ما سر هذا الصمت الذي لجأت إليه جماعة العدل والإحسان بعد أحداث 16 ماي، إذ لم تنخرط في النقاش الجاري حول تداعيات ما وقع، كما أن لا أنشطة لها تذكر في هذه الفترة؟

أعتقد أن ما وصفته أنت بصمت الجماعة لا علاقة له بالأحداث. وكل ما هنالك أن الجماعة لا تتكلم إلا عندما يكون الأمر يهمها. ونحن لا نظن أن أحداث 16 ماي تعنينا أكثر ما تعني المغاربة. فلست أدري لماذا سنهتم بالأمر أكثر من الرأي العام المغربي بصفة عامة.

ما يلاحظ هو أن الجماعة كانت لها تحركات وأنشطة معينة ولكنها الآن مجمدة. هل يتعلق الأمر بلحظة تأمل وبلحظة وقوف مع الذات؟

هذا انطباع خاطئ، وأوهام يرددها البعض ليس إلا. فأنشطتنا لم تتغير من حيث مضمونها ولا من حيث حجمها. وأكاد أجزم أن لا شيء تغير في برامجنا المسطرة، خاصة أننا في هذه الفترة الصيفية عادة ما نركز على البرامج التربوية من رباطات وغيرها… وهذا ما نقوم به الآن، إذ ننظم في الفترة الحالية رباطات أربعينية وأخرى عشرية. وباختصار، فإنه، وعلى العكس مما يقال، لا شيء تغير في برامجنا.

كانت الفترة الصيفية مناسبة لتنظيم مخيمات شاطئية، ولكنها لم تنظم على حد علمنا.

إن توقيف المخيمات الشاطئية لا علاقة له بالأحداث الدامية المؤسفة التي وقعت بالدار البيضاء في ماي الماضي، فهو بدأ قبلها بثلاث سنوات على الأقل. فما أطلق عليه وقتها بحرب الشواطئ حسم من قبل، وكنا نحن قد قررنا عندئذ ألا ندخل في مجابهة مع الحكم في الموضوع، انطلاقا من اقتناعنا المبدئي بلا جدوى العنف كأسلوب للعمل، وانطلاقا من إيماننا أيضا بأن مثل هذه الحرب قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. ونحن ليس من مبادئنا وليس من إرادتنا أن نسعى إلى زعزعة الاستقرار في بلادنا، بل على العكس، سعينا دائما إلى العمل على تجنيبها مثل هذه الوضعية، لأنها ليست في حاجة إليها، ثم لأن أعداء البلاد في الخارج لا ينتظرون إلا مثل هذه الظروف، حتى يتدخلوا باسم المشروعية الدولية لفرض حلول معينة، نحن نرفضها.

طرحت موضوع صمت الجماعة، لأن هذه الأخيرة كانت تحرص على أن تكون حاضرة في عدد من القضايا، ولكن ما لوحظ هو أنها لم تعد كذلك، نذكر على سبيل المثال حرب الخليج الثالثة إلى جانب أحداث 16 ماي التي تحدثنا عنها من قبل.

الجماعة نددت بالأحداث من خلال بلاغ رسمي صادر عنها.

كان هناك بلاغ مشترك مع باقي التنظيمات الإسلامية.

إن موقفنا هذا كان ينطلق من أننا لم نستفز بأمر لا يهمنا بشكل مباشر.ثم إن موقفنا من مثل هذه الأحداث لا يحتاج إلى تبيان، لأنه معروف. فنحن كنا، حتى قبل ما وقع ليلة الجمعة 16 ماي بوقت كبير، قد حذرنا من الوصول إلى مثل ما وصلنا إليه، وقلنا وقتها إن المغرب مهدد للإصابة بما أصابه، وكنا باستمرار نؤكد أننا ضد العنف. وهذا الموقف هو موقف مبدئي للجماعة. وليس مجرد مزايدات نعتبر أن هذا المجال بالضبط ليس هو مجالها. لقد كان موقفنا من قبل هو أننا إذا لم نقم، أقصد الدولة، بأي شيء على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الأوضاع قابلة للانفجار في أي لحظة. وصرحت بذلك، أنا شخصيا، كما صرح بذلك الأستاذ فتح الله ارسلان في غير ما مرة. وكنا نحذر من خطورة الأوضاع الاجتماعية على الشباب، بصفة خاصة، الذي قد يفجر نفسه يوما ما بحكم درجة اليأس والإحباط التي أصبح عليها.

في أجوبتك، يلاحظ أنك تكررين أنكم كجماعة غير معنيون بما وقع، ولكن ما لاحظناه هو أن أصابع الاتهام حول الأحداث توجهت إلى عموم الحركات الإسلامية، وضمنها طبعا جماعتكم. كيف نظرتم إلى هذه المواقف؟

هذه الاتهامات كانت منتظرة. وهي تدخل في إطار مقولة “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فقد كانت الأحداث فرصة بالنسبة للمخزن للعودة بنا إلى ممارسات ما قبل ثلاثين سنة خلت، ومحاولة إلغاء وجود حركات إسلامية لا علاقة لها بفكر ولا بممارسات العنف، منها من انخرط في اللعبة السياسية ومنها من ظل راسخا على خياره المبدئي. فهذه الأحداث كانت مناسبة استغلت لمحاولة التراجع عن التطورات التي حصلت في مجال الحريات العامة بصفة خاصة. ولعل أهم مظهر لذلك اعتماد قانون للإرهاب فرض علينا فرضا من لدن القوة العظمى التي تحكم العالم في الوقت الراهن. وهذا خيار لا يمكنني إلا أن أقول إنه مؤسف جدا، إذ لم يكن هناك تمييز بين حركات، وهنا أتحدث عن حركتنا بالذات، تشكل فعلا فرصة ذهبية لكي نتجنب ما وقع في 16 ماي. فإن كان للمخزن الآن بصيص من الحكمة والحنكة السياسيتين، فعليه أن يشجع مثل حركة العدل و الإحسان، لا أن يجعل فوق رأسها سيف ديموقليدس، من قبيل قانون الإرهاب والتصريحات الأخيرة لوزير الأوقاف، وتصريحات أخرى لا جدوى في أن نتكلم عنها… وهي تصريحات كانت تتضمن تهديدا صريحا، مع امتلاك بصيص من الحكمة، كما قلت من قبل، يقتضي تشجيع مثل جماعة العدل والإحسان.

كيف يشجع حركة العدل و الإحسان وهي تعمل ضده ولا تعترف بعدد من الأسس التي يقوم عليها.

يشجعنا، لأننا حركة تستطيع أن تحول غضب الشباب إلى فعل إيجابي، من خلال التأطير التربوي. والكل يعلم أن لنا برامج تربوية تعلم الصبر وطول النفس، وتعلم الشباب أن يكون خصما شريفا وحكيما، وليس خصما أحمق يفجر نفسه يمينا وشمالا، يفجر نفسه ومن معه ومن حوله من أمته وشعبه. ولذلك، فعلى المخزن أن يراجع هذه النظرة اتجاهنا

ولكن هناك من يعتبر هذا السلوك الذي تتبعه جماعتكم، والحركات الإسلامية عامة، هو محض تقية، ويدخل في إطار ما هو تكتيكي، ولا يعد قناعة استراتيجية.

هكذا ينظر لنا. ولكن التاريخ أثبت أن جماعة العدل والإحسان هي فوق هذه الاتهامات، لأننا نحن موجودون منذ 30 سنة. ولو كانت استراتيجيتنا مخالفة لما نمارسه ولما نقول به لكنا أظهرنا ذلك. فلو كان الأمر كذلك، فأظن أن 30 سنة كافية للانتقال إلى ما يعتقد البعض أننا نضمره ولا نظهره، من قبيل اعتماد العنف كأسلوب لتسييد أفكارنا وقناعتنا. إن تجربة العدل و الإحسان طيلة وجودها أثبتت عكس ما ظل يتردد حولها. ولعل آخر دليل على ذلك ما عشناه وعانيناه في 10 دجنبر من سنة 2000، حينما كان أزيد من 700 عضو بالجماعة ضحية عنف السلطة وجبروتها. ومع ذلك، فإننا لم نحرك ساكنا، ولم ننزلق لا في هذه المرة ولا في غيرها، إلى ما يحاولون إلصاقه بجل الحركات الإسلامية من أنها حركات عنيفة… إلخ.

ربما أن اللجوء إلى اعتقال بعض أفراد الجماعة وضمنهم قياديان بها، ثم إطلاق سراحهم جميعا فيما بعد كان يدخل في هذا الإطار.

أعتقد أنهم بسلوكهم هذا أظهروا حسا سياسيا مخالفا لردود الفعل التي أبانوا عليها مباشرة بعد الأحداث، ولعلهم أدركوا أننا لسنا أعداءهم الحقيقيين، وربما أدركوا مدى إيجابية التأطير الذي تقوم به العدل والإحسان للشباب ولعموم الناس، ووعوا أن شن الحرب علينا يعد طريقا خاطئا، لأننا لسنا جماعة عنف، وأننا كنا خصما شريفا لا يعمد إلى مثل هذه الطرق الدنيئة في العمل من قبيل العنف المطلق وتفجير النفس.

في هذا السياق دائما هناك من بنى تحميل المسؤولية للحركات الإسلامية في ما وقع على أنها تروج لخطاب متطرف شكل تربة لدفع هؤلاء للقيام بما قاموا به.

من يقول بهذا الظن أنه لا يأخذ الوقت الكافي حتى يتصفح، حتى لا نقول يتعمق، ما نكتبه وما نصرح به، وما كتبه الوالد، وما هو موجود في موقعنا الإلكتروني، ففي كل تصريحاتنا وأقوالنا وكتاباتنا، نؤكد أننا ضد العنف، وأن حركتنا بنيت على هذا الأساس، ويمكنني أن أقول إن خطابنا وسلوكنا هو النقيض التام للخطاب المستورد من بعض الدول الخليجية، والذي يلخص في الوهابية. إن خطابنا بعيد كل البعد على مثل هذه القراءات التي نعتبرها سطحية والتي تجعل من الإنسان قنبلة تفجر نفسها لأبسط الأمور، وتجعل منه شخصية مبنية على اليأس والكراهية. فنحن نربي الشباب على المحبة، ونقول لهم اغزوا الناس بالحب، ونربيهم على الصبر وعلى تقبل القدر، وعلى أن القدر فيه خير وشر، ومن شره أننا نعيش في بلاد تنتمي إلى ما يعرف، حسب التقسيم الدولي الشائع، بدول الجنوب التي هي دول فقيرة ولها من الظروف ما يجعل هذا الفقر مدقعا ولا يستحمل إن لم يكن هناك إيمان وطموح وترقب معاني الإحسان. ونحن نربي الشباب على هذه المعاني، وشتان ما بين معاني الإحسان ومعاني الوهابية التي ترى في كل غير ذي لحية وغير ذي حجاب كافرا أو كافرة يجوز قتلهما ويجوز أن نفجر أنفسنا في وسط حيث يوجد مثل هؤلاء الناس.

الدولة الآن أقرت بجزء من مسؤوليتها فيما وقع. والخطاب الملكي الأخير كان واضحا في هذا الموضوع، لما أشار إلى أن الكل مسؤول عما وقع، كما أن بعض الأحزاب تحدثت عن مسؤوليتها، وكذلك تنظيمات إسلامية أخرى. إذا طرحنا السؤال عليكم حول ما هي مسؤولية العدل والإحسان فيما وقع، أين يمكنكم تحديد هذه المسؤولية؟

لقد قلت من قبل لا مسؤولية لنا فيما وقع.

لأوضح سؤالي أكثر، ألم يتملككم بعد وقوع الأحداث شعور بأنه كان عليكم فعل شيء ما ولكنكم لم تفعلوا؟

أكرر أن الجماعة لا يمكن أن تقتسم مثل هذه المسؤولية، لأنها اختارت، كما تعلمون، أن تبقى خارج اللعبة السياسية ولم يكن لها يوما يد في أن تغير واقع معظم الشباب، لأنها لم تتحمل أية مسؤولية في تسيير الشأن العام. فنحن لسنا مؤسسة سياسية قائمة. أكثر من هذا، فنحن غير موجودين أصلا في نظر الحكم الذي لا يعترف بنا حتى.

من المعروف أن هذه الأحداث كانت لها تداعيات على الحركات الإسلامية بصفة خاصة. وكان ذلك واضحا بالنسبة لحزب العدالة والتنمية أكثر من غيره، كما تبرز ذلك وجود استقالات داخله… إلخ. كيف تقيمون سلوك هذه الحركات بعد الأحداث؟

لست أدري إن كان مخولا لي أن أتحدث باسم هؤلاء، فلهم، على كل حال، أن يدافعوا على ما فعلوا وما يفعلونه، ولكنني سأربط الجواب على هذا السؤال بموضوع صمت الجماعة وعدم اتخاذها لموقف خاص كما جاء في السؤال الأول لك، وإن كان هذا الربط سيبدو لك ربما ليس في محله. فنحن في موقفنا من الأحداث لم نتصرف من منطلق، كما يقول المثل العامي، “لي فيه الفز كيقفز”، فنحن ولله الحمد ما فينا فز ولذلك مقفزناش.

