ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أنهدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾

(سورة الأعراف، الآية: 42).

الحمد لله رب العالمين بكل حمد يرضاه, والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله ومصطفاه, وعلى آله وأصحابه المهتدين الهداة.

أما بعد, يقول الله عز وجل في مطلع سورة البقرة: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ﴾. من صفات المتقين التصديق بما يأتي من خبر الغيب, ولا إيمان يرجى لمن لا يؤمن بالغيب.

في زماننا, وفي أيامنا هذه استحوذ على النخبة المثقفة الحديث عن العقلانية ومقتضياتها, ولا حديث عن الغيب وشواهده, بل يهاجم العقلانيون الإيمان بالغيب الذي هو من أركان العقيدة السليمة لكل مسلم, وينسبون إليه تخلف العقل المسلم وخرافيته. ونجد في المقابل رواج الخرافة في أسواق العرافة والشعوذة والسحر وتفسير الأحلام عند العامة الجاهلة من المجتمع المسلم. وكل هذا من غربة ديننا، وبعدنا عن سنة نبينا، وغفلتنا عن ربنا.

نتحدث إن شاء الله فيما يلي عن باب عظيم من أبواب الغيب, هو من سنن الله الماضية في تأييده سبحانه لعباده الصالحين. هو باب الرؤيا, ملتمسين بذلك بشارة رسول الله r في الحديث الذي أخرجه الإمام السيوطي في الجامع الصغير: “من أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة”.

أخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت من طريقين أن رسول الله r قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون﴾

(سورة يونس، الآية: 42-43).

قال r عن البشرى في الحياة الدنيا: “الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له”.

ثم إن تخصيص دواوين الحديث كتابا للرؤيا, أو كتابا للتعبير لهو دلالة قاطعة على أن هذا الجزء المقدس من النبوة من صلب الدين لا من هامشه. نجد عند الإمام البخاري في كتاب التعبير, عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: “أول ما بدئ به رسول الله r من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم”. فرؤيا الأنبياء وحي، وتصديق ما يوحى إليهم مناما، وتنفيذه صدقٌ لعصمتهم من الشيطان. قال الله تعالى عن عبده إبراهيم لما صدق رؤيا ذبح ولده إسماعيل وبدأ في التنفيذ: ﴿وندينه أن يا إبراهيم قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ (سورة الصافات، الآية: 104-105).

فتصديق الرؤيا من سمات الإحسان. فهو باب الغيب الذي بقي مفتوحا لوصلة الصالحين بربهم.

روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: “لم يبق من بعدي من النبوة إلا المبشرات”، قالوا: وما المبشرات؟ قال:” الرؤيا الصالحة”. وعنه أيضا أنه r قال: “إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب, ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة, وماكان من النبوة فإنه لا يكذب”.

أخرج الإمام مالك في الموطإ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: “هل رأى أحد منكم رؤيا؟” ويقول: “ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة”.

لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم إلى جانب تصديقهم بالرؤيا, يحتفلون ويهتبلون بها، بل كان الواحد منهم يلوم نفسه إذا لم يرها. أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “إن رجالا من أصحاب رسول الله r كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله r فيقصونها على رسول الله r, فيقول فيها رسول الله r ما شاء. وأنا غلام حديث السن, بيتي المسجد قبل أن أنكح. فقلت في نفسي: لو كان فِيكِ خيرٌ لرَأَيْتِ مثل ما يَرَى هؤلاء”. وفي كتاب شعب الإيمان للإمام البيهقي رحمه الله نجد رواية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه إذا أصبح كان يقول: “من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها”، وكان يقول: “لأن يرى لي رجل مسلم مُسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إلي من كذا وكذا”.

كانوا رضي الله عنهم يقصون على الحبيب r ما شاء الله فيعبر, ويؤول, ويوجه, ويربي, ويعظم لهم أمر الرؤيا الصالحة غاية التعظيم فيقول: “رؤيا المؤمن كلام يكلم به العَبْدَ ربُّهُ في المنام”.الحديث أخرجه الطبراني عن عبادة بن الصامت بإسناد صحيح.

