أعادت زيارة وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم إلى المغرب يومي 1 و2 أيلول/سبتمبر 2003، قضية التطبيع بين المغرب و(إسرائيل) إلى الواجهة، أو بالأحرى إلى العلن.

ويعتبر المغرب أنشط بلد، على مرّ سنوات الاحتلال الصهيوني لفلسطين، في ربط علاقات مع الصهاينة. وكانت هذه العلاقات تتأرجح بين السرية والعلنية حسب سخونة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، كما كانت الأراضي المغربية محضناً للتحضير لأهم مبادرات التطبيع مع (إسرائيل)، وأهمها اتفاقية كامب ديفيد التي لعب فيها الملك الراحل الحسن الثاني دوراً بارزاً.

جاءت زيارة شالوم، ومقابلته لنظيره المغربي محمد بن عيسى وملك المغرب محمد السادس، لتؤكد مساراً من الحرص الشديد من المسؤولين المغاربة والإسرائيليين على إعادة ترسيم العلاقة بينهما، والتي ظلت إما سرية أو عبر مؤسسات أدنى في الترتيب الدبلوماسي منذ 23 تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 تاريخ إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط ومكتب المغرب في تل أبيب.

رفض شعبي

وقد قوبلت هذه الزيارة كسابقاتها، برفض شعبي واسع عبّرت عنه هيئات المجتمع المدني والحركات السياسية غير المنخرطة في الحكومة، والجماعات الإسلامية وعدد كبير من الشخصيات الفكرية والفنية، وتوج ذلك بإصدار بيان يعلن رفض الشعب المغربي لكل أشكال العلاقة مع (إسرائيل)، خاصة في هذه الآونة التي تصعّد فيها عمليات القتل والتخريب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وهكذا فقد اعتبر خالد السفياني، الرئيس السابق للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، الزيارة بأنها “خطوة تضاف إلى خطوات أخرى تسير في اتجاه محاولة التطبيع مع الكيان الصهيوني”. فيما أكد فتح الله أرسلان الناطق باسم جماعة العدل والإحسان أن “هذه الزيارة لا تخدم بأية حال القضية الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني في هذا الوقت”، معتبراً “أن عمق الزيارة هو تطبيع العلاقات خضوعاً للضغط الصهيوني والأميركي”.

كما قال سعد الدين العثماني نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية “أن الحزب ينظر للزيارة بقلق شديد، خاصة عندما تأتي في ظل هذه المذابح البشعة التي يقوم بها شارون وحكومته ضد الشعب الفلسطيني الأعزل”. أما محمد المرواني الأمين العام “للحركة من أجل الأمة” فأعلن “أن استقبال الحكومة المغربية لهذا المجرم شالوم عمل مُخزٍ ومحزن”.

أمام هذا الرفض الواسع للتطبيع مع (إسرائيل) سجّل الكلّ تناقضات في موقف الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، والتي أصبح مكتبها التنفيذي الحالي تابعاً للأغلبية الحكومية، حيث أصدرت في أول الأمر بياناً تدين فيه الزيارة ثم أعقبته بأيام قليلة ببيان تعتمد فيه التبرير الرسمي للزيارة.

أما السلطة السياسية فادّعت، لتبرير الزيارة في هذا الوقت، أن السلطة الفلسطينية، ممثلة برئيس الوزراء محمود عباس خلال زيارته للمغرب بأسابيع قبل زيارة شالوم، هو من طلب وساطة المغرب، وفي هذا الصدد صرح وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى لوكالة الأنباء الفرنسية: “إن المغرب يقوم بدور تسهيل عملية السلام في الشرق الأوسط”.

ولتأكيد هذا التبرير قام القصر الملكي ببعث عدد من الرسائل لشارون تطالبه بوقف أعمال القتل والاجتياح التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، في حين لاذت الأحزاب المشاركة في الحكومة بالصمت.

