بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين(. اللهم إن ذنوبي لا تضرك، وإن رحمتك إياي لا تنقصُك.

قال الله عز وجل: (بسم الله الرحمن الرحيم. هل أتاك حديث الغاشية. وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية. ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع. وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية. فيها عين جارية. فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة). (سورة الغاشية، الآيات الأولى).

الغاشية هي القيامة التي تأتي الناسَ وتنزل عليهم. والعاملة الناصبة هم الكفار المشركون، تعبوا في الدنيا وأنجزوا أعمالا كثيرة، فكانت لهم من أعمالهم النتائج الطبيعية في الدنيا، لكن الله عز وجل أبطلها وأحبطها في الآخرة فلا يكون لها ثَمَّ من نتائج إلا الخسران المبين، فهي لقصور نتائجها على الدنيا الفانية كالهباء المنثور.

أما أعمال المومنين،فإن كانت شبيهة في إعطاء النتائج السببية في الدنيا مع أعمال الكفار، فإن لها بقاء أبديا على صورة ثواب وجزاء ونعيم. أعمال المومنين سعي مَرْضِيٌّ في الدنيا إن حسَّنَه الإتقان، مرضِيٌّ في الآخرة إن زكّاه الإيمان وزكتهُ النية.

لأعمال المومنين معنىً، ولأعمال الخلق أجمعين، لأن الله عز وجل (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا). (سورة الملك، الآية: 2) إنَّ على أفعال العباد في الدنيا يترتبُ ظهورهم على قوى الكون وأرزاقه التي سخرها الله جل جلاله للعالمين، ويترتب جزاء الآخرة السرمديّ.

بأعمال الخلق يُجازى الخلق هنا وهناك. (إن الله لا يظلم الناس شيئا. ولكن الناس أنفسهم يظلمون(. (سورة يونس، الآية: 44) “يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا.(…). يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”. الحديث القدسي رواه مسلم والترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه.

جزاء الله جلت عظمته على الأعمال يُحْصَى فيه روح الأعمال وهي النية، وكتلة الأعمال ومقدارها وزمانها ومكانها واستمرارها، ثم نجاعَتها وفائدتها وصوابُها. فليس سواء من أخطأ وبدد جهوده كمن بلغ الغاية الحسنة من عمله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر”. رواه البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

شفعَ للعمل الخطإِ في الآخرة إخلاصُ العامل واجتهاده فأصاب هنالك أجرا واحدا، وفاته أجر الدنيا وحسنتُها كما فاته أجر الضِّعف في الآخرة لِما فرَّط ثم لم يبلغ الغاية المرجوة من فاعلية وإتقان وصيانة لحقوق العباد. لا يَتَهِمَنَّ أحد القَدَر بسوء نتائج أعماله هنا وهناك. وإن المسلمين الذين خانهم عملُهم، أو تكاسلوا وقعدوا عن جلائل الأعمال، اكتفاءً بفرائض العين من صلاة وصيام، لَمِنَ الصنف الخاسر في الدنيا إن كان الكفار خاسرين في الآخرة.

إن الذي يقابل خسران الآخرة كما يقابل النقيضُ النقيضَ، ومن ثمَّ يكون هو الفلاحَ المطلوبَ من الأمة المحسنة، هو الإحراز على حسنة الدنيا والآخرة معا، بالعمل الصالح للدنيا بجدواه وصوابه، الصالح في الآخرة بإخلاصه وجدواهُ وصوابه. قال الله جل جلاله يعرض علينا الحالتين المتقابلتين: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا. والله سريع الحساب). (سورة البقرة، الآية: 199).

حسنة الدنيا تنال بالعمل وحسنة الآخرة تنال بنفس العمل لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. وإن سجلات الامتحان في دار البلاء تكتب، وهناك في دار البقاء تنشر ليعلم الله أينا أحسن عملا. وأحسن العمل ما يحبه الله.

وإن الله تعالى أخبرنا في كتابه المبين أنه يحب أصنافا من الناس، وأنه لا يحب أصنافا آخرين. عيَّن هؤلاء لولايته وأولئك المُبعدين لنقمته، جزاءً بعد المسابقة لما كسبته أيديهم من أعمال. فهو سبحانه يحب المحسنين، والتوابين، والمتطهرين، والمتقين، والصابرين، والمتوكلين، والمقسطين. ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب القوم الأذلة على المومنين الأعزة على الكافرين.

وهو تبارك اسمه وعز سلطانه لا يحب المعتدين، ولا يحب الفساد، ولا يحب كل كفار أثيم، ولا يحب الظالمين، ولا المختال الفخور، ولا الخوان الأثيم، ولا المفسدين، ولا المسرفين، ولا الخائنين، ولا المستكبرين، ولا الفرحين بالدنيا اللاهين عن الآخرة الكافرين بها.

