“وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون”

لا غرابة أن يكون بوش سعيدا بما جرى في العراق ظنا منه أن الأمر لصالحه ولصالح الغزو الأمريكي، ولكنه نسي أن المقدر والمدبر لهذا الأمر هو الله سبحانه وليست أمريكا، ولم تكن أمريكا إلا أداة لتنفيذ قدر الله وإرادته، وبما أن الله قد أعلن أنه مع المؤمنين وأن الله مع المؤمنين فإني على ثقة بأن ما جرى في العراق هو خير للمؤمنين، وسيأتي يوم يقول فيه المؤمنون لقد كان والله ما جرى في العراق الخير بعينه.

العقدة التي نعاني منها اليوم هي ذات العقدة التي أرهقت موسى عليه السلام عندما احتج على أفعال سيدنا الخضر عليه السلام حيث رأى موسى فيها الشر لعدم علمه، بينما كان الخضر يدرك أنها الخير كل الخير لعلمه إلى أين ستنتهي الأمور، ( فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا )، وتألم موسى لما حدث كما تألم لمقتل الغلام (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ) وكما تألم لبناء الجدار ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) تماما كما نتألم نحن لسقوط بغداد، ولكن سرعان ما تبدد ألم موسى عليه السلام وشعر بالارتياح لحكم الله وحكمته عندما علم أن خرق السفينة كان حماية لها من الملك ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا )، وأن قتل الغلام كان حماية لوالديه من شره، ومنة من الله باستبداله بغلام خير منه ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أي يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما )، وأن بناء الجدار كان حماية لأموال اليتيمين ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك )، فهل كان ذلك من تدبير الخضر عليه السلام أم أنه من تدبير الله ولم يكن الخضر إلا ستارا لإرادة الله فإذا بالخضر يجيب ( وما فعلته عن أمري )، ولكن الأمر يحتاج منا أن نصبر حتى تتكشف الفائدة العظيمة للأمة من سقوط بغداد في هذه المرحلة، مع اعتقادي أن الصبر لعدم إحاطتنا بالحكمة الإلهية من وراء الحدث أمر صعب ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ).

لقد بذلت حماس جهدا مضنيا وخطفت العديد من الجنود الصهاينة من أجل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين الذي حكم عليه الصهاينة بالاعتقال مدى الحياة، ولكن حماس فشلت في تحقيق هذا الهدف العظيم، عندها تدخلت العناية الإلهية فإذا بالصهاينة يرسلون اثنين من الموساد إلى عمان لاغتيال الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ثم ما كان من مرافقه محمد أبو سيف إلا أن اشتبك مع عناصر الموساد مما أدى إلى إلقاء القبض عليهما وافتضاح الأمر، ولم يجد الملك حسين من وسيلة حينها إلا طلب الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، ونجى الله خالد مشعل من موت محقق، لقد ظن اليهود أنهم هم الذين خططوا وعلى الأقل هكذا تبدو الأمور، ولكن الحقيقة أن الله هو الذي خطط وأما اليهود فكانوا الأداة لتنفيذ إرادة الله.

لقد حزنا وتألمنا كثيرا لمحاولة اغتيال خالد مشعل ولكن سرعان ما اتضحت الأمور وتبين المستور فظهر السرور والحبور مرتسما على قسمات وجوه أبناء فلسطين وهم يستقبلون الشيخ القائد أحمد ياسين.

واليوم تسقط بغداد فيستولي الألم علي النفوس ويستبد الأرق والإحباط والشك بالقلوب لا لشيء إلا لأننا لم ندرك الحكمة بعد، ولكن يوم تظهر الحكمة على شكل نهاية مرحلة من الحكم المستبد الجائر في معظم أقطارنا العربية والإسلامية، الحكم الذي أبعد الناس عن دينهم وقيمهم ومصدر عزتهم وكرامتهم هذا من جانب، ومن جانب آخر استيلاء أمريكي صهيوني على الأمة بأسرها مما سيفجر مقاومة إسلامية كتلك التي تدور في معظم بلاد المسلمين، عندها سينحاز المسلمون لخيار المقاومة، لأنها البديل الحقيقي للظلم والقهر والاستبداد والانحراف والهزيمة، عندها فقط سنفرح فرحا كبيرا ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ).

وصدق الله إذ يقول ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ).