قال المهدي المنجرة إنه تنبأ منذ سنتين بما أسماه “الانتفاضة الآتية”، واعتبر ما وقع ليلة 16 ماي بالدار البيضاء من أحداث دامية انتفاضة رفضا لوضعية واستغلالا لحالة انهيار وضعف بلد وصل إلى درجة خطيرة من الفقر والجهل والذل والانفصال ليس فقط بين الغني والفقير، بل انفصال ثقافي بين الأجيال. وأضاف المنجرة في حوار مع الصباح أن المغرب يعاني الاستغلال والذاتية المادية التي تأتي مع القيم الغربية، مشيرا إلى أن الأحزاب صارت عبارة عن محلات للمتاجرة في الأصوات الانتخابية ومطية للوصول وتسلق أعلى المراتب بموافقة وإذن المخزن.

من جهة أخرى، ذكر المنجرة أن المغرب يسير بدون رؤية واضحة للمستقبل، لأن الرؤية المستقبلية يرسمها لنا الأجانب.

بصفتكم أحد المتخصصين في علم المستقبليات، هل كنتم تتوقعون الهجوم الإجرامي الذي طال مدينة الدار البيضاء يوم 16 ماي الأخير؟

منذ أزيد من سنتين قلت “الانتفاضة آتية”. فالأحداث الدامية التي عاشتها مدينة الدار الابيضاء أخيرا هي انتفاضة تعبر عن رفض لوضعية واستغلال لحالة انهيار وضعف بلد وصل إلى درجة خطيرة من الفقر والجهل والذل والانفصال ليس فقط بين الغني والفقير، بل انفصال ثقافي بين الأجيال، وباختصار شديد المغرب يعيش حاليا “الذلقراطية”.

فهناك إذن وضعية وهناك من استغلها بتوظيف جماعات لمقاصد لم يتم تحديدها إلى الآن. فلا يمكن إذن الجزم أن هذه الانتفاضة تعبير عن رفض لوضعية معينة مادامت الأسباب كثيرة ومتعددة، وحينما تتكاثر الأسباب لا يمكن حصر الدوافع وتحديد الأهداف، لأن الجسم إذا وصل إلى حالة من الضعف يسهل على أي مكروب أن ينخره ويؤثر فيه.

وهل يمكنك تحديد بعض هذه الأسباب؟

هذه الانتفاضة رغم أن أسبابها متعددة، فهي تتجلى بالدرجة الأولى في الفقر والجهل والفوارق التي تزداد يوما بعد يوم بين الطبقات الفقيرة والغنية، بالإضافة إلى الإقطاع الذي مازال متفشيا في المجتمع المغربي بكل أنواعه وأشكاله، كما أن استلاب القيم وتعويضها بما أصبح يطلق عليه بالحداثة، مع العلم أنه لا حداثة للحدث، جعل الوضعية تصبح صعبة جدا. فإذا لم تتم الاستفادة من العبر والإسراع في البحث عن الأسباب الحقيقة لهذه الانتفاضة قصد معالجتها، لا شك أن الثمن سيؤدى غاليا فيما بعد. لأننا لا نعاني أي تيار ولكننا نعاني الاستغلال والذاتية المادية التي تأتي مع القيم الغربية، فالمغاربة يقبلون عددا من الأشياء لا تطاق تكون ردود الفعل عندهم قوية وغير متوقعة، وهذا ما لا ينتبه إليه السياسي المغربي الذي لا يخشى عواقب المستقبل ولا يفكر إلا في المرحلة التي يحياها ويقول دائما “من بعدي الطوفان”.

من يتحمل مسؤولية هذه الأوضاع التي تحدثتم عنها، هل هي الأحزاب التي تخلت عن دورها في التأطير أم الدولة؟

المغرب بلد عربي أمازيغي إفريقي مسلم، وما يطبق عليه هو إشكالية التخلف، لأن التخلف صار هو الطريق إلى الحكم ووسيلة لاستغلال الشعوب. أما الأحزاب فقد صارت عبارة عن محلات للمتاجرة في الأصوات ومطية للوصول وتسلق أعلى المراتب بموافقة وإذن المخزن، وهذا أمر أصبح معروفا لدى الجميع. فنتائج الانتخابات الأخيرة لم تتعد نسبة المشاركة فيها 35 في المائة، أفرزت برلمانا أصبحت أشغاله عبارة عن تمثيلية كوميدية، فضاعت المصداقية.

هل تقصد مصداقية الأحزاب؟

أنا أقصد الطبقة السياسية والمسيرين، أما الأحزاب فهي جزء من هذه المجموعة، وعندما تتأثر المصداقية عند الطبقة السياسية ، طبعا تتأثر الأحزاب والإدارات، فهو مناخ إيكولوجي سياسي يفرض أن تتعايش وتتفاعل داخله كل القوى المشاركة في المشهد السياسي، بما في ذلك مصادر الإعلام التي دخل بعضها في الحكم وبعضها الآخر يتهيأ للدخول، وطبعا يكون ثمن الدخول هو “التنازل عن المصداقية وكما يقال: اولاد عبد الواحد كلهم واحد”.