صفات لعاملين مختلفي النية والوجهة تستغرق كل مجالات الحياة إيجابا وسلبا. تستغرق المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والخلقي والسلوكي. تستغرق تحرك الناس في الآفاق كما تستغرق خلجات القلوب التي في الصدور.

ألا وإن الله عز وجل: “كتب الإحسان على كل شيء”. الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجة عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كل معاني الإحسان مكتوبة مطلوبة من عمل المومنين ليكون سعيهم مرضيا في الآخرة، وليأتي بحسنة الدنيا والآخرة، وليُدْرِجَ العاملين في صف من يحبهم الله عز وجل، ومن أحبَّه أناله مقامات الإحسان. (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان). (سورة الرحمن، الآية: 59).

إحسان العبادة من خلال العمل، كل العمل المشروع لاسيما ما كان أحبَّ إلى الله عز وجل.

وإحسان الإتقان، في الفروض العينية وفي الفروض الكفائية.

والإحسان إلى الناس، وهو البر، وهو قِوام المجتمع الأخوي. في رأس قائمة الأعمال الإحسانية المحبوبة عند الله المفضلة، لا أفضل منها، الدعوةُ إلى الله وراثَةً للنبوة وتأدية لوظيفتها. قال الله عز وجل: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين). (سورة فصلت، الآية: 33) ثم تتراصُّ الأعمال الأحب إلى الله في صرح السلوك الإحساني.

أولها الحب في الله والبغض في الله. “أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله”. حديث نبوي رواه الإمام أحمد وحسنه السيوطي. وهذه خصلة الصحبة والجماعة، جماعة الأشداء على الكفار الرحماء بينهم، أحبة الله الأذلة على المومنين الأعزة على الكافرين.

ثم الذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر”. رواه مسلم وأحمد عن سمرة بن جندب. وقال: “أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله”. رواه ابن حبان في صحيحه وغيره عن معاذ ووافقه السيوطي في تصحيح الحديث.

ثم الصدق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الحديث إليَّ أصدقه”. رواه البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة.

ثم البذل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي”. رواه أبو يعلى وابن حبان وصححه السيوطي. وقال صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله”. رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود. حصل عمل البر بين الصلاة وهي عماد الدين وبين الجهاد وهو ذِرْوَة سنامه. ومن البذل السماحة وبذل المعروف وحسن الخلق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب سَمْحَ البيع سمح الشراء سمح القضاء”. رواه الترمذي عن أبي هريرة.

ثم العلم والعمل وفي كل هذه الأحاديث علم بالأحب إلى الله ثم عمل به.

ثم السّمت الحسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي”. الحديث رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص. سَمْتُ المومن على نقيض مظهر المختال الفخور المستكبر. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”. رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسناد حسن.

ثم التؤدة والصبر. قال حبيب الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الدين ما داوم عليه صاحبُه”. أخرجه الشيخان والنسائي عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها. ومن التؤدة امتلاك اللسان وهو أخف الجوارح حركة. وكفه برهان على قدرة المومن على امتلاك زِمامِ نفسه فلا يصدر منها عملٌ أهوج. إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، و”لا يحب الفحش ولا التفحش” من حديث نبوي رواه أبو داود وأحمد عن ابن الحنظلية بإسناد حسن. ومن التؤدة الصبر والرِّفْقُ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب الرفق في الأمر كلّه”. وفي رواية: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله”. الحديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة رضي الله عنها.

ثم الجهاد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال عند سلطان جائر”. رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة وحسنه السيوطي.

وبعد، ففي قراءتنا الإحسانية هذه لشعب الإيمان نجد أن أخص الأعمال وأكثرَها بُطونا في قلب العاملين، وهي أعمال القلب في حب الله ورسوله والتحاب في الله، تسيرُ خطا واحدا في طريق محابّ الله، في طريق الأعمال الأحب إليه سبحانه، في طريق الإحسان بكل معاني الإحسان، إلى أن تنتهي إلى أكثر الأعمال ظهورا، وأوسعها شمولا، وأبلغها أثرا في حياة الأمة، ألا وهي أعمال الجهاد وأعمال إقامة العدل، وهو الأمر الإلهي المكرَّرُ في القرآن، المقرَّرُ بمداد الكرامة وإمداد الولاية في قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين) (سورة المائدة، الآية: 4) وهم الذين إذا حكموا حكموا بالعدل، وحكموا باجتهاد، وحكموا بصواب، وحكموا حكما يكفل لهم ولعامة الناس وخاصتهم، لدنياهم وآخرتهم، حسنة الدنيا وهي الاستخلاف والتمكين، وحسنة الآخرة وهي سكنى دار النعيم والنظر إلى وجه الله الكريم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلسا إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله تعالى، وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر”. رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وقال حديث حسن غريب. وللحديث شواهد تقويه.

وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: “التَّعَبَ، التَّعَبَ! ما دمت مريدا قاصداً سائرا. إذا وصلت وانقطعت مسافة سفرك، فصرت في بيت قرب ربك عز وجل زال التكلُّف. فيثبت الأنس به في قلبك، ويزداد حتى يأخذ بجوانبه. تكون أولا صغيرا، ثم تكبر. فإذا كبرت امتلأ القلب بالله عز وجل، فلا يبقى لغيره طريق إليه، ولا زاويةٌ فيه.

“إن أردت الوصول إلى هذا فكن مع امتثال أمره، والانتهاء عن نهيه، والتسليم إليه في الخير والشر، والغنى والفقر، والعز والذل، عند بلوغ الأغراض وعدمه، في أمور الدنيا والآخرة.

“تعمل له، ولا تطالب بذرة من الأجر (قلت: تستحي إن كنت تعبد الله كأنك تراه أن تطلب أجرا وأنت لا ترى إلا فضله وتقصيرك) تعمل ويكون قصدك رضى المستعمل وقربه.فالأجرة تكون رضاه عنك وقربك منه دنيا وآخرة. في الدنيا لقلبك، وفي الآخرة لقالبك.

“اعمل ولا تنافس على ذرة ولا على بَدْرة (صرة مال). لا تنظر إلى عملك، بل تكون جوارحك تتحرك بالعمل وقلبك مع المستعمل. فإذا تم لك هذا صار لقلبك عيونٌ تنظر بها. صار المعنى صورةً، والغائب حاضرا، والخبر معاينة.

“العبد إذا صلح لله عز وجل كان معه في جميع الأحوال. يغيِّره ويبدِّله، وينقله من حال إلى حال. يصير كله معنى، يصير كله إيمانا وإيقانا ومعرفة وقربا ومشاهدة. يصير نهارا بلا ليل، ضياء بلا ظلام، صفاء بلا كدر، قلبا بلا نفْس، سرّا بلا قلب، فناء بلا وجود، غيبة بلا حضور. يصير غائبا عنهم وعنه.

“كل هذا أساسه الأنس بالله عز وجل. لا كلام حتى يتم هذا الأنس بينك وبينه! اخطُ عن الخلق خطوة. لا لهم ضر ولا نفع، فقد جربتُهم. واخط عن النفس خطوة ولا توافقها. وعادها في رضى ربك عز وجل، وقد جربتُها. فالخلق والنفس بحران، ناران، واديان، مُهلكان.

“اعزم وجُزْ هذا الهُلْك وقد وقعت في المُلْكِ. الأول داء، والثاني دواء. اترك الداء والدواء. الأمراض كلها أدوية عنده وبيده. لا يملكها أحد سواه. إذا صبرت على الوحدة جاءك الأنس بالواحد. إذا صبرت على الفقر جاءك الغنى. اترك الدنيا ثم اطلب الآخرة. ثم اطلب القرب من المولى. اترك الخلق ثم ارجع إلى الخالق”.

قال طالب للقرب من مولاه، راج للوصول إليه:

وكـان فــؤادي خـاليـا من هـواكـمُ *** وكـان بذكـر الحـق يـلـهـو ويمــزَحُ

فلمـا دعــا قلـبـي هــواك أجـابـه*** فلـسـتُ أراهُ عـن فِـنـائِـك يَـبْــرَح

رمـيتُ ببعـدٍ مـنك إن كـنـتُ كـاذبا *** وإن كنــتُ في الدنيــا بغـيـرك أفـرح!

وإن كــان شـيء في البـلاد بأسـرهـا *** إذا غبــتَ عـن عيني لعـيـنيَ يَـمـلُـحُ!

فإن شئت واصلني وإن شئتَ لا تَصِـل *** فلسـت أرى قـلـبـي لغـيــرك يصـلُـحُ

وقال راجع عن الخلق كلهم إلى الحبيب الخالق عز وجل:

يا راحتي عنـدما تشتد بي عللي *** أنت اقتراحي على الأيام والدُّول

لو كنتَ لي وفقـدت النـاس كلهم *** والمال من بعدِ فقد الأهل لم أَسَل

وقلت:

اللَّهُ أَكْبَرُ هَذا الصُّبْحُ مَوْعـدُهُم *** مِنْ بَعْدِهِ لِضِيَاءِ الحَـقِّ إِشْــراقُ

اللَّهُ أَكْبَــرُ وَفُّـــوا اللَّهَ مَــوْثِــقَكُــم *** فَحَـبْـلُنَــا لِجَنَــابِ اللَّهِ مِيثَـــاقُ

اللَّهُ أَكْبَرُ قُومُـوا وَاعْمَلُــوا وَثِقُــوا *** تُفْتَحْ لَكُمْ لِمَــرَاقِي العِــزِّ آفَــاقُ