نريد أن نقف عند فقهاء التربية أطباء القلوب، وأن ننظر في هذا الطب العظيم كيف عالج به أهل الإحسان أنفسهم وتلامذتهم. نريد أن نلمس طريقا لمعرفة كلمة الحق في موضوع خطير، موضوع السلوك إلى الله جل وعلا. كثر حوله النزاع وتضاربت الآراء، واحتدم الخلاف، وحميت المعركة.

إن عُرى الإسلام أول ما انتقض منها الحكم، ثم توالى نقض عُرىً أخرى حتى اختل المجتمع الإسلامي، والعقل الإسلامي، والوحدة الإسلامية، والشورى والعدل الإسلاميان. ولئن بقي للأمة وجود البتة، ولئن بقي لها تماسك استعصى على عوامل النقض والتفتيت أن تبلغ مداها، فالفضل لله عز وجل ولكتابه وسنة رسوله ثم لرجال كانوا غياث الخلق مصابيح الهدى. في كل إقليم كان دعاة مربون. كان الواعظ مربيا له نفوذه الروحي على قدر ما معه من خشية الله. كان المدرس مربيا على مقدار ما وصل العلم بالعمل الصالح. كان الجار للجار وإمام المسجد وعائل الأسرة مربين على قدر ما ورثوا بالصحبة والملازمة لمن قبلهم من تقوى الله.

كان النسب القلبي الفطري حياة سارية بالإيمان في أوصال الأمة، وكان أهل النسبة الوثقى أولياء الله تعالى أهل كرامته محطات يشع منها الإيمان الأقرب فالأقرب.

هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله والتواصي بالحق والصبر، هو كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن.

في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى. لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل. جسد الأمة متداع نهب للناهبين. يستطيع المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والباحث الاجتماعي أن يشخصوا أعراض الانحلال في جسد الأمة. وينبري أصحاب “الحل الإسلامي” و”البديل الإسلامي” ليقترحوا علاجا “إسلاميا” وفقا لذلك التشخيص، وفي مستواه من المادية والعقلانية، واستجابة له، وتبنيا لما تعرفه المجتمعات البشرية من بواعث ومنازع.

التشخيص النبوي وصف داء الأمة حين تنحل وتصبح غثاء كغثاء السيل، وسماه “وهنا” وهو حب الدنيا وكراهية الموت. العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “… ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”.

صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المومنين. وصلاح القلوب يكون بالتربية. وللتربية أصول وقواعد من كتاب الله وسنة رسوله. حفظها وحافظ عليها القوم رضي الله عنهم، واجتهدوا واجتهادهم فرع. ونحن، وإن استدللنا في طفولتنا بالفرع على وجود الأصل واقتبسنا والتمسنا نورا من الفروع، لا نبتغي بالأصل بدلا.

في الأصل نجد أن “أول علم يرفع من الناس الخشوع” هذا جزء من حديث شريف عند الترمذي. ونجد أن “أكثر منافقي أمتي القراء”. وهذا حديث عند الإمام أحمد. فالإسلام الثقافي، إسلام العقل والقراءة، والقلوب فارغة من خشية الله، مرض آخر زائد على أمراض الأمة الكثيرة. ونجد في الأصل أن “أخوف ما أخاف عليكم كل منافق عليم اللسان” وهو حديث عند الإمام أحمد، والنفاق يعشش في القلوب إذا خلت من الإيمان أو سبق إليها النفاق فلم يدخلها الإيمان قط. في كتاب الله عز وجل نجد آية: (قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم). (سورة الحجرات، الآية: 14).

عن الإيمان والإحسان نبحث، فنجد أنهما عقد بالقلب يتبعه نطق باللسان وعمل بالجوارج. محصور الإيمان بهذا العقـد القلبي. قال تعالى: (إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم). (سورة الأنفال، الآيات: 2-4) ذكر الله وَوَجَلُ القلب والتوكل على الله أعمال قلبية يتفرع عنها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر أركان الإسلام وشعب الإيمان. قال الله تعالى: (إنما المومنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون). (سورة الحجرات، الآية:15) إنما في اللغة حرف حصر، فلا إيمان دون عقيدة لا ترتاب وجهاد لاينثنى بالمال والنفس، باعثه ابتغاء مرضاة الله، طريقه سبيل الله.

قال الله تعالى: (إنما يومن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون). (سورة السجدة، الآية: 15) فكم من ساجد بالجسد مسبح باللسان لم يحصل له الخضوع والخشوع للواحد القهار، فظل مستكبرا في نفسه مستكبرا على بني جنسه. قال الله تعالى: (لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله). (سورة المجادلة، الآية: 22) الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث. وثاقة هاته العروة من وثاقة الولاء التام لله ولرسوله ولدينه. أفيمكن للأمة والجسد واه غثائي أن تستجمع قواها وتجاهد أعداءها وتعز على المستكبرين إن لم يصلح القلب وتتوثق عرى الإحسان؟

القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المومنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات.