حسب التصريح الذي ادلى به وزير الداخلية مصطفى الساهل يوم 15 شتنبر 2003 بمناسبة الإعلان عن نتائج الانتخابات الجماعية ليوم 12 شتنبر 2003 فإن عدد المسجلين باللوائح الانتخابية بلغ 937 620 14 مسجلا، صوت منهم 640 918 7 لتكون نسبة المشاركة هي 54,16 يضاف إلى ذلك أن عدد الأصوات الملغاة بلغ 578 771 صوتا ملغى، أي اكثر من 10% من مجموع الأصوات.

إن الانطلاق من هذه الأرقام الرسمية لتسجيل بعض الملاحظات حول المشاركة الانتخابية لا يعني التسليم التام بصدقها. فإمكانية تزوير وتحريف تلك الأرقام ظلت قائمة، مادامت وزارة الداخلية هي المحتكر الأول والأخير لها في غياب أدنى شراكة واضحة لأطراف من المجتمع السياسي أو المدني.

تمييز أساسي

بعد ذلك التوضيح نميز في البداية بين المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية لنزيح اللثام عن لبس كثيرا ما يقع فيه الخطاب الإعلامي والسياسي، إما عن قصد أو عن غير قصد، إذ يتم الحديث عن المشاركة الانتخابية بصفتها المشاركة السياسية. ويوصف عدم توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع بالعزوف السياسي، والحقيقة غير ذلك إذ أن المشاركة السياسية أشمل من المشاركة في الانتخابات، بل يمكن أن يكون العزوف عن الانتخابات تعبيرا عن موقف سياسي ما، وبالتالي يمكن أن تكون مقاطعة الانتخابات مشاركة سياسية وتعبيرا عن اختيار سياسي.

أجل إن المشاركة الانتخابية تعتبر أهم مظهر للمشاركة السياسية، لكنها ليست المظهر الوحيد؛ خاصة في الدول التي لا تعكس فيها التعددية الحزبية تعددية سياسية كما هو الحال في بلدنا المغرب. بعد هذا التمييز الضروري نشرع في تسجيل ملاحظات حول نسبة المشاركة.

“النفخ” في نسبة المشاركة

سجلت إذن نسبة مشاركة انتخابية عامة بلغت 54,16، وهي بذلك أضعف نسبة مشاركة في الانتخابات الجماعية التي عرفها المغربـ إذ بلغت 66,3 في المائة في الانتخابات الجماعية لسنة 1976 و74,75 في المائة في انتخابات 1992 و75,13 في انتخابات 1997…

وإذا كان بعض المتتبعين يستبعد مقارنة نسبة المشاركة الحالية بالنسب السابقة نظرا لما كانت تعرفه تلك النسب من تزوير، فإننا نرى عكس ذلك ونؤكد جدوى المقارنة، حيث لا نستبعد إمكانية تزوير الانتخابات الحالية، خاصة فيما يتعلق بنسبة المشاركة، وبالتالي تكون نسبة المشاركة في الانتخابات الحالية أضعف نسب المشاركة رغم القاسم المشترك بينها جميعا، الذي هو “النفخ” في هذه النسب.

وهناك عدة عناصر تؤكد لعبة “النفخ” لصناعة نسبة مشاركة تحفظ ماء الوجه. من هذه العناصر ما يلي:

أولا: إلى حدود الرابعة والنصف بعد الزوال من يوم الاقتراع كانت نسبة المشاركة المصرح بها رسميا هي 32 في المائة، لتزداد بأكثر من 22 في المائة خلال ساعتين ونصف! وهو أمر تصعب استساغته؛ إذ أنه خلال ثماني ساعات كانت النسبة هي 32 في المائة بمعدل 8 في المائة لكل ساعتين، لينتقل هذا المعدل إلى 22 في المائة خلال الساعتين الأخيرتين.

ثانيا: النسب الجزئية المصرح بها في المدن ضعيفة جدا إذ لم تتجاوز المشاركة في أحسن الأحوال وحسب التصريحات الرسمية 37 في المائة، فمدينة مراكش مثلا لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 30 في المائة، وكذلك الأمر في فاس ومكناس والبيضاء. ورغم ارتفاع نسبة المشاركة نسبيا في بعض القرى، وفي بعض الأقاليم الجنوبية، بسبب الحمية القبلية، فإن احتمال بلوغ نسبة مشاركة عامة تساوي 54,16 في المائة يظل ضعيفا.

ثالثا: الطريقة التي تم بها الإعلان عن نسبة المشاركة لا تبعث عن الاطمئنان، إذ في البداية تم الحديث عن نسبة عامة بلغت 32 في المائة إلى حدود الساعة الرابعة والنصف بعد الزوال، ليتم الإعلان بعد ذلك، وفي تصريح لوزير الداخلية على نسب متفاوتة؛ حيث سجلت نسبة 66 في المائة في الدوائر التي عرفت الاقتراع الأحادي الإسمي، ونسبة 47 في المائة في الدوائر التي عرفت الاقتراع اللائحي، والتي يتراوح عدد سكانها بين 25 ألف و500 ألف نسمة، أما الدوائر التي يفوق عدد سكانها 500 ألف نسمة فقد عرفت نسبة مشاركة ضعيفة جدا تمثلت في 37 في المائة. ليعود وزير الداخلية في تصريحه النهائي للإعلان عن نسبة مشاركة عامة دون الإعلان عن النسب حسب نمط الاقتراع وعدد السكان.

رابعا: بثت القناتان الأولى والثانية عدة تصريحات لمراقبين حزبيين ولأعضاء في مكاتب التصويت تم التأكيد من خلالها على الضعف الشديد للمشاركة (على سبيل المثال لا الحصر ما صرح به أحمد الخمسي للقناة الثانية يوم 13 شتنبر 2003 فيما يتعلق بالمشاركة الانتخابية في مدينة الدار البيضاء).

خامسا: عرفت الحملات الانتخابية فتورا شديدا بشهادة الجميع، لذلك كان من المتوقع أن تعرف نسبة مشاركة أضعف مما عرفته الانتخابات التشريعية ليوم 27 شتنبر 2002. وليس العكس.

مبررات واهية

يبدو من خلال العناصر السابقة أن مسألة التلاعب بنسبة المشاركة تظل واردة. ولا يمكن أن نفهم صمت المشاركين في اللعبة الانتخابية عن هذا الأمر إلا بالتوافق الذي حكم الانتخابات بصفة عامة، بل إن ضعف المشاركة يعتبر أمرا قادحا في كل الأطراف المشاركة، وبالتالي لا نستغرب من الاجتهاد في البحث عن مبررات.

ولعل أهم المبررات التي روجت لها بعض وسائل الإعلام هي ما يلي:

أولا: نسبة 54,16 في المائة بالمقارنة مع نسب المشاركة في السابق تدل على الشفافية، وهذا يكفي!

ثانيا: المشاركة في الانتخابات تعرف تراجعا على المستوى الدولي، والمغرب ليس استثناء من ذلك!

على افتراض خضوع نسبة 54,16 في المائة لمعيار الشفافية فعلا -وإن كنا نستبعد ذلك- فليس الهدف من الانتخابات الوقوف على شفافية الأٍقام بالمقارنة مع أرقام سابقة، لأن الشفافية أمر مفروغ منه في الدول التي تحترم شعوبها، وبالتالي فليس هناك أحد يتفضل أو يتكرم بالشفافية على المواطنين، لأنها من أوجب واجبات الدولة، الهدف من الانتخابات تشكيل خريطة سياسية سواء على المستوى الوطني أو المحلي، والخريطة الحالية تؤكد أن أكثر من نصف المغاربة لهم اختيار سياسي آخر غير الاختيار السياسي الرسمي للدولة، ولمن يدور في فلكها، وهذه حقيقة يكون من أراد حجبها كمن أراد حجب الشمس بالغربال.

أما فيما يتعلق بتراجع المشاركة على المستوى الدولي، فالديمقراطية في دول نشأتها بلغت مرحلة الشيخوخة، والمواطنون هناك يعيشون نوعا من الترف السياسي والاجتماعي، فعزوفهم عن المشاركة في الانتخابات، وإن لم يكن بنفس الحدة، له دوافع خاصة؛ أما عدم المشاركة الانتخابية في بلد كالمغرب، الذي يحلو للبعض أن يضعه على طريق الانتقال الديمقراطي، فلا يمكن فهمه إلا برفض هذا المسلسل المزور لذلك الانتقال المشوه.

تعبئة فاشلة

إن هاجس عدم المشاركة في الانتخابات روع المعنيين بها قبل الانتخابات التشريعية، وازداد ترويعهم بما تحقق في تلك الانتخابات من نسبة مشاركة ضعيفة، لذلك شمروا على تعبئة شاملة، وجندوا عدة وسائل من أجل رفع نسبة المشاركة في الانتخابات الجماعية، نذكر منها:

أولا: رفع عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية ليصل إلى 14,6 مليون مسجل، مقابل 13,8 مليون مسجل في انتخابات 27 شتنبر 2002، وذلك بعد تخفيض السن الانتخابي إلى 18 سنة، ورغم ما قيل حول مسألة تخفيض السن فإن الدافع الأول هو رفع نسبة المشاركة وإلا لنا أن نتساءل لماذا تم تخفيض سن التصويت بعد الانتخابات التشريعية وليس قبلها؟ فإذا كان الهدف هو تأهيل الشباب للمشاركة السياسية فإن إجراء تخفيض السن الانتخابي كان من الأولى أن يتم قبل تاريخ 27 شتنبر 2002؛ ثم لماذا رفضت الأغلبية في السابق اقتراح تخفيض سن التصويت، الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية، وهي -أي الأغلبية- ما فتئت تطالب بذلك المطلب!؟

إن من شأن مثل هذه الأسئلة أن تكشف لنا عن حقيقة التعامل الانتهازي مع العمل السياسي، هذا الداء الذي لا نشك أنه من بين أهم أسباب العزوف عن الانتخابات.

ثانيا: جو الترهيب الذي ساد قبل الانتخابات الجماعية، وتجريم الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات (على سبيل المثال فقد تم اعتقال أحد أعضاء تنظيم النهج بسبب توزيع بيان يدعو لمقاطعة الانتخابات) مما شكل ضغطا على بعض الهيئات المقاطعة، وفي مقابل ذلك تمت تعبئة كل الوسائل المادية والبشرية والإعلامية للدولة والأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات، والتي بلغ عددها 26 حزبا من أجل حث المواطنين على التوجه إلى صناديق الاقتراع. جهود كبيرة بذلت لحث المواطنين على المشاركة، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال!

ثالثا: استغلال أحداث 16 ماي ليس فقط للتعبئة ضد حزب العدالة والتنمية وضد الحركة الإسلامية بصفة عامة، وإنما أيضا لدعوة المواطنين للانخراط فيما سمي بـ”المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي”، وسخرت لذلك وسائل الإعلام العامة والخاصة، وكانت أول خطوة حسب المبشرين للانخراط في ذلك المشروع هي المشاركة المكثفة في الانتخابات الجماعية. لكن الاستجابة لم تتم، فهل لأن المواطنين ليس لهم ما يكفي من الاستعداد للتلقي؟ أم لأنه لا ثقة في أصحاب النداء؟

رابعا: إقدام السلطة على عدة إجراءات بهدف إعادة الثقة للمواطنين من مثل إبعاد بعض أعوان السلطة، ومحاكمة بعض المتورطين في جرائم انتخابية، والوقوف ضد ترشيح بعض المشتبه فيهم، إلا أن هذه الإجراءات كانت استثنائية وليست عامة، بل إن الإجراء الأخير استعمل في بعض الحالات على غير وجه حق، وبالتالي فإن هذه الإجراءات لم تغير من عدم ثقة المواطنين شيئا.

خامسا: تقديم عدة تسهيلات للمواطنين من أجل المشاركة في الانتخابات، فقد قام المقدمون في عدة دوائر بتوزيع البطائق على المواطنين الذين لم يسحبوها، وكان تساهل كبير أثناء عملية التصويت، وسمح للموظفين بالغياب عن عملهم في النصف الثاني ليوم الاقتراع .. ورغم ذلك فإن نسبة المشاركة كانت ضعيفة.

إن ضعف المشاركة الانتخابية رغم كل الوسائل التي سخرت يدعو إلى الاعتبار واستخلاص الدروس، فهل من معتبر؟

دروس للاستخلاص

من الدروس الأساسية التي ينبغي استخلاصها من ضعف المشاركة الانتخابية في الانتخابات الجماعية الأخيرة ما يلي:

أولا: أنه في غياب تعددية سياسية حقيقية، وفي غياب جو من الحرية والمساواة يسمح لكل الأطراف السياسية بحق التنظيم والتعبير عن اختياراتها تكون النتيجة هي عزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات، لأنه في ظل الأحادية السياسية يصبح التنافس بلا معنى، وتضيع وظيفة الانتخابات، ويصبح من رجاحة العقل عدم المشاركة فيها.

ثانيا: عدم مشاركة جزء كبير من المواطنين في الانتخابات الجماعية ليس سببه صعوبة نمط الاقتراع المزدوج كما يروج لذلك بعض الناس، فأقل نسبة مشاركة كانت في الحواضر، التي توجد فيها أكبر نسبة من الوعي، والاقتراع اللائحي تم التعامل به في الانتخابات التشريعية، مما يعني تحصيل قدر كبير من فهمه وضبطه. إن السبب الجوهري هو عدم الرضى على النمط السياسي السائد، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى المركزي أيضا.

وسنضل طريق الإصلاح متى تشبتنا ببعض الأسباب الجزئية من مثل نمط الاقتراع، وعدم اختيار الوقت المناسب… ونسينا أو تناسينا رفض المواطنين لنمط سياسي فرض عليهم فرضا، وأجبروا عليه إجبارا.

ثالثا: عدم المشاركة في الانتخابات يعني عدم الثقة فيها وفي من يشرف عليها وفي ما تفرزه من مؤسسات! ولا يمكن أن تعاد هذه الثقة بإجراءات استثنائية شكلية، لا يمكن ان تعاد الثقة إلا بمبادرات تاريخية، من مثل المبادرة التي تقترحها جماعة العدل والإحسان، مبادرة الميثاق الوطني، الذي يشارك فيه مختلف المغاربة بحثا عن مستقبل أفضل لهذا الوطن.