أدت هذه الأحداث إلى مواجهة بين بعض الأحزاب والتنظيمات الإسلامية، حين اتهمت الأولى الثانية بأنها مسؤولة عما وقع، كيف ترين هذه المواجهة؟

لقد أظهرت هذه الأحداث، والحمد لله على ذلك، الأحزاب على وجهها الحقيقي، وظهرت ديمقراطيتها التي ظلت تبشر بها، فهي أفرزت تيارا استئصاليا يذكرنا بما وقع في الجزائر. وهذا أفزعني أكثر من 16 ماي. فأن تلجأ بعض الأحزاب، وأنا لا أقول كلها تفاديا للتعميم، إلى استغلال أحداث قام بها شباب، وأنا لا أعتبر أن هؤلاء، أي الشباب يشكلون تنظيما أو تيارا أو حركة قد تعم شبابنا، فالأمر مجرد رد فعل عنيف لمجموعة محدودة، ولذلك لا يجب أن نهول منها ونبني عليها خططا واستراتيجيات استئصالية، فإن ذلك مفزع حقا ويشكل خطورة. وقد نجعل بلادنا تنزلق في اتجاهات معينة لا نرضاها لها ولا نريدها، وهي ليست في حاجة إليها.

هناك تضارب في الآراء حول أسباب الأحداث بين الداخل والخارج، بين الاجتماعي والاقتصادي والإيديولوجي، في رأيك أين تكمن الأسباب الحقيقية وراء ما وقع؟

أنا أربط ما وقع بجو عام يسود العالمين العربي والإسلامي. ولا أجعل منها قضية مغربية محضة، فهي جاءت في سياق جو عام يطبعه وجود شباب يائس، فقير وجاهل، من جهة. ومن جهة أخرى، التقى ذلك بالتأثير الذي أضحى يمارسه، من خلال وسائل التكنولوجيا المتطورة ومن خلال وسائل الإعلام، ما يعرف بإسلام النفط الذي امتلك قوة تبليد الناس، الذين ليس لهم المناعة الثقافية والتربوية الكافية واللازمة. هذه الأحداث يمكن أن نربطها كذلك بالأزمة العامة السائدة في دول الجنوب الناتجة عن العولمة إلخ… وأظن أن اجتماع كل هذه العوامل كان له تأثير بكيفية وبأخرى، فيما وقع. ثم يجب ألا ننسى 11 شتنبر الأمريكي وتداعياته، وبصفة خاصة تكريس أسامة بلادن كقدوة لدى مجموعة من الشباب العربي المسلم خاصة، حيث أعطى شحنة لهؤلاء وأصبح مستلهما لديهم كنموذج يقتدى به في مواجهة الظلم سواء أكان ظلم أمريكا أو ظلم الأنظمة المحلية. وأعتقد أن ما حدث في الدار البيضاء وفي مناطق أخرى من العالم نموذج قابل للتعميم في مناطق أخرى طالما الظروف العالمية والجهوية والمحلية على حالها.

ولكن قبل الأحداث، كان الخطاب السائد يركز على أن هناك ما اصطلح عليه بالاستثناء المغربي.

أنا لست أدري لماذا أعطينا لأحداث 16 ماي أكثر من حجمها، مع أنها لم تكن الأولى في المغرب، إذ كان قد شهد قبلها أحداث فندق أطلس آسني بمراكش. فهي أيضا كانت تفجيرات غير مسبوقة. والفارق بين الحدثين أننا نعيش اليوم جوا عالميا سمته وجود القاعدة والإرهاب العالمي لحاجة في نفس يعقوب الأمريكي، بهذه الهالة…

هناك فرق من حيث طبيعة المنفذين..

