استمرار حكومة إريل شارون في بناء ما يعرف بالجدار أو السور الواقي، بمحاذاة خطوط الفصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عامي 1948 و1967، يمثل تعبيرًا بليغًا عن الفارق بين عالمين ومنظورين للصراع الصهيوني العربي وكيفية التعامل معه.. فهناك عالم الصهيونية وإسرائيل الذي يقرن القول بالفعل، النظرية بالتطبيق، وعالم عرب التسوية السياسية والبحث عن حل الخلاص بأي ثمن، المستغرق في التناظر والجدل الصوري حول جزئية هنا وأخرى هناك من آلاف الجزئيات التي تدور حولها هذه التسوية (مثل عدد المطلوب إطلاق سراحهم من أسرى المقاومة الفلسطينية وفقًا لخريطة الطريق، ثم إلى أي فصيل سوف ينتمي هؤلاء، إلخ هذا إسرائيل الصهيونية بدأبها على بناء السور، تكرس خطًّا من الإسمنت والحديد والكهرباء والنار في جوف الأرض الفلسطينية، وليس على الرمال التي تذروها الرياح. فيما قافلة الكلام العربي الفلسطيني تصرخ وتحذر وتلقي باللائمة، وأحيانًا يطيب لها استنزال اللعنات بلا جدوى.

هذا الفرق بين طرفي الصراع على أرض فلسطين وما حولها.. قديم قدم الصراع. إذ إن سياسة الأمر الواقع هي العمود الفقري للصهيونية الحركية منذ وطأت أرض فلسطين. وعندما كان العرب والفلسطينيون يبذلون جهدهم في “إرسال الوفود” إلى الدول الكبرى، ويستقبلون منها “لجان التحقيق”، ويقاطعون ويعتصمون ويتظاهرون… قبيل النكبة، كانت الصهيونية تشق الحقائق بالسيطرة على المناطق الحيوية والاستيطان، وبناء القوة المسلحة ومراكمة اليهود الغزاة من الجهات الأربع.. وبالمناسبة، لم تنقطع الصهيونية عن هذه السياسة حتى في أوج المقاومة الفلسطينية المسلحة قبل 1948. وإبان الثورة الكبرى (1936 – 1939) تمكنت قوى “الييشوف اليهودي” -وهو المفهوم الذي يطلق على التجمع الصهيوني قبل إعلان الدولة اليهودية في فلسطين- من وضع يدها على معظم اقتصاديات فلسطين، وتنمية حجم اليهود السكاني، وبناء تحالف قوي مع الخصمين الدوليين الكبار، معسكر الحلفاء والمعسكر النازي الفاشي، في ذات الوقت! والسير قدمًا في سياسة العمل العبري، التي عنت عزل عرب فلسطين -سكانها الأصليين- عن الاقتصاد السياسي بالكامل لفلسطين، تمهيدًا للفصل بينهم وبين البلاد بالكامل أيضًا.. وهو ما حدث في مرحلة تالية.

نود بذلك القول بأن صناعة الدولة اليهودية تمت عبر صناعة الحقائق على الأرض، وتوسيع هذه الدولة يجري على مدار الساعة من خلال الآلية ذاتها، في زمن السلم والتسوية كما بوسيلة الحرب. الصهيونية تؤمن -ولديها الحق- بأن الانتصارات والحقائق لا تصنعها الحرب فقط. الحرب تضطلع بتوكيد ما يتم الاستحواذ عليه بتغيير الخرائط والمعالم على الأرض. ولأنها تتحرك من هذا الإدراك أو المنطلق، فإنها يقظة جدًّا لفكرة المأسسة والبناء الفلسطيني المضاد. ولا نحسب أنها تبغي بهذا السور أن يكون نصبًا تذكاريًّا كبيرًا “داخل” دولة فلسطين المقبلة. هي في حقيقة الأمر تقوم ببناء حدود هذه الدولة “على الأرض” بغض النظر عما يتصوره المعنيون بهذه الدولة على الورق.

