تفضل الله سبحانه وتعالى فعرفنا في القرآن العظيم أن الشهداء أموات الأجسام، أحياء الأرواح، إلا أن حياتهم ليست كالحياة المعروفة لدينا، وإنما هي حياة أخص من حياتنا الحاضرة، وأرقى منها وأكرم، ولقد وهب الله لأصحابها من مواهب التكريم ما ذكره في قوله: ?ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون?. آل عمران 169-170.

وروى أبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش.

فلما وجدوا طيب مطعمهم ورأوا حسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما أكرمنا الله به، وما نحن فيه، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تبارك وتعالى: ?ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا? إلى آخر الآيتين ولقد من سبحانه على المؤمنين ففتح في وجوههم باب الشهادة بقوله: ?إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم? التوبة 112″.

وروى أحمد وابن حبان والطيالسي عن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“القتلى ثلاثة رجال:

رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذلك الشهيد المفتخر (وفي لفظ الممتحن) في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة.

ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فتلك مصمصة (يعني مغسلة) محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محاء الخطايا. وأدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أسفل من بعض.

ورجل منافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فإن ذلك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق”.

وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضيالله عنه أنه قال: ذكر الشهداء عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

“لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيلهما في براح من الأرض بيداء وفي يد كل واحدة منهما حلة خير من الدنيا وما فيها”.

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء كهيئته يوم القيامة، اللون لون الدم، والريح ريح المسك”.

وروى البخاري أيضا عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فيتمنى أن يرجع فيقتل مرة أخرى”.

وروى مالك في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:

“لولا أن أشق على أمتي لأحببت ألا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل الله، ولكني لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون، ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي، فوددت أني أقاتل في سبيل الله أقاتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل”.

وروى عبد الله ابن المبارك بسنده إلى الضحاك في قوله تعالى:

?كتب عليكم القتال وهو كره لكم? البقرة 216.

أنه قال:

نزلت آية القتال فكرهوها، فلما بين الله عز وجل ثواب أهل القتال، وفضيلة أهل القتال، وما أعد الله لأهل القتال من الحياة والرزق لهم، لم يؤثر أهل اليقين بذلك على الجهاد شيئا، فأحبوه، ورغبوا فيه، حتى أنهم يستحملون النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.

ثم إن الشهادة ليست مقصورة على القتل في ميدان الحرب لإعلاء كلمة الله، ولو أن ذلك القتل هو اعلى مراتب الشهادة، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشهادة أوسع مدى من القتل في سبيل الله، إذ روى في الموطإ عن جابر بن عتيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“… وما تعدون الشهادة؟”.

قالوا: القتل في سبيل الله.

فقال صلى الله عليه وسلم:

الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله، النطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد (يعني التي تموت في النفاس).

وروى أحمد عن عبد الله بن عتيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“من وضع رجله في ركابه فاصلا (خارجا للجهاد) في سبيل الله فلدغته هامة، أو رقصته دابة، أو مات بأي حتف فهو شهيد”.

ولما توفي عبد الله بن ثابت قالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا، فإنك كنت قد قضيت جهازك (أي أتممت ما تحتاج إليه في سفرك للغزو) وسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

“إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته”.

ثم إن الشهداء لهم مراتب متفاوتة الدرجات، يدل على هذا ما رواه أحمد وابن حبان عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل:

أي الجهاد أفضل؟

فقال: “من عقر جواده وأهريق دمه”.

وقال أهل العلم:

الأموات على أربعة أقسام:

1. قسم منهم شهيد عند الله وعند الأمة، أو هو ما يعرف بشهيد الدنيا والآخرة.

وهذا هو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، واستشهد أثناء القتال أو كان في طريقه إليه.

أما أنه شهيد عند الله، فلأن سيكرمه بأعظم الكرامات، وينزله عنده أرفع المنازل.

وأما أنه شهيد عند الأمة فلأنه لا يفعل به ما يفعل بسائر الأموات، فلا يغسل ولا يكفن، وإنما يدفن في ثيابه التي استشهد فيها، ولا يصلى عليه، لأن الله بين أن الشهيد حي، ولا يصلى على الحي.

2. وقسم شهيد عند الله لا عند الأمة، أو هو ما يعرف بشهيد الآخرة فقط. وأفراد هذا القسم كثيرون منهم من تضمنه الحديث المتقدم وهو الذي رواه مالك في الموطأ بسنده إلى جابر بن عتيك.

أما كون أفراد هطذا القسم شهداء عند الله فقط، فأن الله سبحانه قد تكرم عليهم فألحقهم بالشهداء، كما بينت ذلك الأحاديث النبوية.

وأما كونهم ليسوا شهداء عند الأمة فلأن حكمهم في الغسل والكفن والصلاة كحكم غير شهداء القتال.

3. وقسم شهيد عند الأمة فقط وليس بشهيد عند الله، وهذا هو من يموت مقاتلا مع من يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، ولكن نيته في قتاله هي الحمية القبلية أو المفاخرة أو الغنيمة أو أي شيء آخر غير إعلاء كلمة الله.

أما كونه شهيدا عند الأمة، فلأنها تعامله بظاهر حاله، فتسن به ما تسن بالشهداء، إذ هي لم تطلع على ما انطوت عليه نفسه.

وأما كونه ليس بشهيد عند الله فلأنه جعل لغير الله ما هو لله، وأمثال هذا هم أول من تسجر بهم جهنم كما ورد في الحديث الصحيح.

4. وقسم ليس بشهيد لا عند الله ولا عند الأمة وهو من لم يمت في قتال لإعلاء كلمة الله ولا في الأحوال الأخرى التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.