بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات. ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. وذلك هو الفوز العظيم(. اللهم إنيَ أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحَوُّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.

. يكون في معدن بعض الناس خِسَّةٌ أصليَّة وَعَوَزٌ في المروءة وخفة في العقل ونقص في الدين وسقوط في الهمة وإفلاس من الخير ومرض في القلب، كل ذلك مجتمعا متوالدا. فينصِبُ الواحد منهم نفسه رقيبا على الناس يقيس المسلمين بمقياس نفسه، فلا يرى إلا المنكر أينما ولى وجهه. وما معه من أدوات النهي عن المنكر إلا أُصْبُع الاتهـام ومكاييل صيَغِ التكفير والتبديع.

المومن يحسن الظن بالله عز وجل وبعباده. ذلك خلق الإسلام. عين المحاسبة والمطالبة والمراقبة موجَّهة منه إليه. نفسُه وهواه وطبعُه وشيطانُه وأنانيتُه وعاداتُه وزلاتُه هم خُصَماؤُه أسْبَقَ شيء من دون الناس. ولكافة المسلمين عنده حُرمةٌ. على عكس الشخصية المقلوبة العاديَة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظنَّ، فإن الظن أكذبُ الحديث. ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا. وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله ولا يحقِره. التقوى ههنا، التقوى ههنا! -ويشير إلى صدره- بِحَسْبِ امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام. دمه وعرضُه ومالُهُ. إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.

لا تنافسوا في الدنيا وتوافهها، أما المسارعة إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض وإلى رضوان الله عز وجل ومحبَّته فهي مطلوبة، وهي جائزة المتقين الكرماء اليَدِ والخُلُقِ، الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس. والله يحب المحسنين، ولا يحب المعتدين.

هذا الحديث الشريف يُعطي القاعدة الأخلاقية لسلوك المسلمين بعضهم تُجاهَ بعض على صعيد الحياة الخاصة. وهي قاعدة صبر على أذى الناس، وكفٍّ لأذاك أنت عن الناس، وضبطٍ لِلِسانك، بل وسوء ظنك عن الناس. و”المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”. كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجه الترمذي عن ابن عمر بإسناد حسن.

ومخالطة المسلمين بعضهم لبعض تتضمن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن على أساس من احترام المستورين والمتَسَتِّرين من الناس. وليس سوء الظن المنهي عنه هو الخواطر التي تنتاب الإنسان، فهي من طبع البشر، لكن سوء الظن الذي يؤدي إلى المس بكرامة الناس بغير حق.

المومن حَسَن الظن بالله وبعباد الله. “المومن غر كريم والفاجر خَبٌّ لئيم” كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد حسن عن أبي هريرة. لكنَّ المومن يُحسن الظَّن أولا، ثم إذا بدا من أحد بادرةُ سوء كان منه على حذر.لأن “المومن لا يلسع (في رواية: لا يلدغ) من جحر مرتين”. كما جاء في الحديث النبوي عند البخاري ومسلم وأبي داود عن أبي هريرة.

الخَبُّ الخدَّاع المكَّار الخبيث. وكان أمير المومنين عمر يقول: “لست بالخَبِّ ولا الخَبُّ يخدعني!”. كان أميراً للمومنين، فلزمه من الحذر والحيطة ما لا يلزم غيره من عامة الناس في مخالطتهم اليومية. وإن في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين دروسا للحيطة تقدم لنا نمطا للحكم والإدارة ما هو نمط الدولة البوليسية القاتلة لحرية الناس المبنية على سوء الظن المَبْدَئِيِّ وعلى التجَسس. نمط النبوءة والخلافة الراشدة حذَرٌ ويقظة موجهين إلى الحاكم أول شيء. نمَطُ النبوءة والخلافة الراشدة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، الحاكم أولُ من تُسْدَى إليه هذه الخدمة، من قِبَل الجمهور، ومن قِبل أميره، أولُ من يراقَبُ ويُحاسَبُ ويُلام ويعاقب.

هذا النمط المطلوب تجديده في الخلافة الثانية هو مقلوب نمط الدولة البوليسية الاستبدادية الجبرية التي يكون فيها الحاكم بمنجاةٍ من كل حساب، يكون صَنَماً، ويكون عامة الناس في الحصار التجسسي والتحقير والتعسف والظلم.

ذكر أبو يوسف في كتاب “الخراج” أنه كان لعمر رضي الله عنه جهاز سري لمراقبة ولاته (لا لمراقبة الناس). فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا مصر من الأمصار والٍ ولا عامل ولا أمير جيش إلا وعليه له عَيْنٌ لا يفارقه. فكانت أخبار ولاته بالمشرق والمغرب عنده كل مَمْسىً ومَصْبَحٍ”.

إن الذهنية المقلوبة، والنفسية المريضة اللتين “يتمتع” بهما مكفِّرو المسلمين ومبدِّعوهم، ما عندهم للمسلمين غير ذلك، تقترنان بحسن الظن البالغ بالنفس كما تقترنان بالخضوع القابع لحكام الجوْر. من هؤلاء ينبغي التحرز في دولة القرآن لأنهم لو مُلِّكوا من السلطان نفساً لأحالوه حكما متعنتا مُبيداً. حفظنا الله والمسلمين. آمين.

وإن لهذه الذهنية السيئة الظن بغير نفسها لَمَسْرَحاً في خلافات العلماء الأوَّلين، واستمداداً من كدورات الخلافيات، يلزمُ من التؤدة والصبر وكظم الغيظ والعفو بجانب أصحاب هذه الذهنية الفضل الواسع حتى تعاد تربيتهم على السنة السمحة. هدانا الله وإياهم. آمين.

وأكثر ما يتوجه سوء ظن هذه الطائفة إلى صوفية الماضي وطرقية الحاضر. وما من بأس أن يكون من علماء الأمة حسبةٌ على الطوائف الطرقية. بل من الواجب قمع البدع أنَّى كانت. لكن الاجحاف هو أن يقرأ أنصافُ الأميين مقالة أو اثنتين عن خلافات الماضي فيَسْحَبُوا على الحاضر سوء ظنهم مضافا إلى مبالغة من يقلدونهم من الأقدمين، مَضْرُوباً ذاك في هذا، معرِّضين مستقبل الإسلام لتكرار مآسي الخلاف دوْراً كما تدور الآلة الميكانيكية الخَرِبَة.

والإنصاف أن نُعْطِيَ كل ذي حق حقه، حاكمين بمعيارنا لزماننا، وبمعيار المُنصفين الناطقين من هناك، المحدودين غيرِ المطلقين.

قال منصفٌ من العلماء: “وهذه الشطحات (شطحات بعض الصوفية أي كلامهم السُّكْري) أوجَبَتْ فتنة على طائفتين من الناس. إحداهما حُجِبت بها محاسنُ هذه الطائفة (الصوفية)، ولُطْفُ نفوسهم، وصدق معاملاتهم. فأهْدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بها مطلقا. وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأهْدِرت محاسِنُه، لفسدت العلوم والصناعات والحِكَمُ، وتعطلت معالمها.

.”استعينوا بربكم عز وجل على هؤلاء الأعداء. والمنصورُ من يصبر عليهم. والمخذول من وُكِلَ إليهم

“الآفات كثيرة ومنزلها واحد. الأمراض كثيرة وطبيبها واحد. يا مرضى النفوس، سلموا نفوسكم إلى الطبيب. لا تتهموه فيما يفعل بكم. فهو أرأف بكم منكم بنفوسكم. اِخرَسوا بين يديه، ولا تعارضوه، وقد رأيتم الخير كله دنيا وآخرة. القوم في سكوت كُلِّيٍّ، وخمود كلي، ودهشة كلية. فإذا تم لهم ذلك وداموا عليه، أنطقهم كما يُنْطِق الجمادات يوم القيامة. لا ينطقون إلا إذا أنطقوا. لا يأخذون إلا إذا أُعْطُوا. لا ينبسطون إلا إذا بُسطوا. التحقت قلوبهم بقلوب الملائكة”.1

1- الفتح الرباني: ص326