أختار بين هيأتين، بين مذهبين، بين وَلاَءَين: ولاءٍ صادق لله ورسوله، هيأةٍ يستوي مظهرها ومَخبرها، مذهبٍ مستقيم لا يلتوي. أو ولاءٍ مُراهقٍ منافقٍ، يقوده الخوف من الناس، وتغمضه ضبابية المعرفة، وتنحط به سخافة الطامح وسفالة الهمة.

شخصية أنا من معدن صلب، من عنصر صاف شفاف. مومنا بالله ومومنة أصدق الحديث، وأوافي الوعد، وأفي بالعهد، وأحفظ الأمانة؟ أم شخصية زائفة من خَشَبٍ بشري، ناصِيَةً كاذبةً خاطئة، لا ذمة لها ولا وجهة ولا قرار ولا وزن عند الله العلي الكبير؟

إن انتمائي إلى واحدة من هذه الجماعات الإسلامية التي تمثل في تاريخ هذه الأمة يقظة من سباتٍ، وحياة من مَوَاتٍ، إنما هو انتماء لمدرسة من مدارس الرجولة والرشد.مدارس تُرَبِّي على الولاء لله عز وجلّ، وعلى الصدق مع الله عز وجلّ. مدارس دعوة يجمعها هذا القدر المشترك من الإيمان بالله ورسوله. لا يضيرُ وجودَها اختلاف في اجتهاد، وموقف سياسي يُجلله غموض، أو تمليه ظروف، أو تشوش رؤيتهُ قذاةٌ في عين الفكر تزول لو تحاور الناس على هدوء ووضوح.

جماعات دعوة تصبح قوة سياسية يُحسب لها حساب ، وتعقد عليها آمال أمة سحبت ثقتها من المنافقين والمحترفين في سوق السياسة، والمغلوبين في معترك السياسة. ينبغي أن لا يُنسِيَ الوزن السياسي والوظيفة السياسية النقابية، الواجبُ على الجماعات الإسلامية الاضطلاعُ بها، وظيفتَها الكبرى : ألا وهي تنشئة أجيال صادقة صلبة تخضع لشرع الله ، وتعبد الله وحده لا شريك له، وتجاهد في سبيل الله لتكون في الارض كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا أو نافقوا واستكبروا في الأرض وظلموا هي السفلى.

أحزاب سياسية تنشُد الديموقراطية والعدل والتغيير . مطامحُ جليلة لَو لم تنته المطامح عند تعددية نحن ننشدها ، ومع حرية لا حياة لامة بدونها، وتداوُل على السلطة هو حكمة تنظيمية تولدت من تاريخ الأمم ومِحَنِ الأمم ونضال الأمم ضد الحكم الفردي والظلم الاجتماعي.

ماذا وراء هذه المطامح السياسية النبيلةِ في الخطابِ ومن حيث المبدأ؟ أهو تغيير ينقذ الأمة من بوارِ حَالها أن تنصرف وجوه وتطرَدَ وجوه لتخلفها وجوه من نفس الطينة، تحمل نفس الأفكار، وتتعرض لفتنة السلطة والدولار ؟

“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” . التغيير كذب على النفس وعلى الناس إن لم يحدث في قلب الرجل والمرأة، إن لم يصبح الصدق والأمانة والنزاهة والكفاءة هي القيم المعتبرة لا الرشوة والمحسوبية والخيانة والنفاق . ولا سبيل إلى ذلك إلا بتنشئة أجيال سليمة من الزّغل مُشبَعَة القلوب بخوف الله، والحياء من الله, وحب الله, والاتباع لسنة رسول الله, لا إله إلا الله محمد رسول الله. عليه صلاة الله وسلام الله.

يسرقنا الخطاب المشترك مع الأحزاب السياسية، تسرقنا الساحة، تسرقنا مياومة الأحداث، يخدعنا عن وظيفتنا التربوية أننا بالفعل قوة الحاضر وأمل المستقبل.تقصر خطَى فكرنا، وتتعثر خطوات فعلنا، فَنوشك أن نصبح يوما حزبا سياسيا محضا أرضيّ المطامح إن لم يدخل الإيمان في قلوبنا، إن لم نتطهر بالتوبة إلى الله، ولم نتعطر بالإقبال على الله.