتور عبد المجيد النجار بالتقييم نتائج مجموعة من الحركات التي قامت على امتداد العالم الإسلامي: منذ محمد بن عبد الوهاب إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى الإخوان المسلمين بمصر. والقارئ لهذه الدراسة يتبين مدى حاجة أية حركة تغييرية لمنهاج يقيها الزلل ومنزلقات تحيد بها عن غاياتها وأهدافها.

ونقتطف من هذه الدراسة بعض الملاحظات حول المنهج الذي صرف به المشروع التغييري.

ففيما يخص الحركة السلفية، يلاحظ النجار:

_العنف الذي تراوح بين ما يشبه الإكراه المعنوي وبين الإكراه المسلح في إنفاذ رؤاها & وهذا كان حال الدعوة الوهابية خصوصا والدعوة المهدية . في حين تميزت الدعوة السنوسية بالتؤدة والرصانة، والعمق و التأثير ، ويتضح هذا من خلال تتابع قادة عظام عليها مثل المهدي السنوسي وأحمد الشريف ، ومن خلال امتداد تأثيرها وعمقه لولا العوامل الخارجية التي تسلطت عليها .

_الضعف في التربية الفكرية على الخصائص الأصلية للفكر الإسلامي ، والميل إلى التربية التقليدية. وهذا، في نظر الكاتب، ما قصر بهذه الخطة عن بلوغ أبعد مدى في الإصلاح.

_ استحثاث الخطى والتعجيل بها في سبيل امتلاك السلطان السياسي أوقع الوهابية والمهدية في شيء من المحاذير بارتكاب المقاتل في صفوف المسلمين و تسويغها في حين كانت السنوسية شديدة التحوط والحذر من هذه المحاذير، فقد كان مسعاها إلى السلطة السياسية طويل النفس متئد الإعداد، ولذلك فهي لم توجه سلاحا قط صوب فئة من المسلمين، وادخرت كل جهدها لمجاهدة المستعمرين من الفرنسيين والطليان.

و يلاحظ على منهج التحرر أنه لم يعتمد التعبئة الشعبية العامة مسلكا في التغيير، بل كان محدودا في نخبة متعلمة لا يتجاوزها إلى الجمهور العريض من الناس، باستثناء ما كانت عليه حركة عبد الحميد بن باديس، ويفسر هذا بالتأثير المحدود للمشروع التحرري.

كما كان لضمور البعد الحركي في المشروع التحرري تأثير سلبي على سيرورة أفكار الإصلاح بين الناس، فأعلام التحرر كانوا في أغلبهم يتحملون الإصلاح فرادى، أو ضمن علاقة فكرية عامة دون تأسيس حركة جماعية شاملة ذات تنظيم واسع.

كما يلاحظ الكاتب أن المنهج الإحيائي استطاع تعبئة النفوس تعبئة شاملة بالأمل والعزة وشحنها بالطموح وزرع الثقة فيها بعد طول شعور بالانهزامية… إلا أنه يرى أن الجانب الفكري لم يكن له حضور داخل هذه التعبئة الشاملة، ومرد ذلك إلى أن النفير الفكري بحثا علميا، واجتهادا، وتحليلا ونقدا، لم يكن على قدر النفير الإرادي والعملي عزما وإصرارا وإنجازا علميا في ساحة الواقع.

استطاعت حركتا المشروع الإحيائي تنفيذ الرؤية الإصلاحية ونشرها وتنزيلها على الواقع بواسطة تنظيم موسع يضم مؤسسات متعددة ووظائف مختلفة، إلا أن النجار يلاحظ غياب مؤسستين هما: المؤسسة السياسية ومؤسسة البحث العلمي، ولا تخفى أهميتهما.

من هنا, كان المنهاج ضروريا:

_لتحليل الواقع الراهن والبحث عن جذور الفتن.

_لوضع خطة العمل، بأهدافها وبرامجها.

_لرفع علم الاجتهاد وتجاوز الجمود.