أما (إسرائيل) فهي مبتهجة بهذه الخطوات وعاقدة عليها أملاً مهماً باعتبار ملك المغرب يرأس لجنة القدس ويحتضن رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي، مما حدا بالإذاعة الإسرائيلية إلى اعتبار الزيارة “بمثابة اختراق للحصار العربي على الدولة العبرية”، كما أن صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية ذهبت بعيداً في التوقع في عدد الأربعاء 3 أيلول/سبتمبر 2003 عندما زعمت أن العاهل المغربي محمد السادس قال لوزير الخارجية الإسرائيلي بأنه “شاهد أنوار إيلات (إسرائيل) فاشتاق لرؤيتها”، وذلك عندما كان في زيارة لمنتجع شرم الشيخ المصري المطلّ على خليج العقبة والقريب من الميناء الإسرائيلي.

استرجاع تاريخي

هذه معطيات وأحداث تؤكد بتسلسلها وتداخلها أن الزيارة الأخيرة حلقة في سلسلة، وأنها أعمق من أن تكون مرتبطة بحدث طارئ أو تدخل ديبلوماسي، انطلاقاً مما تدل عليه هذه المعطيات والأحداث من عمق العلاقات وتشابك للمصالح.

– هاجر 900 ألف يهودي مغربي إلى الأراضي المحتلة حتى الآن، وشغل بعضهم مراكز هامة في الحكومات الإسرائيلية أبرزهم دافيد ليفي، وزير الخارجية السابق، ومازالت تربط أغلبهم روابط ومصالح داخل المغرب مما يؤكد استمرار تأثيرهم في القرار المغربي.

– تؤكد العديد من الدراسات والأبحاث، وأهمها كتاب “أعلام في السياسة: قضايا ورجال” لمحمد حسنين هيكل، أن المغرب برئاسة الملك الراحل الحسن الثاني كان له الدور البارز في التحضير لعدد من محطات التطبيع مع الإسرائيليين، أبرزها كامب ديفيد، من خلال استضافة الاجتماع الأول بين موشي ديان وحسن التهامي مبعوث الرئيس المصري أنور السادات تمهيداً للاتفاقية. كما احتضن المغرب قمة فاس 1982 التي كانت إحدى أسوأ القمم العربية في الصراع مع العدو الصهيوني.

– رغم ما قيل عن خفوت العلاقات أو قطعها فيما بعد بين المغرب و(إسرائيل) إلا أن عدداً من الوقائع تؤكد عكس ذلك، منها:

– زيارة رجال أعمال إسرائيليين للمغرب يوم 22 أيلول/سبتمبر 2000 يمثلون 24 شركة إسرائيلية متخصصة في التقنيات الزراعية والإحيائية ووسائل التخصيب النباتي، بدعوة من غرفة التجارة والصناعة والخدمات في الدار البيضاء.

– حضور عشرات من مدراء مؤسسات وجمعيات مغربية لدورة تدريبية في مجالات الزراعة والحاسوب والتعاون والمشاريع الصغيرة في الكيان الصهيوني شهراً كاملاً (أيلول 2000).

– زيارة وفد عسكري صهيوني من 25 خبيراً من خبراء سلاح الجو العاملين في جنوب لبنان المحتل إلى جنوب المغرب يوم 12 أيار/مايو 2000، لتقديم المساعدات وبعض الخدمات الفنية لسلاح الجو المغربي.

– مشاركة وفد إسرائيلي في مؤتمر الأممية الاشتراكية بالدار البيضاء يوم 31 أيار/مايو 2002. وقد جوبه بمظاهرات شعبية عارمة قابلتها السلطات بالقمع.

– مشاركة وفد إسرائيلي برئاسة رئيس الكنيست إبراهام بورغ في الدورة 107 لمؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي بمراكش أيام 7 – 23 آذار/مارس 2002، وقوبل كذلك باحتجاج الإسلاميين.

– الحضور المكثف للإسرائيليين في جنازة الملك الحسن الثاني (200 شخصية رسمية و1800 مرافق)، وبالمناسبة صرّح السفير الأمريكي بالرباط تصريحاً يفكّ ما بدا مرموزاً من الوقائع الآنفة الذكر، حيث قال: “اللقاء المفتوح والحار والمحادثات التي عقدت بين الوفدين الإسرائيلي وعدد من الوفود الأجنبية، كلها تؤكد أن المغرب سيواصل لعب دور فعال وإيجابي بالنسبة لمسلسل التسوية”.