وهكذا، فإن للفلسطينيين والعرب والخلق أجمعين أن يتحدثوا ويتحاوروا كما يشاءون عن دولة فلسطين وحدودها القانونية، أما إسرائيل فهي تجتهد في اتجاه عملي آخر، اتجاه تعيين ما لهذه الدولة من أرض بحائط فولاذي شديد البأس. ولا مانع لديها من أن يطول حوار الآخرين، فهذا يمنحها مزيدًا من الوقت لاستكمال الهدف. وحين يفيق الآخرون من غيبوبة حواراتهم، سيجدون أمامهم “واقعًا” يصعب إن لم يكن مستحيلا تجاوزه. ومن أجل مطابقة خريطتهم التي رسموها على الورق مع الخريطة الجغرافية المعاينة التي خطتها إسرائيل بهذا الحائط، سوف يعود هؤلاء إلى حوارات ومداولات ممتدة أخرى، تستطيع هذه الأخيرة أن تستغل فسحتها الزمنية في بناء أمر واقع آخر.. وهكذا…

التهام الأرض.. حقائق وأرقام

مصدر الغضب الفلسطيني من جدار إسرائيل الإسمنتي الديناصوري، أنه يقام في مخططه على أرض تخص ما بقي للفلسطينيين من مساحة مرشحة لدولتهم المزمعة. ومن ناحية أخرى، فإن الجدار بالتواءاته الثعبانية على امتداد ما يسمى بالخط الأخضر، لم يلتزم باحترام هذا الخط (الذي هو بدوره لا يحترم فلسطين الدولة كما قررتها الشرعية الدولية عام 1948).. وإنما سيقضم أرضًا فلسطينية بمعنيين: الأول، باحتضانه للمستوطنات التي أقيمت شرقي الخط الأخضر في الضفة المحتلة، والثاني بالتعدي على مساحات من هذه الأرض واتخاذ بعضها حرمًا آمنًا لا تناله أيدي الفلسطينيين على جناحه الشرقي (داخل الضفة أيضًا). هذا على الصعيد الجغرافي، لكن اعتداءات الجدار وتداعياته تتصل أيضًا بالصعيد الديمغرافي والإستراتيجي.

ففي سياق حركته لتأمين الوجود اليهودي، فقط لا غير، سوف يقوم الجدار بتطويق قطاعات جغرافية بما عليها من محلات آهلة بالسكان الفلسطينيين.. واتضح من المجادلات ذات الصلة أن حكومة إسرائيل لا تعبأ بتحويل هؤلاء السكان إلى جزر معزولة عن محيطها الجغرافي والسكاني والاقتصادي الطبيعي، سواء قامت الدولة الفلسطينية أم لم تقم. كما أنها لا تلقي بالاً للصعوبات التي ستواجهها قضية السيادة الفلسطينية (المحدودة أصلاً قامت الدولة أم لم تقم..) في التعامل مع هذه الجزر. وبالتداعي، فإن ذهن هذه الحكومة يبدو خاليًا تمامًا من تبعات خريطة الطريق، ونصوصها القائلة بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة متصلة الأجزاء. وأغلب الظن -وليس كل الظن إثما- أن عبقرية مفسري النصوص الصهاينة سوف تتكفل بحل هذه الإشكالية إذا ما توجب ذلك. إن مفهومي “قابلية الحياة والتواصل” ليسا محددين من الأصل من حيث المبنى والمعنى.. وهذا يتيح للمفسرين القول على سبيل الاقتراح والنصيحة بأن الفلسطينيين يمكنهم الحياة في معازل، على غرار جنوب أفريقيا ذات حين، ويمكنهم “التواصل” عبر أنفاق سفلية أو كبارٍ ومعابر علوية، أيهما يختارون!

ومن غير المستبعد أن يقال وقتئذ إن الضفة وغزة والقدس، ما هي إلا معازل أكبر قليلاً، ومع ذلك قبل الفلسطينيون بقيام دولتهم فيها. ثم إنهم قبلوا بوصل ما بين الضفة وغزة بنفق أو كوبري.. فلم لا يقبلون بذلك بالنسبة لبقية المعازل الأضيق؟

لا نعتقد أن الغضب الفلسطيني من الجدار يتأتى من تأثيره على مسار المقاومة، ولا حتى من العقيدة العنصرية الانفصالية التي تحض على بنائه.

فالمقاومة لن تعجز عن إبداع وسائلها لاختراق الجدار إذا ما قررت ذلك، هذا عائد لقانون الفعل ورد الفعل، والعقيدة العنصرية أمر يعلمه الفلسطينيون جيدًا منذ عشرات السنين ويكتوون بنيرانه على مدار الساعة.

ما يغضب الفلسطينيين أكثر أن الجدار يقتطع من “حقوقهم” بأثر حالي ومستقبلي. وأنه يغوص في أحشائهم بوحشية بالغة، فلنتابع بعض الأرقام ذات الدلالة.

إذا ما اكتمل الجدار فإنه سيبلغ نحو 600 كيلومتر طولاً بارتفاع 8 أمتار. ويفترض أن يزود بخنادق على جانبيه، وأن تعلوه أبراج مراقبة بمعدات إلكترونية وأجهزة متطورة للإنذار المبكر، وأن يحاط بأسلاك مكهربة شائكة. وستكون له بوابات لا يمكن المرور منها إلا بتصاريح خاصة.

وحتى يوليو 2003، أوشك بناء الجدار على استكمال مرحلته الأولى، التي سيبلغ عندها 148 كيلومترًا. وألحق هذا الجزء أضرارًا فاحشة بأراضي الضفة، إذ تضرر منه 67 مجمعًا سكنيًّا فلسطينيًّا. وفصل منها 15 قرية عن أراضيها الزراعية، إما بالعزل خلف الجدار من جهته غربًا باتجاه إسرائيل، وإما بالمصادرة أو بالتخريب.

ويبلغ حجم هذه الأراضي زهاء 97 ألف دونم (الدونم ألف متر مربع). وذهب ضحيته أيضًا نحو 66 ألف دونم أخرى بالاتلاف. وثمة 11 ألف دونم وزيادة ضاعت تحت أرض الجدار ذاته، وصارت مدينة قلقيلية ومجالها القروي محاصرين داخل التفافاته.

وهناك 18 تجمعًا سكنيًّا فلسطينيًّا صارت إلى الغرب منه، و19 تجمعًا أخرى محشورة بين هذه الالتفافات وسكانها مكتوفي الحركة بالكامل. واقتلع الجدار في هذه المرحلة 83000 شجرة و35000 متر من أنابيب الري، وضم إلى الجانب الإسرائيلي 31 بئرًا للمياه حارمًا السكان الفلسطينيين من 4 ملايين متر مكعب من مياههم السنوية، المحدودة من الأصل.

هذا قليل من كثير سوف يجرفه هذا الجدار الأعمى في طريقه من حقوق فلسطينية معانية يمكن حصرها، غير أن تداعياته السياسية والنفسية لا تقل شأنًا. والحق أنه لو كان الجدار قد بني على أرض تخص (بالأمر الواقع لا التاريخي) إسرائيل، لكانت لغته أقل وطأة على الفلسطينيين وقضيتهم. غير أنه في حقيقة الأمر يدخل في باب التوسع الاستيطاني، والفعل التخريبي المتعمد من جانب واحد بحقوق قانونية وسياسية فلسطينية ظاهرة، وذلك في غمرة عملية توصف بالتسوية! وهو من هذه الزاوية، زاوية علاقته بمسيرة التسوية وآفاقها، يبدو كاشفًا لبعض خفايا السياسات الحزبية الإسرائيلية.

فلسفة السور

لقد أقرت حكومة شارون بناء السور في مايو 2002، وشرعت وزارة الدفاع في تطبيقه في الشهر التالي، والمفارقة هنا أن فكرة بناء السور تعود في أصلها إلى القوى العمالية واليسارية، فيما كانت الأحزاب الموصوفة باليمينية والتطرف العنصري معارضة لها. كان رأي العماليين أن السور سوف يمثل “سياجًا أمنيًّا” يؤكد نظرية الفصل والتمييز بين العرب واليهود بما يحفظ نقاء الدولة اليهودية. ومفهوم النقاء هنا هو الاسم الحركي للأبعاد العنصرية التي تستبطنها هذه النظرية. هذا على حين اعتبار اليمينيين أن السور سيحدد الدولة الفلسطينية، وسيعني الموافقة على التصور الفلسطيني لهذه الدولة في حدود 1967، الأمر الذي لا يسعهم التجاوب معه.

وهكذا، فإن كلاًّ من مؤيدي الخطوة ومعارضيها التقوا عند أهداف خبيثة. المؤيدون تطلعوا من ورائها إلى دولة يهودية قحة وفقًا للنصوص الصهيونية الأولى بكل فجاجتها العنصرية، والمعارضون توجسوا من أن يحول السر بينهم وبين مخططاتهم التوسعية. وبين يدي الجماعتين، اختفت المعايير والحقوق الفلسطينية، ولم يفكر أحد منهما في الانعكاسات التي تحملها الخطوة بالنسبة لهذه الحقوق.

وفي الواقع العملي، تمكن المشرفون على بناء السور من التوفيق بين هذين المنظورين، فهم أخذوا بمنظور اليمين التوسعي باعتبار أن السور يقتطع بالفعل مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي التي يمر بها، فضلاً عن المستوطنات وتوابعها الإقليمية، التي لن يبقى منها خارج ضفته الإسرائيلية سوى تلك المستوطنات الصورية التي لا قيمة لها جغرافيًّا أو اقتصاديًّا ولا يقطنها إلا العشرات من اليهود.. وفي الوقت ذاته، لم يهمل المشرفون منظور القوى العمالية؛ لأن السور سيضع الفلسطينيين عمليًّا في معازل تجعلهم تحت السيطرة الإسرائيلية رغم عدم تماسهم ماديًّا مع الإسرائيليين اليهود. وهذا هو التطبيق الواقعي لمفهوم العماليين القائل بـ “نحن هنا وهم هناك”.

