منذ انطلاقة ما يسمى زورا وبهتانا بالعملية السلمية ونحن نعايش نفس اللعبة، الصهاينة يخادعون المفاوض الفلسطيني، والمفاوض الفلسطيني يجد نفسه مرغما على اعتبار ما يقدمه الجانب الصهيوني للشعب الفلسطيني إنجازا سياسيا رغم يقينه أنه لا يعدو الخداع بعينه. في بداية الأمر كان المفاوض الفلسطيني يظن أنه قادر على أن يحقق شيئا يمكن أن يسميه إنجازا سياسيا مقنعا للشعب الفلسطيني، أي أن المفاوض الفلسطيني في البداية قد وقع فعلا في شرك الخداع الصهيوني، ولا أشك أنه كان وقتها واثقا ومطمئنا إلى سلامة المسيرة التي اعتمدها لبلوغ أهدافه المتواضعة التي اعتبرها أهدافا وطنية، وأن تحقيقها كاف لإنهاء الصراع مع العدو الصهيوني، وانطلاقا من هذا الفهم الخاطئ لطبيعة الصراع ولحقيقة نوايا العدو الصهيوني قامت السلطة عام 1996م بضرب الحركة الإسلامية لشل المقاومة وإجهاض الانتفاضة، ولكن مع مرور الأيام وجدت السلطة نفسها تدور في حلقة مفرغة، وبدأ المفاوض الفلسطيني يشعر أنه يسير في نفق مسدود، ولكنه للأسف الشديد لم يعد قادرا على الإقرار بالحقيقة أو الخروج من النفق، ومن هنا بدأ المفاوض مرحلة جديدة، انتقل فيها من مخدوع يفتقر إلى الحقيقة إلى عالم بالحقيقة ولكنه لا يستطيع أن يبوح بها، بل وجد نفسه مضطرا لتسويق الخداع الصهيوني على الشعب الفلسطيني، لأن هناك مشكلة حقيقية تكمن في أن العديد من عناصر السلطة أصبحوا أمام خيارين إما أن يغضوا الطرف ويبيعوا الوهم أو يفقدوا كل المكتسبات على الصعيد الشخصي مغامرين بمستقبلهم السياسي، ولم يكن هذا الهروب من المصير المحتوم من قبل هذه العناصر إلا هروبا مؤقتا، ولكن هذا الحال الذي بلغه المفاوض الفلسطيني بات مؤرقا للكل الفلسطيني الذي أصبح مطلوبا منه أن يراعي هذا الوضع الخطير خشية الوقوع في فتنة داخلية.

وانطلاقا من هذا الواقع بات المفاوض الفلسطيني مضطرا لتسويق الوهم على الشعب الفلسطيني خاصة في مواطن المفاصلة السياسية حيث الخشية على المستقبل، فرغم ما ارتكب العدو من جرائم بحق الشعب الفلسطيني من قتل وتخريب وتدمير للحياة إلا أن المفاوض الفلسطيني يجد نفسه مضطرا للقول بأن السلام هو الخيار الوحيد، ورغم إعلان شارون نهاية أوسلو قولا وفعلا إلا أن المفاوض الفلسطيني لا يزال متشبثا بها على أنها الطريق إلى السلام، وبالرغم من ترسخ القناعة لدى المفاوض الفلسطيني أن طريق المفاوضات طريق عقيم إلا أنه يعتبره خيارا استراتيجيا، ورغم أن الحديث عن السلام كان متزامنا مع فعل صهيوني على الأرض يتناقض كليا مع السلام كبناء المغتصبات، ومصادرة الأراضي لشق الطرق الالتفافية، وتهويد المقدسات، وإغلاق المؤسسات، وهدم البيوت، إلا أن المفاوض الفلسطيني كان مصرا على الجلوس على طاولة المفاوضات ولا ينسى آن يبشرنا بالسلام العادل والدائم والشامل، ولا ينسى أيضا عند خروجه من جولة المفاوضات أن يبشرنا بأن الأجواء كانت إيجابية متجاهلا هدير الجرافات الذي يقوض مشروع الدولة الفلسطينية.