– تأسيس “الاتحاد العالمي لليهود المغاربة” بهدف خدمة مشاريع التسوية والتطبيع وقد تأسس في 3 أيار/مايو 1999 بمراكش بالمغرب، ويتوفر على 12 مندوبية في 12 بلداً، وقد عقد وفد منه لقاء على أعلى مستوى مع الملك محمد السادس.

وهذه المؤسسة، هي إلى جانب ثلاث مؤسسات، تعمل في مجال التطبيع: جمعية “هوية وحوار” 1974، و”التجمع العالمي لليهودية المغربية” 1985، و”المركز العالمي للأبحاث حول اليهود المغاربة” 1995.

هذا إضافة إلى تغلغل عدد من الشركات في شتى المجالات الاقتصادية ويبقى أبرزها المجال الفلاحي (وهو النشاط الاقتصادي الأبرز في المغرب)، حيث يؤكد الكاتب المغربي إدريس ولد القابلة أن “تقنيات السقي الإسرائيلية تغطي أكثر من 32000 هكتاراً ببلادنا، علما أن 60% من الفلاحين الذين يتعاطون للبواكر يفضلون التجهيزات والتقنيات الإسرائيلية، لا سيما التي تدعى “بابريلا” و”وادانيلا” من الصعب التخلي عنها من طرف الفلاح المغربي، لأنها تهم أكثر من 5000 هكتار ولأن منتوج الطماطم المصدّر يحقق رقماً للمعاملات يناهز مليارين من الدراهم، علما أن 85% من الفلاحين يستعملون البذور الإسرائيلية”.

فكيف تصل المنتوجات الإسرائيلية إلى بلادنا في حين لا وجود لأية علاقة تجارية؟ الجواب بسيط جداً، إن الشركات الإسرائيلية تبيع امتياز تلفيق سلعها لشركات أوربية (إيطالية أو إسبانية) وبالتالي يختفي المصدر الأصلي والحقيقي للمنتوج، أو أن فروع شركاتها بالمغرب تقوم بفتحها وتأسيسها شركات إسبانية، وهذا ما هو حاصل بالنسبة لشركة “ريكافيم” وهي ممثلة في أكثر من مدينة ببلادنا، والتي تعتبر رسميا تابعة للشركة الأم “ربيكابير” ببرشلونة، ولكنها في واقع الأمر هي فرع من فروع “نيطافيم” وهي شركة إسرائيلية عابرة للقارات. أما بأية وسيلة تصل المنتوجات الإسرائيلية إلى بلادنا فهناك خط بحري تؤمنه شركة “زيماك” وهي فرع لشركة “زيم” وأن المنتوجات تنتقل من حيفا إلى برشلونة ومن هناك تأتي إلى الدار البيضاء كمنتوجات أوروبية”.

دلالة السياق

وتزداد زيارة شالوم حساسية بالنظر إلى التوتر السياسي الذي يعرفه المغرب حالياً وتتجلى ملامحه ذات الدلالة العميقة في:

– لم تمر إلا أربعة أشهر على تفجيرات 16 أيار/مايو والتي استهدفت، من بين الأماكن المفجرة، مقبرة يهودية وملهى يرتاده اليهود.

– مقتل يهوديين أحدهما في الدار البيضاء بالرصاص والآخر بمدينة مكناس طعناً بالسكين في أسبوع واحد من شهر أيلول/سبتمبر الحالي.

– تورط 30 من كبار المسؤولين في القضاء والأمن في التجارة الدولية للمخدرات وهم رهن الاعتقال. – مقاطعة شعبية واسعة للانتخابات البلدية التي مرت يوم 12 أيلول/سبتمبر 2003؛ حيث لم يصوت إلا 7918640 مواطناً من أصل 14620937 مسجلين في اللوائح الانتخابية (54%)، فيما وصلت الأصوات الملغاة 771578 من أصوات المقترعين (9.75%)، وكل هذه الأرقام رسمية يشكك في مصادقيتها عدد هام من المراقبين الذين يقرّون بأنها مبالغٌ فيها إلى حد كبير.