على مدى أكثر من شهر حقق أبو مازن للصهاينة عبر اتفاق الهدنة مع قوى المقاومة هدوءا لم يكونوا يحلموا به لسنوات طويلة وفي نفس الوقت لم يحقق أبو مازن لأبناء شعبه ما يمكن الحديث عنه كانجاز سياسي أو خطوات على طريق الاقتراب من الحدود الدنيا للطموحات الفلسطينية وهذا يدفع إلى التساؤل هل فهم أبو مازن وذراعه القوي محمد دحلان قوة ورقة الهدنة التي قدماها لتل أبيب ومنحتها القدرة على التحرك والسير على البساط الأحمر للبيت الأبيض وفي المقابل أيضا هل يدرك شارون وبوش وحكومتيهما القيمة العالية جدا للهدنة والتي يجب أن يدفعوا مقابلها ثمنا عاليا ولماذا يترافق هذا مع تحذيرات موفاز وزير الدفاع الصهيوني والتي تبث الرعب لدى الصهاينة أن موجة جديدة من العمليات الفلسطينية ربما تبدأ وستكون أقسى وأعنف من سابقاتها ويدعو الجيش إلى الاستعداد لها، هذا التحذير لموفاز والذي جاء قبل زيارة شارون لواشنطن له مغزاه من وجهة نظر تل ابيب التي كانت تتخوف أن يستطيع بوش ثنيها عن مواصلة بناء السور فكانت تريد أن تجمع بين مخاوف المستقبل من عمليات صعبة جدا على الكيان العبري إضافة إلى إعلان تل أبيب أن بناء السور هو عملية من أجل السلام ومقاومة الارهاب وربط وقف بناء السور بعملية تفكيك البنى التحتية لقوى المقاومة التي أعلنت الهدنة مما تعتبره هذه القوى مبررا كافيا للتراجع عن قرار الهدنة على الرغم من ادراكها أن قرار التراجع عن الهدنة ليس سهلا أو بسيطا بعد جملة التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في الشارع الفلسطين، أن هذه القوى ستتحمل تداعيات قرار التراجع والذي حتما يبدو حتميا سواء بجد انتهاء الأشهر الثلاثة أو بعدها في حال تمديد هذه الهدنة ولعل هناك عناصر متنفذة في السلطة والحكومة الصهيونية تريد أن يكون قرار الغاء الهدنة من جانب قوى المقاومة الفلسطينية حتى تحملها مسئولية ما سيحدث وتعمل على سحب بساط تأييدها الشعبي المتزايد وتمون مبررا للسلطة للقيام باجراءات ضدها.

نعم كانت الهدنة مصلحة صهيونية وأيضا للحكومة الفلسطينية الجديدة وكان من المفترض أن تعمل هذه الحكومة على استغلال هذه الورقة بشكل جيد ويعتقد المحللون أنه في الفترة القريبة كانت تل أبيب على استعداد لدفع ثمن عال جدا جراء استمرار هذه الهدنة التي أوقفت عمليات القتل اليومي للجنود والمستوطنين الصهاينة في كافة أرجاء فلسطين وعلى الرغم من إدراك الجميع أن بعض التحسن في الأمور الحياتية الفلسطينية لم يكن على الاطلاق بفضل السلطة وإنما بفضل قوى المقاومة والتي تعتبر قرارها وتصرفاتها هي الأهم والمحدد الرئيس للحركة السياسية الفلسطينية وهذا بالطبع لا يروق لتل أبيب ولا حتى بعض القيادات الفلسطينية وتل أبيب أكثر وعيا بذلك لذلك ترفض الاكتفاء بالهدنة وإن كانت راضية عن نتائجها حتى الآن وتريد ألا تبقى هي ولا حتى أي سلطة فلسطينية مرتبطة بنوايا وقرار هذه القوى وعليه تواصل تل أبيب ضغوطها الشديدة على السلطة حتى تعمل على مواجهة قوى المقاومة وأعلنت “إسرائيل” مرارا أنها على استعداد لدعم حقيقي وقوي لأبي مازن في حال ما اسمته اتخذ قرارا استراتيجيا بتفكيك البنى التحتية لقوى المقاومة.

في ظل هذه الأوضاع على الصعيد الفلسطيني و”الاسرائيلي” والتي كانت نتاج لحالة الهدنة حاول الطرف الفلسطيني أن يعمل على دفع واشنطن للضغط على تل أبيب أو منحه بعض الانجازات السياسية لكن بعد انتهاء زيارتي شارون وأبو مازن لواشنطن ثبت بشكل قاطع أن كل الرهانات على واشنطن ولو بالحد الأدنى هي رهانات ساقطة مائة بالمائة بل ما حدث هو العكس زادت جرأة واشنطن على الفلسطينيين ولم تتعاطف معهم حتى في الجوانب الانسانية مثل اطلاق سراح المعتقلين وتحفظها على هؤلاء المعتقلين تحت مسمى الارهابيين وعاد أبو مازن إلى رام الله بدون أي انجاز وأي تصريحات غير ذلك هي تصريحات مضلله إلا إذا اعتبر هؤلاء المسئوليين أن مجرد فتح أبواب البيت الأبيض ثانية للفلسطينيين هو انجاز إلا أن ذلك في مقياس المصالح الوطنية الفلسطينية وهم بل ويتناقض مع هذه المصالح لأن هذه الزيارات باتت في عرف كل الفلسطينيين مصائد لهم يحاول بوش من خلالها استغلالها لصالحه الشخصي بأن يعمل من أجل السلام وحتى يضحك على الزعماء العرب المأزمين من القضية الفلسطينية بأنه لازال متمسكا بعملية السلام.