عند الاستقلال كانت المصداقية مبنية على رصيد المقاومة ونضال المغاربة ضد الاستعمار ، ثم بنيت بعد ذلك على آمال وطموح كل المغاربة المخلصين، غير أن ذلك كله انتهى مع مرور الوقت واتضح أن هذا الرصيد استغل من قبل السياسيين في تقلد المناصب وأصبح مجرد كلام وشعارات تتردد داخل القاعات وخلال المناسبات. وهذا مادفع الجيل الجديد إلى التساؤل عن عدد كبير من المتناقضات خصوصا بعدما علم أن سكان المغرب في الاستقلال كان لا يتعدى 11 مليون نسمة، وأصبح اليوم عدد الأميين يتجاوز 15 مليون نسمة، وهذه المقاربة تعطي صورة واضحة لـ 47 سنة من الاستقلال ، وقس على ذلك في ميادين السكن والشغل والحريات العامة وغير ذلك.

قلت أخيرا في طنجة إن الاستقرار انتهى في المغرب، ماذا تقصدون؟

الاستقرار في البيولوجية هو الموت والسكون، لذلك لا يمكن التحدث عن الاستقرار ما دامت هناك حركة، غير أن حركة التغيير والإصلاح تتحرك في هذا البلد السعيد بوثيرة ضعيفة جدا إلى درجة أنها أصبحت غير مجدية، مما يستوجب إصلاحا وتغيرا جذريا، وذلك بمعالجة الأشياء بطريقة ديمقراطية ووعي الحكام، وليس بالخطابات والوعود، فكل تأخير في التغيير يؤِدي ثمنه غاليا ، وذلك مثل فوائد التأخير عند المؤسسات البنكية.

الأزمة الكبيرة التي تعيشها دول العالم الثالث هي أنها تعيش بدون رؤية مستقبلية ، فإذا لم تكن لك رؤية محددة فلا يمكن أن تكون لديك استراتيجية لتنمية شمولية،وفي غياب أي استراتيجية لتنمية شمولية لن تكون لك سياسة بمفهومها العام، وبالتالي لن تكون لديك برامج تطبيقية. وهو الشيء الذي نعيشه نحن، لأن الرؤية المستقبلية للمغرب يرسمها الأجانب، ما جعل مستقبلنا هو الآخر مستعمرا، فالمغرب يباع اليوم في المزاد العلني، بيع كل شيء الماء والكهرباء والهاتف وكل الأشياء الحساسة في البلد، والأخطر هو أن هذه الأموال لم توظف في استثمارات حقيقية بل ذهب جزء منها رشوة وحول الجزء الأخر إلى ميزانية رفع الأجور الموظفين السامين ليظل المغرب حسب الإحصائيات بلد الجوع. وهذه هي الحقيقة، فالجوع موجود في عدد من المناطق وبداخل أهم المدن رغم التكافل الاجتماعي الذي يميز المجتمع المغربي عن غيره من المجتمعات العربية والإسلامية. والمؤسف أن طريقة النقد الحالية أصبحت عرضة للنقد وتحتاج للتقييم والتقويم.

بحسب التحقيقات الجارية في إطار البحث في أحداث 16 ماي، تبين أن منفذي العمليات الأخيرة كلهم شباب لا ثقافة لهم وتكوينهم الديني بسيط، فهل يرجع ذلك إلى قصور في التفكير، أم أن هناك مرجعية دينية معينة يستندون إليها؟

أولا، لايمكن لأي إنسان إلا أن يدين عملية مثل هذه، لأنها عملية ذهب ضحيتها أبرياء لا ذنب لهم سوى أن وجدوا في الطريق، أما منفذوها فهم يمثلون المرآة الحقيقية للمستوى الثقافي والاجتماعي للبلاد، ويمكن اعتبار مستواهم عاليا إذا ما علمنا أن نسبة الأمية في المغرب تصل إلى 70 في المائة ، وليس هناك وجه للمقارنة بين هؤلاء ومنفذي العمليات الاستشهادية في فلسطين ولبنان، لأن اهدف يختلف والمستوى الثقافي لهذه المجتمعات مرتفع جدا ونسبة الأمية فيها منخفضة.

يجب أن نعرف أن المغرب بلد مسلم وبه 30 مليون نسمة كلها مسلمة ، ورغم ذلك يعتبر من قال باسم الله الرحمان الرحيم أو لا إله إلا اله محمد رسول الله متطرفا وإرهابيا إلى درجة أصبح فيها الهاجس مشتركا بيننا وبين الغرب فالغرب يتخوف من ثلاثة اشياء هي الديمغرافية والإسلام وجزء من آسيا، والمسلمون يناهز عددهم اليوم مليار و600 مليون نسمة، واصبحوا يمثلون تيارا وقيمة وثقافة وحضارة وبالتالي قوة تدريجية، مما جعل المسلم هدفا يخطط لمحاربته، وذلك وفق السياسة الامبريالية الكبرى وعجرفة المادة التي تنهجها أمريكا وبقية الغرب، إذ تصرف بلايين الدولارات من أجل ربط الإسلام بالعنف ومن ثم بالإرهاب.