الاعتقال هو أداة قهر الاحتلال الإسرائيلي؛ لمحاولة اقتلاع الإنسان الفلسطيني أو تفكيك مقاومته وعزيمته. فصراع السجون والتحقيق هو بالأساس صراع إرادات وأدمغة؛ ويثبت من خلال استطلاع رقمي أولي أن أكثر من 25% من الفلسطينيين البالغين قد تعرض للاعتقال مرة أو مرات. وإذا استثني من النسبة العامة جملة النساء والأطفال، فإننا أمام نسبة مهولة، تؤكد أن كل بيت فلسطيني تعرض أحد أبنائه للاعتقال.

اليوم يتجدد الحديث السياسي حول هذا الملف الذي بقي ساخنًا ومفتوحًا طوال سني الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. وعلى الرغم من الظن أن هذا الملف ثانوي في أجندة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فقد ثبت في السنوات العشر الماضية -وخصوصًا إبان اتفاقات التسوية- أنه ملف عاجل يحق أن يصنف بمستوى الملفات المركزية.

تجربة أوسلو

طوال سنوات التفاوض -التي تلت مدريد وحتى ما بعد أوسلو وما تلاه من القاهرة وطابا- ثبت حجم التلاعب الإسرائيلي في قضية الأسرى من جهة، ومقدار التراجع التفاوضي الفلسطيني من جهة مقابلة. ورغم سوء نصوص ما ورد في اتفاقية طابا حول معالجات لقضية المعتقلين، فإنها لم تطبق، ولم يفرج عن جميع الأسرى. وبقي حوالي 1300 أسير من ذوي الأحكام العالية في السجون “أي أهم الفئات المعتقلة”، رغم افتراض الاتفاقات المتتالية إنهاء سجنهم كجزء من التسوية الجارية، فالمشكلة لم تكن حتى بالنصوص -على سوئها- بل إنها تكرست بالوقائع التفاوضية من خلال التالي:

أولاً: التعاطي مع المنطق الإسرائيلي الجنائي لوضعية المعتقلين، أي باعتبارهم مجرمين وليسوا مناضلين.

ثانيًا: التعاطي التفاوضي الفلسطيني مع آليات التصنيف التي حددها المستوى الأمني – السياسي الإسرائيلي، وليس من خلال آلية المعايير التي حددتها آلية طابا على سوئها (3)، فآلية التصنيف الإسرائيلية صنفت المعتقلين حسب التالي:

أ‌- الذين قتلوا أو لم يقتلوا.. شاركوا بالقتل أو لم يشاركوا.

ب‌- من هو من اتجاهات رافضة لأوسلو أو قابلة بها.

ت‌- من هو من فلسطين 48 أو 67 أو العرب.

ث‌- أسرى ما قبل أوسلو، وما بعدها.

ثالثًا: استخدمت إسرائيل قضية الإفراج عن المعتقلين -عند كل اتفاق جديد- كجزء من أوراقها التفاوضية، وجرّ المفاوض الفلسطيني للتفاوض حولها، بحيث كانت تنتهي كل اتفاقية جديدة -بدءاً من أوسلو وما تبعها من سبع اتفاقات- لتجميل المظهر الإسرائيلي وخداع الرأي العام الفلسطيني، وبالتالي العربي والدولي.

رابعًا: استمرت إسرائيل -بشكل داخلي وبعيدًا عن أعين الإعلام- في حملتها ضد الفلسطينيين، باستخدام عدة أساليب ضد الإنسان الفلسطيني داخل وخارج المعتقل من خلال التالي:

أ – الاعتقال الإداري الذي امتد بعضه لمدة ست سنوات.

ب – انتهاكات لحقوق أهالي المعتقلين.

ج – إصدار تصاريح قانونية جديدة للتعذيب.

د – عزل بعض المعتقلين من ذوي الأحكام العالية لمدة تصل إلى ست سنوات.

وقد رد المعتقلون على هذه الإجراءات الجديدة والممعنة بسلسلة إضرابات مفتوحة عن الطعام، لتحقيق هدف التحرّر من السجون وتحسين أوضاعهم الإنسانية. وقد لقيت هذه الإضرابات تجاوبًا شعبيًّا واسعًا في الشارع الفلسطيني.

خامسًا: اشترطت إسرائيل -وما زالت تشترط- الإفراج عن أي معتقل في إطار صفقات التسوية، والتوقيع على تعهد يقر فيه باستنكاره للمقاومة الفلسطينية من جهة، وقبوله اتفاقات التسوية من جهة ثانية. ورغم أن ذلك مس بحرية الرأي والاعتقاد، فإن خطورته تتجلى في أن ينكر المعتقل ذاته ونضاله ووطنه؛ وبالتالي كانت هذه المحاولات الإسرائيلية بقصد الإذلال أولاً، وثانيًا إحراج الاتجاهات الرافضة لأوسلو.

كلمة السر

قضية المعتقلين هي كلمة السر التي حسمت موقف فصائل المقاومة لقبول الهدنة، باشتراط الإفراج عن مجمل المعتقلين، ولا سيما ذوي الأحكام العالية، وهذا بالمناسبة مبدأ شمولي تدرك إسرائيل مدى أهميته السياسية بالنسبة للفلسطينيين من حيث:

1- استمرار تعليق العمليات العسكرية كونه الثمن الوحيد المعقول للتعليق.

2- تصدع أو تمتين العلاقات الداخلية.

3- حساسيته الشعبية كونه على تماس مباشر مع كل القطاعات.

إسرائيل -من طرفها- اعتبرت قضية الأسرى الفلسطينيين قضية شكلية، تساهم من خلالها بتحسين سمعتها الدولية، وإثبات جديتها تجاه التسوية، ومساعدة تيار التسوية الفلسطيني الذي يقوده الخط الرسمي الفلسطيني، وتحديدًا الذي يتزعمه “محمود عباس”. وبرأينا أن إسرائيل لن تذهب بعيدًا في الإفراج عن المعتقلين لعدة إشكالات تحيط بقرار جوهري من هذا النوع:

1- تعقيدات أمنية:

إخراج نخبة المعتقلين القادة العسكريين يعني فعليًّا إشكالاً أمنيًّا لإسرائيل، كفيلاً بإيجاد انتفاضة أشد وأعسر على إسرائيل؛ فكل واحد منهم خبير عسكري قادر على زعزعة أمن إسرائيل، بل وتجييش وتدريب العشرات من خلفه.

2- تعقيدات سياسية:

إسرائيل تستخدم ورقة المعتقلين كتكتيك سياسي يستهدف مساومة الفلسطينيين على الحقوق المصيرية. وما دامت إسرائيل لا ترى في اتفاق الهدنة ثمنًا آتيًا من واقع النصر بل تحت وهم النصر الإسرائيلي، فإنها لا ترى أن للهدنة ثمنًا معقولاً يستوجب الدفع، كما أنها تنتظر تحرك السلطة لنزع السلاح، وإثبات جديتها ضد قوى المقاومة، وتحديدًا “حماس” و”الجهاد”، وليس تعزيز حركات المقاومة بخبراء جدد. وعلينا في غمرة كل هذا أن نذكر أن قضية المعتقلين الفلسطينيين قد أسقطت من خريطة الطريق، وبالتالي فإن إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة بالإفراج عنهم بأي من المراحل، إلا في إطار حسن النوايا.

3- تعقيدات حزبية:

كون الائتلاف اليميني الحاكم، يتسم بشدة الحذر تجاه خطوة كتلك، لعدم ثقته بالنوايا والقدرة الفلسطينية على تنفيذ التزامات خارطة الطريق؛ ولعل حجم التعقيدات والاشتراطات التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية للإفراج عن المعتقلين تظهر تعقد ذلك قانونيًّا ونفسيًّا وأمنيًّا، رغم أن المعايير التي عُرضت على أعضاء الحكومة الإسرائيلية هي بالأصل معايير أفضل جهاز أمني إسرائيلي (الشاباك).

