روى الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما مرفوعا: “أن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه ما سأل ما لم يسأل حراما”. وفي رواية لابن خزيمة في صحيحه مرفوعا: “إن فيه -يعني يوم الجمعة- لساعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه” الحديث.

وروى أبو يعلى وغيره مرفوعا: “أن يوم الجمعة وليلة الجمعة أربعة وعشرون ساعة، ليس فيها ساعة إلا ولله فيها ستمائة ألف عتيق من النار”.

رواه البيهقي مختصرا بلفظ: “لله في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار”. زاد في رواية “كلهم استوجبوا النار”.

وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: “فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه وأشار بيده يقللها”.

وزاد وفي رواية للترمذي وابن ماجه: “قالوا يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال: حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها”.

وفي رواية للترمذي والطبراني مرفوعا: “التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس”.

وفي رواية لابن ماجه على شرط الشيخين: “هي آخر ساعات النهار، فقال عبدالله بن سلام: إنها ليست ساعة صلاة؟ قال بلى، إن العبد إذا صلى ثم جلس لم يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة”.

وفي رواية للإمام أحمد مرفوعا بعد ذكر يوم الجمعة: “وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له”.

وروى الأصبهاني مرفوعا: “الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة آخر ساعة من يوم الجمعة قبل غروب الشمس، أغفل ما يكون الناس”.

قال الإمام أحمد: وأكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها استجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر، وقال: وترجى بعد الزوال.

وقال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة أنه قال: هي من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. وقال الحسن البصري وأبو العالية: هي عند زوال الشمس.

وعن عائشة أنها من حين يؤذن المؤذن لصلاة الجمعة. وفي رواية عن الحسن، أنه قال: هي إذا قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ. وقال أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة. وبالجملة فالأقوال في ذلك كثيرة ولا يعرف الساعة حقيقة إلا أهل الكشف. والله تعالى أعلم.

أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستعد لساعة الإجابة التي في يوم الجمعة ونقلل الأكل والشرب، ونمنع اللهو واللغو والغفلة والذي أعطاه الكشف أن الساعة نحو خمس درج، فينبغي أن لا يغفل العبد إلا بمقدار نحو درجتين ليبقى له من الساعة نحو ثلاث درج الدعاء والتوجه إلى الله تعالى، وهذه الساعة مبهمة في اليوم كليلة القدر في ليالي رمضان، وتنتقل بيقين كما يؤيده الأحاديث والأخبار التي تأتي آخر العهد وكما أعطاه الكشف، فتارة تكون في بكرة النهار وتارة تكون في آخر النهار، وتارة تكون بعد الزوال إلى أن تنقضي الصلاة وهو الأغلب.

وبالجملة، أهل الحجاب ومحبة الدنيا في غفلة عن مثل هذا المشهد، لا سيما طائفة المجادلين، ومن يعبد الله على جهل، وإنما خصصنا معظم الخير الذي يرجى في ساعة الإجابة بمن يشعر بها تحصيلا للقيام بآداب العبودية الظاهرة، وإلا فقد ورد: “من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين”. فافهم، وإن كان ولا بد لك من الاشتغال بذكر أو قرآن فينبغي ذلك بحضور مع الله تعالى، لا كما عليه الطائفة الذين يعبدون الله وقلبهم غافل عن الله تعالى فيفوتهم الحضور الذي هو قوت الأرواح، وربما اشتغل أحدهم بالقرآن أو الذكر ومرت عليه الساعة ولم يشعر بها.

فاعمل يا أخي على جلاء مرآة قلبك لتدرك ساعة الإجابة التي لا يرد فيها سائل لوسع الكرم الإلهي فيها، ولا تطلب معرفتها بلا جلاء فإن ذلك لا يكون. وكم من نفحات للحق في الليل والنهار والناس في غفلة عنها! وقد أخبرني شيخنا عن الشيخ أحمد بن المؤذن بناحية منية أبي عبدالله أنه جلس مراقبا الله تعالى لمدة أربعين سنة لا يضع جنبه على الأرض، وكان أولياء عصره يقولون: ما ترك هذا قطرة مدد تنزل من السماء في ليل أو نهار إلا وله فيها حظ ونصيب.

وأخبرني سيدي علي الخواص، أن سيدي عيسى بن نجم خفير بحر البرلس، مكث مراقبا لله تعالى بوضوء واحد مدة سبع عشرة سنة، فلم تنزل قطرة مدد من السماء إلا وله فيها نصيب. فإن لم تستطع يا أخي دوام المراقبة كالقوم فواظب على الساعات التي ورد فيها التجلي الخاص، والله يتولى هداك.