مرت الانتخابات الجماعية يوم 12 شتنبر 2003، كانت نسبة المشاركة فيها -حسب التصريحات الرسمية- 54.10%. وأفرزت نتائج أجبرت الأحزاب السياسية على التفكير في تحالفات من أجل توزيع الأدوار ورسم معالم الخريطة السياسية المستقبلية.

يتم ذلك في فترة عرف فيها المشهد السياسي المغربي انشطار بعض الأحزاب وميلاد أحزاب جديدة, وتكتلات على شكل تحالفات وجبهات… القاسم المشترك بين الأولى والثانية بحث عن موطن قدم في المشهد السياسي المقبل بخطاب سياسي يضمن استمالة شعور فئة عريضة من الشعب المغربي, ثم الحصول على أصوات تبارك ذاك التحالف أو ذاك الانشطار, ولو اقتضى الأمر التخلي عن الحوار الهادئ المسؤول الباني… إلى تبني خيار الصراع والعراك والإقصاء…

أذكر هؤلاء بأدبيات تخص التنظيمات السياسية,خاصة أن كل الفرقاء السياسيين أجمعوا على الرغبة في بناء “المغرب الحديث”. من أهم خصائص الأحزاب والهيئات السياسية:

– استمرارية التنظيم والرغبة في ممارسة السلطة والبحث عن مساندة شعبية.

– تقوم الأحزاب بوظائف محددة أهمها تأطير وتوجيه الرأي العام وانتقاء المنتخبين وتأطيرهم.

– تراقب وتوجه الأجهزة الحزبية الفرعية وتحدد المواقف السياسية…

لكن المشهد السياسي المغربي, اليوم, ابتعد عن هذه المقاربة النظرية وعن الأعراف الدولية , فتحولت فيه ساحة الممارسة السياسية النزيهة “الشفافة” إلى حلبة عراك ومزايدات حزبية وأخرى نقابية. كما أن أغلب الأحزاب السياسية المغربية تعرف شيخوخة بيولوجية وأخرى سياسية, تعاني قواعدها من مشاكل كثيرة ومعقدة, أهمها:

– سلطة الزعيم.

– سيطرة النخبة الحزبية التي يحكم أداءها الحزبي”قوة الأنا”, وهذا ما يصطلح عليه في لغة التشكيلات الحزبية بـ”هيمنة الثقافة الأبوية” وهذا سلوك يجعل النخبة تبقى في أسر الذات ووهم امتلاك المعرفة والتجربة والخبرة دون غيرها من فتيان لما يبلغوا حنكة القيادة, وواقع يحول دون تداول السلطة داخل المؤسسات الإدارية والتقريرية الحزبية .

– مرض الرئاسة الرئاسية التي تريد أن تهيمن وتسيطر دون امتلاك مؤهلات “الزعيم الوظيفي” و”القائد المحنك” الذي يستطيع اكتشاف وتفعيل الطاقات الخلاقة والمواهب النامية.

– أحزاب تحدد علاقتها بالمجتمع بناءا على تاريخ نضالها ومكتسبات الماضي المجيد. لكنها لم تتأقلم مع التغيرات الحالية, ولم تستوعب “الهويات” المجتمعية الجديدة…

نتج عن ذلك إحباط في صفوف القواعد الحزبية, وضعف في المؤسسات الداخلية وتسطير لبرامج موسمية تطفو على السطح في حمأة الانتخابات. تجربة تلو أخرى, تجعل خصم اليوم يتنكر لرفيق الأمس..يمكن أن يتطور هذا التنكر إلى الإقصاء أو العراك. “المتفرج- المستهدف” شعب مهمش, مفقر, مستنـزف, مكذوب عليه ومقاد إلى مصير مجهول, فهو بين طاحونة العوز وحلم الآمال المعسولة الكاذبة الخاطئة.

إلا أن المجتمع المغربي, سئم من الانشطارات الحزبية ومن التحالفات السياسية المؤقتة والمصلحية السجينة في ذاكرة الماضي أو أفق استقبال الأفق الضيق للمستقبل المبني على الأغراض والمصالح والوصول إلى تحمل المسؤولية التنفيذية أو المسؤولية التشريعية لتمثيل الجماهير المكتوية بنار الوعود الفارغة والآمال الوهمية.

ترسب في ذاكرة الشعب المغربي من خلال تجربة الهيئات السياسية, بأن الأمر جد وليس بالهزل. وأن القضية ليست “لعبة” بين قادة توهموا الزعامة والقيادة, وحق لهم ذلك لو أنهم أوفوا بما عاهدوا الشعب عليه وأخلصوا لقضاياه الملحة التي تسكن عقولهم وقلوبهم وتنخر حياتهم الاجتماعية التحالف يرسم خطوات تحكمها الإكراهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وحتى العولمية. ويبقى سجينا لطيف يبدو في الأفق منسجما, طيف قزح يعلن انفراج الغيم وتحول جو السماء نحو الصفاء, تعدد في الألوان وأمل قصير سرعان ما ينقشع وتصفو السماء وتشرق الشمس بضيائها الواضح. فتكشف عن واقع الأرض وواقع الإنسان وحقيقة الإنتاج وتوزيع الأرزاق وتسخيرها لتكريم الخلق ورفع قيمته وإزالة الظلم عليه وإقامة العدل في قضاياه كلها.

لو كان التحالف قضية استراتيجية في نصرة المظلوم وتوزيع الأرزاق توزيعا عادلا وإعطاء الحق لأصحابه. لو كان الأمر هكذا لكان التحالف ضروريا. لكن الحسابات الضيقة تملأ النفس وتسكن المستقبل وتحرك الواقع حسب القراءات الضيقة للانتماءات الجزئية والفئوية.

