كثيرا ما نسمع في عرض الحديث عن الخواء الروحي الذي يشكو منه الشباب المتطلع لمعرفة دينه نصائح ومتمنيات بتصوف سني أو تصوف سلفي. وكأن نسبة الألفاظ بعضها إلى بعض تعطي القضية وضوحا وسلطة لا يمنحها الاسم المجرد. وسمعت تسجيلا لأحد علمائنا العاملين في حقل الدعوة يحث على “التصوف السني”، فلما سألوه عن السبيل إلى هذا الخير أجاب بأن ذلك يحصل بقراءة الكتب الجيدة مثل إحياء الغزالي. كأن الأمر عملية فكرية ونزهة ثقافية. إن العلم والاطلاع يمكن أن يكونا باعثين على العمل، إذا كان في القلب كوامن واستعداد. أما إذا كان القلب خاليا متضلعا من حب الدنيا لا مكان فيه لحب الله فما تغني القراءة.

إن أول الطريق هبوب القلب من غفلته، فإن كان الاطلاع على علوم القوم يصور لك أحوالهم السنية فينزعج قلبك لما تجده عند المقارنة من تخلفك عن الركب، وتطمئن لما تجده عندهم من اعتصام بالكتاب والسنة، فتشمر للحاق ويتبع العلم العمل، فذاك هـو المطلوب. ويكون لعبارة “التصوف السني” معنى: هو أن تسير في الطريق وأنت على يقين من أنك على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا في دروب الغواية والتيه. إن كنت تقيد في شرطك التصوف بالسنة فهذا من باب تحصيل الحاصل. أو كنت تنفي بتقييدك “التصوف الفلسفي”، تصوف الحلول والاتحاد الذي ليس من الإسلام ولا من التصوف في شيء، فكأن الذباب الحائم حول المائدة شغل بالك عن المائدة فأعطيته من الاهتمام تحرزا منك أو خوفا مبالغا فيه أكثر مما يستحق. وكثيرا ما تعقم هذه الحيطة الحركة أو تكون ستارا يختبئ وراءه كسل العقل وركود الروح.

إن لمس جناح التوفيق قلبك فتعال لجلسة لطيفة مع أهل المعنى الحريصين على دينهم أكثر من حرصك (وإلى نفسي الخامدة أوجه اللوم)، وفاتوك بالشوق الدائم إلى بلوغ الذُّرا. قال أبو نصر السراج الطوسي في كتابه “اللمع” وهو من أهم كتب القوم: “وعندي، والله أعلم، أن أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء، هم المعتصمون بكتاب الله تعالى، المجتهدون في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المقتدون بالصحابة والتابعين، السالكون سبيل أوليائه المتقين وعباده الصالحين. هم ثلاثة أصناف: أصحاب الحديث، والفقهاء، والصوفية. فهؤلاء هم الأصناف الثلاثة من أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء. وكذلك أنواع العلوم كثيرة، فعلم الدين من ذلك ثلاثة علوم: علم القرآن، وعلم السنن والبيان، وعلم حقائق الإيمان. وهي العلوم المتداولة بين هؤلاء الأصناف الثلاثة. وجملة علوم الدين لا تخرج عن ثلاث: آيات من كتاب الله عز وجل، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حكمة مستنبطة خطرت على قلب ولي من أولياء الله تعالى”.

وذكر علوم الشريعة فقسمها أربعة أقسام، علم الرواية والآثار والأخبار، وعلم الدراية وهو علم الفقه والأحكام، وعلم القياس والنظر والاحتجاج، يقصد علم أصول الدين. قال: “والقسم الرابع هو أعلاها وأشرفها. وهو علم الحقائق والمنازلات، وعلم المعاملة والمجاهدات، والإخلاص في الطاعات، والتوجه إلى الله عز وجل من جميع الجهات، والانقطاع إليه في جميع الأوقات، وصحة القصود والإرادات، وتصفية السرائر من الآفات، والاكتفاء بخالق السماوات، وإماتة النفوس بالمخالفات (يعني مخالفة الهوى)، والصدق في منازلة الأحوال والمقامات، وحسن الأدب بين يدي الله في السر والعلانية في الخطوات، والاكتفاء بأخذ البلغة عند غلبة الفاقات، والإعراض عن الدنيا وترك مافيها طلبا للرفعة في الدرجات، والوصول إلى الكرامات”.

يا أخي الحبيب! يا من يوصي إخوانه بتصوف سني يرتكز على قراءة الكتب، كيف الإعراض عن الدنيا وترك ما فيها لرفع الدرجات؟ خبر هذا في كتب القوم. وفي كتاب الله وسنة رسوله أمر بالجهاد ومقارعة أهل العناد. هم رحمهم الله شربوها حلوة في خلواتهم وانقطاعهم في الخانقاهات والزوايا في عصور كان حفظ الدين فيها يقتضي الوحدة بأي ثمن، وكان الثمن السكوت عن الظلمة والهروب من الساحة. فكيف تدعو إلى تقليدهم؟

بالجوهر شرف علمهم لا بالأعراض. الجوهر حب الله وصحبة أهل التربية أهل الله، والصدق في طلب الله، والذكر الدائم لله. والأعراض أذواق يوتيها الله، وإعراض عن الخلق بكيفيتهم في زماننا لامعنى له ولا يأذن به الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

شرف علمهم لاعتماده على الشريعة، بدون هذا الاعتماد يصبح الحديث عن القلب ومعانيه هوسا. علوم الحقيقة نتائج لعلوم الشريعة وتطبيقها، وإلا فهو الجهل والخبط. قال الإمام السيوطي في كتابه “تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية”: “وقد ظهر لي أن نسبة علم الحقيقة إلى علم الشريعة كنسبة علم المعاني والبيان إلى علم النحو. فهو سره ومبني عليه. فمن أراد الخوض في علم الحقيقة من غير أن يعلم الشريعة فهو من الجاهلين ولا يحصل على شيء. كما أن من أراد الخوض في أسرار علم المعاني والبيان من غير أن يحكم النحو فهو يخبط خبط عشواء”.

يا أخي يا من يبحث عن حب الله ومعرفته (هذا هو موضوع التصوف) في كتب الأقدمين، أين أنت من كتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين. لو كنت كالسيوطي إمام عصره البالغ درجة الاجتهاد الجامع لشتات العلوم وكان بك مثل ما به من لوعة لبحثت عن ولي مرشد يدلك على الله ويربيك على ذكر الله. أم تراك من الذين يستخفون بعقول العقلاء وأعمال العلماء فتتساءل ما هو هذا السيوطي الذي يخرف بتشييد الطريقة الشاذلية؟

هاك كلمات نيرة لشيخ جليل من أكابر القوم، كان يدل الناس على الله وعلى كتاب الله وسنة رسوله، حتى إذا توفاه الله قام من المنتسبين إليه قوم احترفوا أكل الحيات والاقتحام في النار. انحراف خطير جاء من تقليد مقلد المقلد. وقد يأتي من تقليد الكتب البائد مناطها انحراف مثله. قال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله: “لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم (أي الفقهاء) أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن وما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد. والقلب نور الجسد. هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب. فالأول (أي علم الظاهر) عمل بالأركان وتصديق بالجنان. إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويته، وقتلت وسرقت وزنيت وأكلت الربا وشربت الخمر وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك؟ وإن عبدت الله وتعففت وصمت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك؟”.

وقال رحمه الله يخاطب العقلاء النجباء: “أي سادة. إن نهاية طريق الصوفية نهاية طريق الفقهاء. ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية. وعقبات القطع التي ابتلي بها الفقهاء في الطلب هي العقبات التي ابتلي بها الصوفية في السلوك. والطريقة هي الشريعة، والشريعة هي الطريقة(…) وما أرى الصوفي إذا أنكر حال الفقيه إلا ممكورا، ولا الفقيه إذا أنكر حال الصوفي إلا مبعودا. إلا إذا كان الفقيه آمرا بلسانه لا بلسان الشرع، والصوفي سالكا بنفسه لا بسلوك الشرع، فلاجناح عليهما. والشرط هنا الصوفي الكامل والفقيه العارف”.

الشرط في تعادل المعنيين وتكافؤ الفقيه مع الصوفي أن يجمع الصوفي إلى صفائه الروحي علما واسعا بالشريعة ويتفرغ لتربية الرجال، وأن يجمع الفقيه إلى علومه النقلية والعقلية معرفة بالله وعاؤها القلب. بدون هذا الشرط تكون حمولة هذا وذاك وبالا.