في رأيي أن ما وقع في تلك الفترة كان مقدمة لما سيقع بعدها، لأن الوضع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي مستمر في التدهور. وأنا أربط ما وقع، إضافة إلى الجو العالمي والعربي الذي تحدثنا عنهما، بدرجة أساسية بالعامل الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذين العاملين، يدخل بطبيعة الحال طبيعة التعليم الملقن لتلامذتنا باعتباره تعليما لا يقوم على تربية ملكة الوعي والحس النقديين لديهم… ولذلك، فالمطلوب هو إعادة النظر في الاختيارات الاقتصادية والتعليمية في بلادنا.فذلك هو الكفيل بجعلنا نواجه السقوط في مثل هذه المزالق.

أحداث 16 ماي أعادت النقاش حول قضايا ظلت بمثابة طابوهات. ومن بينها علاقة الدين بالسياسة. كيف تنظرين لهذه العلاقة؟

الجواب على هذا السؤال حذفه قانون الإرهاب،(تضحك قبل أن تتابع) أكتب هذا، أكتب أن هذا هو جوابي، وأنه بعد الخطاب (تقصد الخطاب الملكي الأخير) لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال، فأنا مواطنة مغربية، تظلني سماء المغرب ولا أريد أن تظلني “سماء” سجن عكاشة.

بعد الأحداث، طالت حملة اعتقالات عددا من نشطاء الحركات الإسلامية، وبصفة خاصة ما يعرف بالسلفية الجهادية. وهؤلاء المعتقلون يقدم بعضهم للمحاكمة. كيف ترون هذه المحاكمات؟

السؤال الذي تطرحه هذه الاعتقالات والمحاكمات التي تلتها هو هل هؤلاء هم فقط المجرمون؟ من جعل هؤلاء الشباب يصلون إلى ما وصلوا إليه؟ لقد كان أولى بنا أن نفكر مليا في عمق المشكل المطروح وفي جذوره، بدل أن نركب مواقف أعتبرها مجرد ردود فعل حول قضايا وأحداث تطلب منا الفعل عوض رد الفعل. وهذا ظهر حينما لاحظنا كيف أننا لم نكتشف أن عاملا أو قائدا لم يقم بهذا العمل أو ذلك إلا بعد أن وقعت الأحداث. مع أن ذلك كان معروفا.. إن معاقبة من أجرم شيء طبيعي، ولكن المشكل لا يتوقف عند ذلك، إذ المطلوب هو تغيير جذري وشمولي في الاختيارات والبرامج والممارسات التي اتبعت في السابق وأدت بهذه الكيفية أو تلك إلى جعلنا إزاء وضع عام اقتصادي واجتماعي، أنتج شبابا من قبيل هؤلاء الذين فجروا أنفسهم ليلة الجمعة 16 ماي الماضي. أعود لأقول إنه بعد صفعة 16 ماي، علينا أن ننهض جميعا كمغاربة لكي نعيد بناء بلدنا على أسس جديدة، لأنه في تقديري المشكل لا ينحصر في كون أن هناك شبابا فجر نفسه، بل إن الجسم المغربي بكامله مريض وينبغي معالجته.

في هذا الإطار، هناك من اعتبر هذه اللحظة مناسبة لبلورة حوار وطني بين جميع مكونات المجتمع من أجل التفكير في الحلول الممكنة للمشاكل القائمة والاتفاق حول القيم التي ينبغي أن تحكمنا. كيف ترين هذه الفكرة؟

مبدئيا، نحن لا يمكننا إلا أن نكون مع الحوار، ولو أننا قبل 16 ماي بقليل دعونا إلى حوار وطني ولكن لم يستجب لنا أحد. فنحن دائما لا نتحرك إلا بعد أن يصفعنا القدر. فالحوار لا يضر، ولكن ماذا بعد الحوار؟ هل نتعامل معه كمجرد ترف فكري؟ أم نجريه انطلاقا من إرادة سياسية حقيقية للفعل؟ لأن هذه الإرادة هي سابقة على الحوار، وهي منطلق التغيير. ويظهر أن هذه الإرادة غير موجودة، ما دمنا نفتقر إلى نخبة حقيقية وإلى فاعلين سياسيين حقيقيين وأيضا إلى ثقافة سياسية، وإلى أحزاب لها امتداد وجذور في المجتمع. وبالتالي، هل تنتظر من حوار في ظل مشهد سياسي هذه سماته وهذه نخبته ومكوناته أن يصل إلى بلورة مثل هذه القيم التي تحدثت عنها في سؤالك، وتجاوز تلك القيم الممنوحة التي تفرض على الناس اتباعها حتى ولو اختلفوا معها. ولذلك، فإن الحوارات في مثل هذا السياق تبقى مجرد ترف فكري إذا لم تكن هناك إرادة سياسية وشعبية حقيقية للتغيير وللتطور.