_لترتيب الأولويات…

_لقراءة التاريخ والبحث عن عوامل النهوض والتجديد.

_لبناء الإنسان وصياغة شخصيته…

_…

كل هذا وفق الغايتين السابق ذكرهما, الإحسانية والاستخلافية, اللتين تقف أمام المؤمن عقبات دونهما تطلب منه الاقتحام، الذي يعتبر محور المنهاج النبوي، من أجل تحرير النفس والإنسان والأمة. ويعرفه صاحب المنهاج بأنه تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. هذا الاقتحام يحدثنا عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسبغة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أولئك أصحاب الميمنة. والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة. عليهم نار موصدة) (سورة البلد).

هذه العقبة تتفرع عنها عقبات تثبط الإنسان يلخصها الأستاذ عبد السلام ياسين في ثلاث لكل منها بعد منها بعد نفسي تربوي وبعد اجتماعي تنظيمي:

_الذهنية الرعوية، وهي ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل, وأن يدبر لها غيرها وهي لا تقدر أن تدبر, أولئك قوم يحق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق” .

_الأنانية المستعلية أو المتمتعة, يعوق أصحابها عن اقتحام العقبة امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه, قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس!

_العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد, المانعة لنا أن نعرف معروفا بميزان الشرع أو ننكر منكرا يذمه الشرع.

وكم هو دقيق هذا التصنيف وشامل, فلا يخلو وضع أو مشكل من إحدى هذه العقبات أو أكثر. وعلى هذا مدار التغيير تربية وفكرا وتنظيما…

تلكم هي العقبة, تعترض الفرد المسلم أمام غايته الإحسانية, وتعترض الجماعة المسلمة أمام غايتها الاستخلافية.

يرمي المنهاج النبوي إلى تجديد الدين في واقع الناس، وتجديد الإيمان في القلوب. واهتمامنا بمعرفة التجديد ومن يجدد وبم يجدد, وكيف يجدد، إنما هو، كما يرى الأستاذ ياسين, تحري أن يكون جهادنا مستمدا من الهدي النبوي منضبطا بالسنة النبوية, سائرا على منهاج النبوة لا حبا في الاطلاع.

والتجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم, أفرادا لتجدد إيمانهم بالتربية, وجماعة تجدد قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية بواجب الجهاد واقتحام العقبة .

واعتمد المنهاج النبوي في هذا الصدد ثلاثة أحاديث وردت في فصل التجديد، منها قوله صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم. قيل: يارسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” .

وتجديد الإيمان يكون بالكلمة الطيبة “لا إله إلا الله”، بقولها والإكثار من ذكرها، بها يرتقي المؤمن في معارج الإيمان، بدءا من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، الذي هو غايته كفرد… وهذا مطابق لما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” .

وعن هذا الحديث يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “هذا هو لب التجديد، يبدأ بذكر الله عبر الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله)، مثمرا الحياء، مؤهلا للمشاركة الفعلية في الحياة العامة الجماعية إماطة الأذى عن الطريق” .

ولا يفوتنا المقام دون أن أشير إلى أن جماعة العدل والإحسان لم تكن أبدا أمام امتحان التجديد، بل هي التي تبادر إليه. وهذا ما تؤكده أدبياتها وأنشطتها.

1_المنهاج النبوي ص 3.

2- اعتمد ثلاثة مشاريع هي: المشروع السلفي، المشروع التحرري، مشروع الإحياء الإيماني الشامل. وكان منهجه في الدراسة: التعريف بالمشروع أولا، ثم عرض محتواه ومضمونه، فمنهج المشروع في التنفيذ. ويختم كل فصل بتعقيب يقيم فيه مدى تقدير المشروع للواقع وطبيعة المضمون، والمنهج الذي نفذ به هذا المضمون .

3-صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ، رقم 3533.

4 _نفسه ص 31.

5 _رواه الإمام أحمد رقم 8690، 2/ 359.

6_رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان 1/63.

7 _المنهاج النبوي ص 36