يجري الآن الحديث في بعض الصحف الوطنية عن مشاركة مقنعة لجماعة العدل والإحسان في الانتخابات الجماعية الحالية. فبينما يتهمكم البعض بالتنسيق مع حزب العدالة والتنمية في السر، يرى بعضهم أن المشاركة ستكون فردية تحت ألوان هيئات سياسية تعتبرونها قريبة منكم؟

موقف جماعة العدل والإحسان موقف واضح وثابت، وعبرت عنه في أكثر من مناسبة. وبخصوص المشاركة في الانتخابات، فموقفنا منها لم يتغير، فهو نفس الموقف الذي أبديناه خلال انتخابات 27 شتنبر، فنحن نعتبرها مسرحية للتمويه على الشعب والتسويق الخارجي. ولذلك، فجماعة العدل والإحسان لن تدعم أي قوة من القوى بأصواتها في هذه الانتخابات لأنها لن تكون أفضل من سابقاتها التي تعرضت للتزوير، فهي مجرد مسرحية لأنها تفتقد إلى المصداقية وتتم في سياق غير جاد وغير ديمقراطي..

لكن هناك من يؤكد أن جماعة العدل والإحسان، حفاظا على طهرانيتها السياسية، تتبنى موقف الرفض من المؤسسات، بينما تحاول التسلل إلى هذه المؤسسات بالزج بأعضائها والمتعاطفين معها لخوض غمار الانتخابات دون أن يعلنوا عن هويتهم المذهبية، كل ذلك -كما يؤكد هؤلاء، للسيطرة على هذه المؤسسات وإحراج الدولة…

هذا كلام غير صحيح، ونحن ننفي أي مشاركة لأعضاء جماعة العدل والإحسان، كما ننفي أي تنسيق مع حزب العدالة والتنمية للمشاركة بالدعم أو غيره في ما يخص هذه الانتخابات. وهذا السلوك يتنافى مع مبادئنا في العمل، والتي هي الوضوح والإحسان والمسؤولية. فموقف الأعضاء لا يخرج عن موقف الجماعة، وهو، كما سبق القول، موقف مبدئي ليس هناك أي مبررات لتغييره.

لسنا في دولة ديمقراطية تحترم إرادة الشعب، والمؤسسات التمثيلية لم تفرزها صناديق الاقتراع، ونظامنا السياسي لا يترك أي هامش للعمل، للبرلمان ولا للحكومة، فهي كلها خاضعة ومفصلة على المقاس. وكلنا نتذكر مهزلة 27 شتنبر حينما عين الوزير الأول من خارج الأحزاب المشاركة في الانتخابات، إذ فوجئ الكل، بمن فيهم الأحزاب التي كانت تشارك في الحكومة، بإدريس جطو يقفز عليهم من نافذة النظام ببرنامج لم يصادق عليه الشعب.

ولكن، بماذا نفسر ادعاءات البعض -خصوصا حينما يتم الحديث عن انتخابات 27 شتنبر- التي لا تتردد في القول إن العدل والإحسان قامت بتوجيه كل الاحتياطي الذي تملكه في الأعضاء والمتعاطفين للتصويت لصالح العدالة والتنمية بهدف إحراج النظام وبعثرة أوراقه وإحراجه في لعبته الديمقراطية؟

هذه ّإشاعات، وسبب بثها هو أن الأطراف المنهزمة لم تستغ النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات باجتهاده الذي مكنه من كسر جميع التوقعات بما فيها توقعات الإدارة المشرفة على الاقتراع، فادعت هذه الأطراف أن هذا النجاح كان بمشاركة جميع القوى الإسلامية بالمغرب، وهذه مجرد تبريرات للهزيمة. إننا في العدل والإحسان نعتبر دخول البرلمان خطأ، ولذلك فلا يمكننا أن ندعم ما نعتبره خطأ، وأصواتنا لم تذهب إلى أي جهة..

هل معنى هذا أنكم لا تعترفون بعلاقاتكم مع العدالة والتنمية؟ هل تنكرون أنه يوجد بينكما عمل تنسيقي؟

لا، هناك حوار دائم بيننا وبين جميع مكونات الحركة الإسلامية بالمغرب..

