يرحم الله الأستاذ حسنا الهضيبي، فقد قاسى من تطرف بعض الشباب الذي قرأ فلم يهضم، وعرضت عليه التربية فلم يصدق، ومارس العمل المنظم فوجد الالتزام المسؤول ثقيلا والنقد الهدام مريحا. وكتب الأستاذ رحمه الله كتابه بهذا العنوان “دعاة لا قضاة” يشكو بين السطور. فذاك درس لنا من أهم الدروس.

إن منصة القاضي والمتهم للناس رئاسة قلما يتمنع عليها الضعفاء. لا سيما إن نزغ الشيطان في نفوسهم أنهم وحدهم بخير، وأن الناس سواهم هلكى. فعند ذاك تتحول كل حركة من غيرهم شركا وبدعة، ويصبحون هم الخصم والحكم. وتغتر الدهماء من العامة بكل عليم اللسان وتتألف كتائب الهدم. روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم”.

إن واجبنا أن نجلوا للناس بمثال سلوكنا وبتعليمنا وفكرنا وخطتنا أن هذا الإسلام رحمة، وأن ما فيه أمتنا أفرادا وجماعة بلاء لا يمس جوهر عقيدتها رغم ردة أفراد وانحراف فئات وبدعة العامة.

أمتنا في صراع حياة أو موت مع الجاهلية التي تغزونا من خارج بتعاون مع ممثليها وأبنائها الروحيين من بني جلدتنا من الملحدين والمنافقين والماديين.

الأمة المسلمة مجموعة بشرية تتألف من أفراد يتفاوتون إيمانا. يتراوحون من النفاق إلى الإسلام الموروث إلى الإيمان المتطلع إلى الصلاح والإحسان، والمهمة أن تتألف من هذه الأفراد كتلة متماسكة مسؤولة عن إقامة دين الله في الأرض. ما المهمة، ولا يكفي أن نحارب شرك الأفراد وبدع المبتدعين. وما بذهنيه التكفير يمكن أن نربي جيلا نموذجا يمثل الإسلام في عقيدته وأخلاقه، في عبادته وجهاده.

بين المسلمين والجاهليين صراع وجود، صراع حضارة، صراع نماذج. نحن ننظر إلى نموذجنا الخالد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجهادهم نريد أن نجدده. والجاهليون يقنعون أبناءنا، حين ألجأتنا ظروف الاستعمار، واغترار بعضنا بثقافتهم، واضطرارنا لاستيراد أساتذة منهم، أوبعث أبنائنا إلى أرضهم، أن تراثنا تخلف، وأن فكرنا جهل، وأن ديننا إفك. والمكفرون يدعون أنهم حماة الشريعة والسنة، يحاربون المؤمنين ويوالون الطاغوت. فعندهم، نعوذ بالله، أن حكام البعث الملحدون أهون خطرا على الإسلام من عجوز تعبد الأضرحة، أو عالم من صالحي الأمة يخالفهم في المذهب الفقهي.

ولنحن أحوج إلى من يمد الجسور بين المسلمين في هذا العهد المبارك الذي يمد فيه عقلاء إخوتنا الشيعة بعد قومة إيران المباركة إن شاء الله يد الأخوة إلى سواد الأمة.

في الأمة خرافات وبدع وأمراض وشرك لا بد من تطهيرها. وجند الله حين يتألف، وحين يزحف، وحين يتولى الحكم، مسؤول أن يعطي المثال، ويفرض النموذج السلوكي، ويربي عليه. والتطهير والتربية عمليتان تطلبان الوقت، وتطلبان الرفق. إن كنا نظن أن تفصيل الأمة بسيف قاطع، يميز في الحين الأجزاء الصالحة والفاسدة بعضها عن بعض هو العلاج، فما نحن هناك.

الأمة جسم حي متداخلة أفراده، متشابكة وشائجه ومصالحه، مختلفة ذهنياته واستعداداته، متنافرة أحزابه وطوائفه.

التمييز الطبقي أساس فلسفي وعملي لثورة الجاهليين يمكنهم بواسطة “دكتاتورية البرولتاريا” من تصفية طبقة وإحلال طبقة أخرى محلها.

أما قومة الإسلام فلا يكفي فيها القضاء على الفارق الطبقي، إنما يتعين أن ينبعث المستضعفون من تحت الفتنة، كما انبعث المستضعفون مع الرسل عليهم السلام من تحت الجاهلية، ليثبتوا بصمودهم في وجه المستكبرين، وسطهم مزاحمة ومدافعة وجهادا، حتى يملكوا النصر وإمامة الأمة. بالأسلوب النبوي والمنهاج النبوي. ثم يبسط المؤمنون نفوذهم المعنوي على مراحل الدعوة، ونفوذهم السلطوي بعد قيام الدولة الإسلامية، فيؤثروا في البيئة الفتنوية على كل مستوياتها، بالتدرج والسير الرتيب. إن كان العدل الإسلامي -عدل القضاء وعدل الأرزاق- هو أول المهمات وأظهرها لعين المراقب، فإن التغيير الجذري للأمة هو هدف القومة.

ويبدأ هذا التغيير الشامل من أنفس الدعاة. عليهم أن يضبطوا كل تصرفاتهم وحركاتهم بضابطي الكتاب والسنة. الجد في حمل أنفسنا على الاستقامة لا التوجه إلى المسلمين بالتكفير. الوقار لا الجمود. البشر لا الاكفهرار. الأدب لا الإسفاف والتبذل التريث لا العجلة. التعلم والصبر عليه لا ترديد العبارات.

في مظهر المؤمنين ومخبرهم ينبغي أن يقع تحول. في اللباس ولهجة الخطاب. زيالنا عن عادات الكفار في العاديات والفكر والأسلوب معا. لا نلبس لباسهم إلا لضرورة التدرج في طرح التقليد. بعضنا يتسامح في هذا وأمثاله من حلق اللحية أو نصفها، ومن الأكل بالشوكات وما شابه من جزئيات المظهر والسلوك. إن مسخ التقليد درجات بعضها أخسر من بعض. فلا نعمد إلى الجزئيات من ذلك نتخذها ميادين لمعارك جانبية. لكننا بعد التخلص من أسباب المسخ في الجذور لا بد أن نستأصل فروعه وكل مظاهره، سيما ما خالف منها السنة. ما زيال فكرهم بأولى من زيال عاداتهم، وإنما السمت الحسن أن نقصد بهمتنا وإيماننا وأعمالنا الصالحة مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظهر بمظهره، ونقلده في جليل الأمر وعاديه.

هذا الاتباع لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في سلوكه الخاص والعام، باستثناء خصوصياته صلى الله عليه وسلم في حياته اليومية والرسالية، في سلمه وحربه، في حله وترحاله، في تقلله وبساطته، هو الضامن الوحيد لقلع جذور الفتنة من بيننا.

وليس الحرص الشديد على هذه المتابعة النورانية هو التنطع، إنما التنطع أن يعمد بعض الناس إلى جزئيات من الشريعة يؤولها بفهمه، ويسخر فهمه لتغليب شهوته في الظهور، ليفتن المسلمين والمؤمنين.