هذا الموقف من الحوار الوطني أليس ناتجا من المآل الذي آل إليه الحوار الوطني الذي دعوتم إليه قبل 16 ماي وقاطعته تنظيمات نسائية أخرى؟

على كل حال، قد يفهم موقفي هذا على أنه رد فعل صادر مني اتجاه ما وقع في الحوار الذي أشرت إليه.

حتى أن هناك من اعتبر أن العدل والإحسان أصبحت في عزلة؟

يقولون ما يقولون، ونحن نقول إنه إذا كانت هناك قوة حقيقية في المجتمع فهي العدل والإحسان. والكل يعلم ذلك.. وأعتقد أن كثيرا من القياديين في الأحزاب عندما يقولون مثل هذا الكلام، وهنا أنا لا أعمم كما أنني أتحدث باسمي الشخصي، فإنهم في نظري يحتقرون الشعب، ويحتقرون قواه الحقيقية.

بعد الأحداث، تحرك ملف المرأة من جديد، وتابعنا بعض المبادرات مثل مبادرة ربيع المساواة التي طالبت بإخراج النتائج الخاصة بإصلاح مدونة الأحوال الشخصية إلى حيز الوجود، ورفعت مذكرات إلى الدولة في هذا الاتجاه، ولاحظنا أن تلك المبادرة ووجهت برد فعل من لدن حزب العدالة والتنمية ذكرنا بالجدال الذي حدث حول نفس الموضوع عندما طرحت قضية الخطة، العدل والإحسان لم يكن لها رأي في الموضوع؟

أنا أعتقد أن النقاش الجاري الآن حول المرأة المغيب فيه أكثر هو المرأة نفسها. فهو نقاش نخبة لها مصالح ولها رؤية معينة تريد أن تصل من خلالها إلى تلك المصالح. وهناك لعبة سياسية قائمة على الصدام بين فئات أصنفها بالمحافظين والنسائيات… إنه نقاش مصالح وليس نقاش حول قضية المرأة، لأن هذه الأخيرة لصيقة، في تفسيرنا نحن العدل والإحسان لتاريخ الإسلام، بطبيعة الجو السياسي السائد. فالأمر يتعلق (تضحك) و”هنا غادي نتكلم على المذاهب وغادي نصدق في الحبس وقانون الإرهاب” (تتابع) هناك خيارات كبرى في العالم الإسلامي وفي التاريخ الإسلامي لن تتغير مهما قامت به النسائيات. ولكن هناك أيضا واجهة دولية تفرض علينا أن نراعي مطالب نسائيتنا. ولذلك، يتم بين الفينة والأخرى تحقيق بعض مطالبهن. ولنتأمل ما تم تغييره في المدونة في المراحل السابقة ولنطرح التساؤل هل فعلا أفاد ذلك المرأة وقضيتها؟ وفي اعتقادي، إن التغييرات التي قد تعلن في هذه المرحلة لن تكون إلا من صنف التغييرات التي تمت في المرحلة السابقة، أما لماذا نحن سكتنا حول هذا الموضوع؟ فليس ذلك لأن الأمر لا يهمنا. ودليل ذلك أننا في الحوار الذي أطلقناه قبل أحداث 16 ماي، كنا نأمل أن نحقق نقلة نوعية في هذا المجال لأننا أولا جعلنا النساءيات يسيرن الموائد المستديرة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كنا نريد أن نبدي رأينا في حقيقة مدونة الأحوال الشخصية وكيف نرى الاجتهاد في موضوع المرأة…إلخ. وكان سيكون حوارا فعليا. ولكن يبقى العمل الحقيقي في نظرنا هو تأطير المرأة نفسها وهو إيقاظ المرأة نفسها لذاتها ولحقوقها ولما هضمه التاريخ ولما هضمته أمور أخرى “ما بغيتش نسمي”. والمرأة إذا أردنا أن نغير ما بها فيجب أن نغير ما بالأذهان. وهذا في اعتقادي يمر عبر التربية وليس عبر تغيير قوانين في ظل ظروف تجعل مثل ذلك التغيير فارغ المحتوى. ونحن نريد أن يبدأ التغيير بتغيير ما بالأذهان. وهذا ورش تربوي يجعلنا ل