أنا أتحدث عن العدالة والتنمية .. هل تنسقون معهم؟

لا، نحن ننسق مع الحركات الإسلامية فيما هو مشترك، والانتخابات ليست من القواسم المشتركة.

تتحدثون عن الديمقراطية، وترفضون الآلية الانتخابية..

نحن مع الديمقراطية كآليات للحكم، أي مع كل ما يرتبط بها من أدوات ووسائل: فصل السلطة ونبذ الاستبداد والرضوخ لإرادة الشعب، فهذه الآليات من ابتكارات البشرية، وليست محجورة علينا. أما عن الآلية الانتخابية في بلدنا فهي خاضعة لإرادة سياسية تفرغ استعمالها من أي معنى، وبالتالي لا يمكن لجماعة العدل والإحسان التي موقفها واضح بهذا الخصوص أن تساهم في تكريس هذه المهزلة..

هب أنكم شاركتم في هذه الانتخابات، هل تتوفرون على برنامج انتخابي يجعلكم في موقع المنافسة؟

المشكل ليس مشكل مشروع أوبرنامج. فجماعة العدل والإحسان تملك مشروعا مجتمعيا متكاملا جسدته كتابات مرشدها الشيخ عبد السلام ياسين في ما يفوق عشرين كتابا، كلها تحمل رؤية ومشروعا لما ينبغي أن يكون عليه المغرب.

أما الحديث عن البرامج الانتخابية، فهو ليس بالأمر الصعب، إذا كانت على غرار ما يملأ الساحة في كل حملة انتخابية، فكل حزب يقدم برنامجه العام الذي لا يؤسس على المعطيات والأرقام.. ويعتمد على الشعارات الكفيلة باستمالة الناخب.

لكن المعطيات والأرقام موجودة ومتوفرة للجميع ليبني عليها برنامجه…

المعطيات والأرقام، على عكس ما يظنه الكثيرون، غير متوفرة. المتوفر، الآن، هي معطيات صورية للاستهلاك العمومي، أما المعطيات الحقيقية فكلها تتحكم فيها دوائر خاصة، محلية وأجنبية.

لوحظ خلال المدة الأخيرة أن جماعة العدل والإحسان ترغب في مد الجسور مع مختلف التشكيلات السياسية والمدنية، يمينا ويسارا.. بماذا تردون على بعض المتتبعين الذين يفسرون مبادراتكم بأنها محاولة للخروج من العزلة، بعدما أصبح حزب العدالة والتنمية، على الأقل في المستوى العمومي، هو ممثل الحركة الإسلامية بالمغرب والناطق باسمها؟ ألا تشعر جماعة العدل والإحسان التي تعتبر نفسها قوة هادئة أن البساط ينسحب من بين قدميها؟

الموقف الداعي إلى الحوار والتكتل والتحرك مع جميع القوى الفاعلة ليس جديدا على العدل والإحسان. فمنذ تأسيس جماعة وهي تدعو إلى الحوار حول القضايا المصيرية التي تهم مستقبل المغرب. وليس أدل على ذلك من المحاضرة التي ألقاها الشيخ عبد السلام ياسين في الثمانينيات تحت عنوان: “من أجل حوار مع النخبة المغربة”. ولذلك، فالحوار موقف استراتيجي، وليس موقفا طارئا.. ولقد اكتست جل كتب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الطابع الحواري منذ صدورها.

ولكن هذا الموقف لم ينعكس على مستوى الجامعة المغربية، فكلنا يعرف ما شهدته الساحة الطلابية من صراعات على امتداد التسعينات من القرن الماضي، مما انعكس على الحركة الطلابية التي تكاد تعيش الآن فتورا شاملا؟

ما حدث في الجامعة المغربية يمكن اختزاله في تفسير واحد، فطلبة العدل والإحسان حاولوا أن يعملوا من أجل تجاوز أزمة الحركة الطلابية، وقاموا بتفعيل مبدإ الاحتكام إلى الجماهير الطلابية، لكن المكونات الأخرى رفضت الاحتكام إلى هذا المبدإ الديمقراطي، ورفضت الاعتراف بوجودنا واعتبرتنا ظلاميين إلى آخر الأسطوانة المعروفة، فكيف تريدونهم أن يتحاوروا معنا وهم لا يؤمنون حتى بحقنا في الوجود، ورغم ذلك حاولنا معهم بشتى الطرق من أجل تجاوز الأزمة .. لكن دون جدوى.