لو كان التحالف على خط الأمة لتربيتها، لبنائها، للدفاع عنها، لفتح الآمال لشبابها نحو مستقبل واضح على خط لاحب وعمل حثيث يلغي المحسوبية ويوحد الجهود للبناء, للتربية, للتغيير, للقطيعة مع ما ترسب في ماضينا من ظلم وحيف وفساد في الأرض وإفساد للخلق والتظاهر بالإصلاح والصلاح والتخليق والادعاء بأن القضية ما هي إلا تجمعا فئويا مصلحيا ظرفيا مهددا بالطلاق في كل لحظة وحين لترجع الفرقة والاختلاف والتنابز بالألقاب واتهام الخصم الحالي للرفيق الماضي.

لقد مر بمختلف أطياف المشهد السياسي المغربي أن أعلنوا عن زواج كاثوليكي غير قابل للطلاق في وقت كانت التجربة مازالت تحمل في طياتها أمل العودة إلى الشعور الوطني الموحد لقوى أعطت ما يمكن عطاؤه في ظرفية انتقالية تحمل في بطنها كل الاحتمالات ثورية, تغييرية, إصلاحية…

لا تحسبن أن الشعب المغربي غائبا عن هذه التجارب, فهو لا يزن بميزان الإيديولوجيا ولا يزن بميزان السياسة الظرفية… ولكن يحكم على الأشياء بنتائجها ومدى انعكاسها على حياته اليومية ومستوى عيشه الاقتصادي والاجتماعي. حقيقة لا أبتدعها ولا هي من نسج الخيال ولا هي “أحلام دونكيشوطية”… لكنها شهادات المحللين السياسيين للمشهد السياسي المغربي, وقراءة لاستمارات أنجزت من قبل مؤسسات متخصصة.

لو كان التحالف مع الشعب في مشاعره العليا, وأظن أن كل القادة والزعامات يسكنها شعور بالانتماء إلى هذه الأمة, أحب من أحب وكره من كره. شعور عميق أصبح البوح به والاعتزاز به ورفض كل من يتهمهم بالخلو منه أمرا صريحا, بعدما كان مغيبا عن الساحة السياسية, خاصة في مرحلة الستينات والسبعينات التي عرفت سيطرة اليسار في الحقل السياسي المغربي, فترة شهدت رفع علم الشيوعية ومبادئ الأيديولوجية “الماركسية- اللينينية” ضد الأيديولوجية الليبرالية, التي انتزعت اليوم المشعل لتواجه بدورها من يهدد مصالحها العولمية. بعد ظهور الحركة الإسلامية في المشهد السياسي تكتسح الساحة وتزاحم بالمناكب, امتعضت الزعامات “التاريخية” التقليدية بعدما اكتشفت أن البساط يسحب من تحت أقدامها في المجال النقابي والجمعوي والاجتماعي… فوزعت الأدوار بإتقان لحصار شباب اكتشف اللعبة، وأقدمت على استراتيجية التحالفات.

إذا كان التحالف على هذا الخط واضحا, يلتزم به المتحالفون أمام الشعب في وضوح ويحاسبون عليه بكل أمانة ومسؤولية, لكان الأمر مستمرا والسير متواصلا, والبناء متدرجا والتناوب على السلطة مثمرا…

لننتقل من الغموض إلى الوضوح, إلى احترام شعور الأمة, بأننا لها ولسنا عليها ولا ضدها… وبالتالي يكون التقارب سلوكا مبنيا بتدرج في إيجاد الحلول لما يفرقنا وتبني ما يوحدنا ولا نتسارع على اختلاف الرؤية إذا كان الأمر اجتهادا داخل الوحدة, وحدة الصف في المشاعر العليا والصالح العام.

نتقارب لا لنتدابر, نختلف لنتكامل, نتطارح القضايا لنوضحها، لنستفيد من الآخر, لنحترم الآخر, لنثمن اجتهاد الآخر لحساب الأمة.

فضلاؤنا لهم ماضي ثليد وعاطفة جياشة ضد المستعمر- المستكبر المحتل للأرض قديما, والمحتل للعقول والنفوس حاضرا واستمالة الأهواء… الفضل كل الفضل لهؤلاء حينما يعلنون صراحة أنهم ليسوا مستعدين لينوبوا عن هذا الحاقد الطامع, وليسوا مستعدين لتربية إنسان يسكنه هذا الهاجس في التبعية والخضوع والتنصل عن مقوماته الذاتية التي تقيم أولا الجسم بالاقتصاد, والعقل بالعلم, والسلوك بفضائل الخلق, والقلب بنور الإيمان. كما تضع له منهاج الخلاص بالتربية الربانية التي تكرمه وترفع همته إلى الله عز وجل.

إن الفضل كل الفضل للفضلاء الديمقراطيين يكون بالوفاء إلى المبدأ الذي قاموا عليه ودافعوا عنه وسبقوا بالجهاد, جهاد المستعمر في الماضي والمستكبر في الحاضر.

استقلال هو ثمرة هذا البناء. جهاد أصغر في مقابل جهاد أكبر. المهمة ضخمة والمسؤولية كبيرة والدعوة مفتوحة لكل من أراد أن يستمر في فضله وأن يكمل جهاده الخارجي بجهاد داخلي لسلوك مراتب الإسلام والإيمان والإحسان وإقامة عدل الإسلام ورفع الظلم والحيف عن الناس.