ّكشفت، لا بل أكدت، الانتخابات الأخيرة، كسابقاتها، افتقاد الواقع السياسي المغربي لأسس صلبة تجعله في مستوى التحديات وتؤهله لمستقبل تصان فيه الحياة الإنسانية، حياة الحرية والكرامة والعدل.

لا رغبة لي ولا مجال يسمح بالحديث عن مهزلة ما يسمونه انتخابات. يكفي أن أشير إلى أن الأجواء العامة التي جرت فيها الانتخابات، وسياقها الدستوري والسياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي جعلنا نؤكد باستمرار أننا بعيدون كل البعد عن الحد الأدنى من شروط التنافسية الجادة والنزاهة، وأن نتائجها اللاحقة لن تختلف عن سابقاتها رغم ما تجود به الوعود الكاذبة وتبشر به الشعارات الزائفة.

سؤال ملح تطرحه المرحلة الحالية ويجمع عليه المراقبون ويتردد في جل صالونات النقاش ويؤرق كل من في قلبه ذرة غيرة على هذا الوطن الحبيب، ألا وهو: إلى أين يتجه المغرب؟ ونعتقد أننا إن امتلكنا حدا أدنى من الجرأة فسنطرح السؤال بصيغته الحقيقية وهو: إلى أين يتجه بالمغرب من يمسكون بزمام السلطة؟ وأرى أن نظرة إلى صوى وعلامات الطريق التي يصر المسؤولون على المضي فيه تجعلنا ندرك بسهولة الأفق الذي نتجه إليه، إنه بكل بساطة ووضوح “الكارثة” إن لم يتداركنا المولى بألطافه، وإلا فقل لي بربك إلى أين يمكن أن يقود تعطيل الكفاءات والطاقات، والبطالة المتزايدة، والأمية المتفشية، والفقر المذقع، والظلم القضائي والاجتماعي والسياسي، والاختلاسات التي أضحى من الصعب عد حالاتها بالأحرى عد الملايير المختلسة، وتمييع الأخلاق ونشر الرذيلة..؟ هل الطريق شيئا آخر، في عين من لا ينظر إلا بمنظار تزيين الواقع وتبريره ويتسلح بشعار “مصلحتي وبعدي الطوفان”، غير مظاهر التسول والسرقة والجريمة وتداول المخدرات التي تفتك بأغلى ما عندنا؛ شبابنا؟

أعتذر للقارئ الكريم عن هذه النظرة التي قد تبدو تشاؤمية، وإن كان وصف الواقع في حقيقة الأمر ليس معيارا لمعرفة المتشائم من المتفائل.

أطرح سؤال أين يسير المغرب؟ لا لنقف مشدوهين في صف المتفرجين؛ أو اللذين لا غيرة لهم ولا هم. ولكن لأساهم في صنع إرادة جماعية قادرة على تغيير الاتجاه، ليكون القمة عوض السافلة، والعلو عوض الهاوية.

ولنا في تاريخ أمتنا، وتاريخ الأمم من غيرنا الأمثلة التي تؤكد أن الإرادة القوية لا تقهر؛ وهل من مصدر لقوة إرادتنا، بعد الله ورسوله، غير الوحدة والتوحيد؟

دعونا منذ نشأتنا وما فتئنا ندعو، في جماعة العدل والإحسان، إلى الحوار واللقاء، وألححنا في الدعوة رغم الحصار المضروب علينا وعلى إعلامنا، ونظمنا أياما وطنية لذلك. وحلا لبعض الناس ّأن يفسروا تلك الدعوات بتفسيرات شتى، متناقضة في كثير من الأحيان؛ ففي مناسبة يفسر ذلك بالرغبة في فك العزلة! وفي أخرى يفسر برغبة الجماعة في احتواء كل الأطراف!..

وبكل صدق، أؤكد مرة أخرى أن رغبتنا في الحوار رغبة أصيلة، تجد منطلقها في فكرنا المنهاجي الذي يتأسس على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبكل وضوح أؤكد أننا، في جماعة العدل والإحسان، لا نرى مخرجا للمغرب من أزماته، ولا تغييرا لاتجاه سيره إلا بميثاق جامع، على أٍرضية الإسلام، الذي نعتز جميعا بالانتماء إليه، أو هذا على الأقل ما يصرح به الجميع، ميثاق يعيد الثقة إلينا، ثقة فيما بيننا وفي أصالتنا وفي مستقبلنا، ثقة في قدرة المغاربة على تغيير ما بهم وبناء مستقبلهم.

إن بعض الغيورين أبدوا في السابق استعدادا لمعرفة جماعة العدل والإحسان، والحركة الإسلامية بصفة عامة، دون وسائط، وما أكثر ما تبثه الوسائط غير الأمينة من مغالطات حولنا. ومنهم من شرع في مراجعة بعض مواقفه، بعد أن جالسنا واطلع اطلاعا مباشرا على مشروعنا، ونظر إلى رؤيتنا للإنسان ومصيره في الدنيا والآخرة، ووقف على حقيقة إيماننا بالحوار والتعاون ورفضنا التام للعنف والاستعجال، وخبر موقفنا الواضح من الديمقراطية، التي نرفض فلسفتها ونرى في آلياتها خير وسيلة لصد الظلم والاستبداد …

وركب بعض “الاستئصاليين” موجة الأحداث، وشنوا حملة شعواء ليس فقط على الحركة الإسلامية بل على الإسلام ككل، وليس هذا بأمر غريب أو مستغرب على حفنة من الانتهازيين اختارت المفاصلة عن الشعب المغربي، ومع ذلك استغلت ما سخر لها من وسائل عامة وخاصة للحديث باسمه! لكن ما يستغرب له حقا أن ينصاع بعض عقلاء هذا الوطن لتلك الحملة، وليس الانصياع في تقديرنا يعني فقط الذهاب مذهب الاستئصاليين والحديث بحديثهم، ولكن مجرد الصمت وإضمار صوت العقل في وقت توقد فيه الفتنة يعد نوعا من أنواع الانصياع.

ومنهم من كان قد ذهب خطوات متقدمة في الحوار والتفاهم وضرورة إشراك الجميع دون إقصاء من أجل حل مشكلات المغرب حين شعر أن شعبية الإسلاميين في ازدياد وأن خطابهم يلقى صدى عند الناس. لكن سرعان ما بدأت لهجته تتغير وخطابه يختلف بعد الحملة الإعلامية التي واكبت أحداث الدار البيضاء فظن أن نجم الإسلاميين سيخبو، ونسي أو تناسى أن الأمر لا يعدو أن يكون حملة وأن الحوار والانفتاح يجب أن يكون مبدأ وليس تكتيكا.

الآن أعود لأؤكد أن كظم الغيظ والعفو عن الناس من مبادئ دعوتنا وأدعو من جديد إلى تجاوز عقبات الماضي، والانخراط في عمل جماعي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، نداء لا يستثني أحدا إلا من استثنى نفسه.