لكننا نلاحظ، الآن، أن هناك مستوى من التقارب على مستوى الخطاب بينكم وبين بعض خصوم الأمس. وأستحضر هنا ما صرح به محمد حفيظ (الكاتب العام للشبيبة الاتحادية السابق) وعمر احرشان (الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان) في رحاب كلية الآداب عين الشق في السنة الماضية..

أعتقد أن هناك نضجا عند بعض الشخصيات، وأصبح إدراك الأمور لدى بعض الفاعلين أكثر وضوحا لكن هذا الأمر لم ينعكس على الفصائل المرتبطة بقياداتها الحزبية، فموقف الفصائل الطلابية الحزبية من طلبة العدل والإحسان لم يتغير ولم يتطور إلى المستوى المطلوب.

لنتحدث عن العدل والإحسان، والمسألة النقابية. فالبعض يعتبر أنكم تبحثون عن امتداد كاسح لتنظيمكم داخل النقابات، وأنكم تتسللون إليها بوتيرة مدروسة وهادئة، بحثا عن قوة اجتماعية ضاغطة تسعون من خلالها إلى جر الدولة للتفاوض الجدي معكم حول مطالبكم السياسية؟

نحن نتعامل مع العمل النقابي من منطلق موقفنا الداعي إلى الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني، وهو موقف كما هو واضح يتم خارج موقفنا من مؤسسات السلطة. أما امتدادنا النقابي، فهو لا بأس به رغم المضايقات التي تعترض عناصر العدل والإحسان، إما من طرف بعض النقابيين ذوي العقليات المغلقة أو من طرف السلطة.

لكن ماهو ردكم داخل الجماعة على من يصف امتدادكم النقابي بأنه تاكتيك للسيطرة على جميع المؤسسات النقابية الحيوية في المستقبل؟

عملنا النقابي ليس من باب التكتيك، نحن نعتبر أن مشاركتنا من طبيعة الرسالة التي نحملها، والتي نختزلها في شعار “العدل والإحسان”: العدل ويعني الدفاع عن حقوق المحرومين والمظلومين والمستضعفين. ثم الإحسان الذي يعني العمل على تربية الشعب علىالإيمان الصحيح والأخلاق الفاضلة والارتباط بالله سبحانه وتعالى والاستعداد للقائه. ولذلك فمشاركتنا هي مساهمة في مكافحة الفساد المستشري في الحياة النقابية، وهي رغبة قبل كل شيء في تخليق الحياة العامة وبناء مغرب الغد برجاله ونسائه ومؤسساته بمشاركة كل أبنائه..

الملاحظ أنكم تشاركون في تكتلات نقابية مختلفة، وهي -كما هو معروف- تابعة لهذا الحزب السياسي أو ذاك، ألا تفكر جماعة العدل والإحسان في تأسيس مركزية نقابية تابعة لها ما دام أعضاؤها يعانون من المضايقات؟

جماعة العدل والإحسان يحكمها مبدأ الوحدة وإشراك الجميع. ونعتبر أن رفض الإقصاء هو الحل الأمثل. أما تفريخ إطارات جديدة، فلن يخدم المسألة النقابية أبدا، كما لن تخدمه المنافسة التي تتم بوسائل غير شريفة. ولقد رفع قطاعنا النقابي شعار الدعوة إلى الجبهة النقابية الموحدة التي تكون في خدمة الطبقة العاملة والمصلحة العليا للبلاد، بعيدا عن الحسابات الضيقة. وهذا سلوك ينسجم مع التوجه العام لجماعة العدل والإحسان الداعي إلى ميثاق جامع تشارك فيه كل المكونات والفاعلين لإنقاذ البلاد.