وعليه فلا غرابة أن يعبر أحد الوزراء عن ارتياحه للقاءات واشنطن معتبرا أن اختراق الجدار الأمريكي للوصول إلى البيت الأبيض قمة الإنجاز، فلا عبرة إذن لما سيتمخض عنه اللقاء ولكن العبرة كل العبرة في الاستقبال الدافئ في البيت الأبيض، مع أن الحكومة الجديدة لا تجهل أن أكثر من استقبل في البيت الأبيض هو الرئيس عرفات المحاصر الآن بمباركة ودعم من البيت الأبيض، وأعتقد أن الحكومة الجديدة لا تجهل أيضا أن منتجع أو “معتقل” كامب ديفيد كان شاهدا على موقف البيت الأبيض المنحاز تماما لصالح العدو الصهيوني، ولقد أخبرنا قادة المفاوضات في كامب ديفيد أن الجانب الصهيوني لم يعرض على الجانب الفلسطيني شيئا يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني، مع أن الذي أشرف على المفاوضات من قبل البيت الأبيض كان “بل كلينتون” الذي أبدى اهتماما كبيرا وتعاطفا نوعا ما مع الجانب الفلسطيني وليس “بوش” الذي تسيطر عليه العقلية الصهيونية لأنه يؤمن بالتوراة أكثر من إيمان “شارون” بها، كما أن الذي كان يترأس المفاوضات من الجانب الصهيوني هو “باراك” زعيم حزب العمل أو ما يسمى بمعسكر السلام وليس “شارون” زعيم الليكود ومعه اليمين المتطرف، وقد قال لي قادة فلسطينيون حضروا كامب ديفيد أن الذي عرض على الجانب الفلسطيني في كامب ديفيد هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه اليسار الصهيوني، ويعتبر خيانة من قبل اليمين الصهيوني، فماذا يعني التشبث بالمفاوضات كخيار استراتيجي في ظل هذه المعطيات البائسة؟ هل يعني شيئا غير القبول بالخداع والتناغم مع الوهم.

فأي ارتياح هذا الذي تملك زمام فؤاد هذا الوزير، وقد ذهب الوفد الفلسطيني إلى واشنطن وعلى رأس سلم أولوياته الإفراج عن المعتقلين، والوفد الفلسطيني يعلم جيدا أن المقصود هو الإفراج عن أولئك الذين حكم عليهم بالسجن المؤبد، والذين أمضوا أعواما طويلة خلف القضبان منهم من أمضى أكثر من عشر سنوات ومنهم من قفز على الخمسة عشر سنة ومنهم من زاد على العشرين، فإذا أعلن بوش موقفا واضحا ضد الحرية لهؤلاء الأبطال متناغما في ذلك مع موقف “شارون” القائل بعدم الإفراج عن كل من على يديه دم يهودي فيقول “بوش” بكل صراحة “بالتأكيد لا نريد أن نعطي القتلة بالدم البارد أن يفرج عنهم فيمسون بالمسيرة السلمية”، فهل يعقل بعد هذا القول أن يكون الوفد الفلسطيني مرتاحا ومتفائلا؟!! وهل يمكننا أن نطمئن للصهيوني “بوش” الذي لا يرى أن اليهود الأمريكان والروس والأوروبيين الذين تركوا أوطانهم واغتصبوا فلسطين وذبحوا أبناءها في مئات المذابح أنهم قتلة، بينما يعتبر ضحايا العدوان الصهيوني الذين يدافعون عن وطنهم وشعبهم ومقدساتهم قتلة يجب أن يبقوا خلف القضبان.

فإن قيل ألا يعتبر قول “بوش” إنجازا عندما قال “أنا اعتقد أن السور هو مشكلة وبحثت في ذلك مع شارون. من الصعب تطوير ثقة بين إسرائيل والفلسطينيين عندما يكون هناك سور يتلوى في الضفة الغربية” نقول إن هذه الصياغة لم تتجاوز صيغة العتاب اللطيف، “فبوش” لم يطالب الصهاينة، ولم يهددهم، ولم يعد باتخاذ إجراءات عقابية ضدهم، كما أننا تعودنا على أن هذه الصيغ لا تجدي نفعا ولا تعدو كونها ضحك على الذقون، فكم من مرة انتقدت أمريكا الاستيطان فهل توقف؟ أم أنه تمدد؟ وهكذا سيحدث بشأن السور، ولقد أعلن “شارون” تشبثه بالسور بعد تصريح “بوش” وكلي ثقة أن “بوش” سيتفهم الحاجة الصهيونية لهذا السور، فهل نتفهم الحاجة الفلسطينية لعدم تسويق الوهم؟!!!!