من ثراء تجربة العدل والإحسان في مجالات التربية والسياسة والفكر، ومن جدية مشروعها في التغيير أن تكثر حولها الكتابات والتعليقات. ويمكن أن نرتب هذه الكتابات إلى ثلاثة أصناف:

_كتابة أصحابها لا يعرفون، ويكتفون بما يسمعون.

_كتابة أصحابها مغرضون، في قلوبهم مرض، يتعسفون في التأويل، حتى إنك لا تكاد تخرج بحقيقة علمية، أو تستفيد مما كتب، بل تدرك غرض كاتب سطورها المغرض بسرعة من خلال منهجه.

_كتابة أصحابها أساتذة لا يفتؤون يصدرون التوجيهات والتحذيرات والتصويبات، وهم جالسون على الشط.

وبين هذه الأصناف تضيع الحقيقة ويتيه القارئ. وتشترك كلها في عدم معرفة التصور العام للجماعة الذي يحدد مواقفها وسيرها… وقليلة هي الكتابات المنصفة.

من هنا، كان موضوع هذا الكتيب توضيحا لأهم الثوابت التي يرتكز عليها تصور الجماعة، والتي يقع بشأنها نقاش وجدال واضطراب.

العدل والإحسان:شعار وصفة

إن العدل والإحسان ليس اسما لجماعة فقط، وإنما شعار تسعى الجماعة إلى تحقيقه بشقيه، وصفة يسعى الفرد لتحقيقها لنفسه والجماعة لأمتها. فأي كلام عن الجماعة من غير فهم لهذا الشعار/الاسم فهو قاصر عن بلوغ الحقيقة حتما.

إن العدل والإحسان لفظتان قرآنيتان متلازمتان، يتضمنهما معا قول الله عز وجل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل: 90).

هذه الآية الجامعة لأصول التشريع الإسلامي جاءت في سياق بيان أن القرآن الكريم كلام الله تعالى تبيان لكل شيء، وهو هدى ورحمة وبشرى للمسلمين&

فما معنى العدل والإحسان؟

أولا: العدل

العدل هو إعطاء الحق لصاحبه… وهو ضد الجور.

والعدل من أهم وظائف النبوة التي يمثلها قول الله عز وجل ]وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب. وأمرت لأعدل بينكم. الله ربنا وربكم[(الشورى:15)، فهذه الآية تمثل أساس بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إقامة العدل بين الناس في شتى المجالات لما كانوا يعيشونه من ظلم وفساد. وجميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية إنما جاءت لأجل تحقيق العدل.

وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أول السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، كما هو معروف، إمام عادل. وهذا إنما لقيمة الأمر الذي يقوم به.

وكم كانت كلمة ابن القيم رحمه الله جامعة وذات دلالة عندما قال: “الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه..”.1

فالعدل، إذن، مقصد شرعي وأساس أول للحكم بما أنزل الله عز وجل… وقد عاشت الأمة الإسلامية زمانا في ظل الحكم الإسلامي، عهد النبوة والخلافة الراشدة. لكن تحول الأمر بعد ذلك إثر الانكسار التاريخي حيث انتقضت العروة الأولى التي حدثنا عنها من لا ينطق عن الهوى، عليه الصلاة والسلام، “”لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة””.2

وقد بينت آيات أخرى أقسام العدل وفصلت مجالاته:

ففي العدل الأسري يقول الله عز وجل: ]فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة[ (النساء:30).

وفي مجال القرابة، قوله تعالى: ]وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى[ (الأنعام:52).

وفي إطار الجماعة المسلمة قوله عز وجل: ]وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا. إن الله يحب المقسطين[ (الحجرات:9).

وفي مجال الحكم بين الناس، يقول الله تعالى: ]وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل[ (النساء:58).

ثانيا: الإحسان

الإحسان هو الإتقان. ويشمل كذلك مجالات مختلفة، منها قوله عز وجل: ]إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [ (الإسراء:7).

وقوله عز وجل : ] وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. وبالوالدين إحسانا [ (النساء:36).

وقوله سبحانه وتعالى: ]فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع إليه بالمعروف وأداء إليه بإحسان[ (البقرة:178).

وغير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها والتي تدل على أن ما من أمر إلا ومطلوب فيه الإحسان، غير أننا نستطيع أن نحدد أعلى هذه المجالات وأصلها الذي عنه تتفرع المجالات الأخرى في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان: “”أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك””. وأدنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ أن امرأة بغيا رأت كلبا يلهث من العطش يأكل الثرى، فنزعت خفها وأدلته في بئر ونزعت فسقته فغفر الله لها.

ونعود إلى أصل الأصول الذي بينه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في حوار مع الملك جبريل عليه السلام الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلا: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ،ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ، أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان.قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك. قال : فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال أن تلد الأمة ربتها، وأن تلد الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق، فلبث مليا ثم قال لي يا عمر، أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.3

هذه المعاني والمراتب تعطينا في مجموعها مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس، وحتى بالأشياء…

وهذه المراتب هي التي ندب الله إليها الهمم العالية في قوله عز وجل ]سارعوا[ .. ]سابقوا[…

وعندما يسود الإحسان، فإن ذلك ضمان للمجتمع من مجموعة من الشرور والفتن، ذلك أن الإحسان، بما هو فضل وزيادة ومرتبة عليا في الدين والتقوى، معنى زائد على العدل، بل قد يحتويه.

من خلال ما سبق، يمكن القول إن العدل شرط بقاء للأمة الإسلامية، والإحسان شرط رقيها… وقد رأينا كيف تراجعت الأمة الإسلامية وانحطت عندما انتفى العدل.

وقد يلاحظ القارئ لكتاب الله عز وجل أن العدل يهتم أساسا بعلاقة الأفراد بعضهم مع بعض،أو مع أجهزة الحكم. أما الإحسان، فهو بالأساس علاقة الإنسان بربه، تعنيه هو أولا…

وعليه يمكن القول إن الإنسان في هذه الدنيا أمام مطلبين:

_مطلب عدلي،أو استخلافي ،قوامه العدل بجميع صوره ومجالاته …

_مطلب إحساني، يحدده حديث جبريل عليه السلام الذي مر معنا…

1_ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/3، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، 1973.

2_رواه الإمام أحمد رقم 22214، 5/ 251.

3_صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان 1/ 27