وسار على نهج الصحابة الكرام معظم صالحي هذه الأمة الذين امتلأت كتب مناقبهم بما جاد الله عليهم من رؤيا رسول الله r. وهي رؤيا حق. أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي r يقول: “من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: “من رآني في المنام فسيراني في اليقظة, أو لكأنما رآني في اليقظة, لا يتمثل الشيطان بي”. الحديث أخرجه الشيخان.

والرؤيا الصالحة هي التي يرى فيها المؤمن ربه عز وجل، أو وجه رسول الله r, أوعباده الصالحين, أو ما وعد به سبحانه في كتابه من جزاء عظيم لمن أخلص لله القصد, واستقام على سواء الصراط.

أما الرؤيا النفسية (حديث النفس) فهي رؤيا ما يهتم به الإنسان من هموم الدنيا. وقد يكون استدراجا للرائي يحيد به عن جادة الطريق.

وهناك صنف آخر من الرؤى وهو وحي الشيطان لأوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لأنصاره وأتباعه في اليقظة, وقد تصيب المؤمن لتحزينه (الرؤيا التحزينية) . عن أبي هريرة عن النبي r قال: “الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان. فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل”. رواه الدارمي.

ثم أخيرا هناك الرؤيا الكونية المخبرة بأنه وقع كذا أو سيقع كذا، ويستوي في تلقيها المؤمن والكافر. ومثال ذلك رؤيا الملك الكونية في سورة يوسف, فهي ليست من الإحسان في شيء, وإن كان لها شأن عظيم في حياة الأمة.

وقد كان رسول الله r والصحابة رضي الله عنهم من بعده, يرون في منامهم ما يقترح عليهم خياراً جهاديا، أويبشرهم بنصر الله. أخرج البخاري عن أبي موسى عن النبي r قال: “رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل, فذهب وهلي( ) إلى أنها اليمامة أو هَجَر( ), فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان, فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، واجتماع المؤمنين”.

الصادق في طلب الله تعالى لا يتعلق بالرؤيا المخبرة عن أحداث العالم, الذي يهمه رؤيا تبشره بالسعادة الأبدية، وبقربه من ربه، ورضاه عنه, وتشجعه على سلوك الطريق إلى الله, لكنها لا تضيف حكما جديدا من أحكام الشريعة, ولا تعطل حكما معروفا.

والرؤيا الصالحة تسر ولا تغر، ويتم صلاحها ويتحقق إن تلتها توبة واجتهاد وتشمير.

وللرؤيا آداب نبوية لخصها ابن حجر العسقلاني في قوله: وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة أن يحمد الله عليها, وأن يستبشر بها, وأن يتحدث بها لمن يحب دون من يكره. وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان, وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثا, ولا يذكرها لأحد أصلا. ووقع عند المصنف في باب القيد في المنام عن أبي هريرة خامسة وهي: الصلاة (…) وزاد مسلم سادسة وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه.

أخرج الإمام مسلم عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: إن كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله r يقول: “الرؤيا الصالحة من الله. فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب. وإن رأى ما يكره يتفل عن يساره ثلاثا, وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها. ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره”.

ومن الآداب ألا يقصها إلا على حبيب مصدق, أو لبيب حكيم لأن الرؤيا لأول عابر. قال رسول الله r: “الرؤيا على رِجْلِ طائر ما لم يحدث بها, فإذا حدث بها وقعت”. رواه الدارمي. ولكون التعبير علما يختص به العزيز الحكيم من شاء من عباده .

والرؤيا الصالحة أمانة لا يحق للرائي أن يزيد فيها أو ينقص منها, فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: “مِنْ أَفْرَى( ) الفِرَى أن يُرِيَ عَيْنَهُ ما لَمْ تَرَ”. الحديث أخرجه البخاري.

تتعب الهمم السامقة، والنفوس الشريفة في الظفر بمن يأخذ بيدها إلى الله. فها هي ذي الرسائل الغيبية تعرض عليك، وها هي ذي الأصوات الداعية تتوالى عليك، فهل من مستجيب؟

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل سيدنا إبراهيم، إنك حميد مجيد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(1) “الوهَل” فبفتح الهاء معناه: وهمي واعتقادي.

(2) اسم بلد باليمن.

(3) أفرى: أي أعظم الكذبات. فارى الرجل عينيه وصفهما بما ليس فيهما.