السور بهذا المعنى يجسد التواطؤ بين التيارات الحزبية على سيرورة عملية التسوية. فهو لا يستثني التيارات “السلامية” بنظر بعض العرب والفلسطينيين من دائرة التربص بحقوق الطرف الفلسطيني، بل ويبين إلى أي حد تضمر هذه التيارات النيات العنصرية تجاه العرب، وهذا يقودنا للاستطراد في التعبيرات الفلسفية لخطوة السور.

فقبل الشروع في بناء هذا الحائط الإسمنتي بزمن بعيد، كانت الصهيونية بمستوييها الفكري والحركي قد أقامت أسوارًا كثيرة داخل عقول ووجدانات يهود العالم. فهي ألحت على تميزهم في مجتمعاتهم ومواطنهم الأصلية الأم، وراحت ترمي إلى عزلهم وفرزهم وتمنع ذوبانهم واندماجهم بين يدي تلك المجتمعات والمواطن.

السور الإسمنتي الجاري بناؤه في فلسطين، هو بمعنى ما محض تجسيد مادي منظور لعقيدة العزل والفصل المتغلغلة في معتقدات الصهيونية السياسية.

كثير من قراء الصهيونية قدروا أنها بمشروعها الاستيطاني في فلسطين، سوف تؤدي إلى نتائج شديدة السلبية على يهود العالم، أبرزها: ديمومة النظر إلى العناصر اليهودية في مواطنها بعين الاختلاف والتباين، وهذا يعني تقعيد “الأسوار المفاهيمية” تجاههم من بقية مواطنيهم. وانتقال من يستهويهم هذا المشروع من الجيتوات التي عاشوا فيها مطولاً في بلادهم إلى جيتو كبير (هو إسرائيل)، بما يرسخ قضية التمايز والاختلاف مقابل المحيط الفلسطيني والعربي الإسلامي الحضاري، وهذا يعني أيضًا نشوء أسوار لا حصر لها بينهم وبين تفاعلات ومضامين هذا المحيط.

عودة إلى الجيتو

لقد كان الجيتو اليهودي في الأصل مكانًا داخل المدينة أو خارجها، محاطًا بسور له بوابة أو أكثر تغلق عند المساء، وكان من غير المصرّح به لأعضاء الجماعات اليهودية في مراحل تاريخية وبعض الدول، أن يظهروا خارج هذا السور العالي في مناسبات بعينها. ورغم القيود متعددة الأسماء والأغراض التي خضع لها سكان الجيتوات، فإن هذه الحياة كانت خيارًا مرغوبًا فيه لدى معظمهم، كونها بزعمهم تمنحهم فرص الحفاظ على الكينونة الذاتية والطقوس الخاصة.

وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي فعلته الصهيونية السياسية إذن غير تجميع أو محاولة تجميع هؤلاء كلهم في جيتو دولتها الاستيطانية؟!

وإذا كانت أسوار الجيتوات التقليدية قد فشلت -بزعم الرواد الصهاينة- في تأمين التطور الذاتي لليهود في بلادهم الأم، فهل نجح جيتو الدولة في تحقيق هذا الهدف؟ ألا يجيب مشروع السور الإسمنتي الواقعي عن هذا السؤال؟!

تقديرنا أن هذا المشروع لا يعكس فقط دعوى التحرر والانعتاق التي طرحتها الصهيونية لاستقطاب يهود العالم.. إنه أيضًا تعبير صارخ عن معاكسة مسار التاريخ الإنساني عمومًا، وزعم إمكانية التعاون الإقليمي والانفتاح بين الكيان الصهيوني والعالم العربي خصوصًا. ففيما ينغمس العالم المعاصر في ظاهرة العولمة وسرعة التواصل، يقيم هذا الكيان سورًا عاليًا يحجبه عن الآخرين على بعد أمتار منه “متقنفذًا” داخله، ولنا أن نتصور أي تعامل يمكن أن يجري بين سكان هذا “القنفذ” ومجاوريهم من الفلسطينيين والعرب.

لا ندري في كل حال ما إذا كانت هذه المعاني قد خطرت بذهن أصحاب السور، لكن المؤكد لدينا أنهم يتوسلون بالسور لتحقيق الأمن مع التوسع، بينما سيكون للمقاومة الفلسطينية رأي مخالف؛ جوهره أن الأمن لا ينال بهذا الأسلوب الانعزالي، وإنما برد الحقوق إلى أصحابها والتخلي عن عقلية الجيتو العنصرية.