التكتيك الإسرائيلي

إسرائيل في ضوء هذه التعقيدات، إضافةً إلى فلسفة شارون الخاصة تجاه التسوية التي تأمل بتأجيل القضايا النهائية وإعطاء الفلسطينيين دولة مقطعة على أقل من 40% من أصل 20% من أرض فلسطين الكلية، ستلجأ في ملف الأسرى والمعتقلين إلى التالي:

أولاً: التكتيك السياسي في أقصى مدى، بما يجعل الفلسطينيين مستنزفين سياسيًّا، يُطالبون بالشارع والطريق والمدينة والقرية، بل إنه سيساومهم على معتقل معتقل.

ثانيًا: ربح الزمن فشارون يدرك أن الورقة المطلبية الأولى لـ”حماس” و”الجهاد” هي الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وأن استمرار الفلسطينيين بالهدنة هو بتلبية هذا المطلب؛ لذا سيلجأ للتسويف، وتجزئة المعتقلين قدر الإمكان، حتى تنجز الهدنة هدوءاً نسبياً يمكنه من إنجاز التالي:

أ‌- المراحل الرئيسية في الجدار الفاصل من جهة.

ب‌- تبريد الانتفاضة الفلسطينية، وتسريب الهزيمة الفلسطينية.

ت‌- إعطاء الفرصة للأجهزة لكي تستعد جيدًا، أو لكي لا تتهرب من مواجهة القوى الإسلامية بحجة عدم الجاهزية.

بعد ذلك سيلجأ شارون إلى تفريغ مطلب الفلسطينيين في قضية المعتقلين، وتحويله من مطلب اشتراطي جاء في مبادرة هدنة، إلى شكل من أشكال الاستجداء.

ثالثًا: توظيفه كفتنة يأمل شارون أن تجد الحركات المقاومة الفلسطينية نفسها في حيرة بعد انقضاء مدة الهدنة، حيث سيجبرهم -من خلال بعض التصعيد وعدم الإفراج عن المعتقلين- إلى التحلل من الهدنة. وستحاول السلطة ثني هذه الحركات عن مطالبها، ومحاولة إعطائها المزيد من الوقت؛ وطبعًا السلطة ستفشل حتمًا؛ لأن حركات المقاومة -إن استمرت في ظل هذه المعادلة- تكون بذلك كمن انتهت كمشروع وكفكر. عندها ستنتهي الهدنة، وعندها ستطلب إسرائيل من السلطة مواجهة حركات المقاومة، وسيستغل شارون أجواء الانتخابات الأمريكية للاستفراد تمامًا بالفلسطينيين؛ وهو ما قد يؤدي إلى مواجهات محدودة بين السلطة والحركات المقاومة؛ وهذا يعيد علاقات هذه الاتجاهات إلى ما قبل الانتفاضة الحالية (حيث السجون والملاحقة)؛ ورغم أن هذا السيناريو ما لا نتمناه، فإنه يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل كل المعطيات.

رابعًا: تجزئة المعتقلين ستحاول إسرائيل خلال كل ذلك استخدام كل أنواع التسويف عن طريق المساومات والضغوط العربية والدولية؛ إلى جر حركات المقاومة، وبالتالي جر مطلب الإفراج عن المعتقلين إلى ملعب المساومات والتجزئة، حيث سيدعي في البداية أن هذه خطوة أولى وتتبعها أخرى. ثم سيجزأ المعتقلون إلى نساء وكبار السن وأطفال، ثم إلى من قاوم قبل أوسلو أو بعدها… إلخ.

خامسًا: التبادلية ستحاول إسرائيل -في إطار كل ذلك- تحويل قضية المعتقلين إلى أم القضايا، بحيث ستلمح لمصر والولايات المتحدة و”حزب الله”.. أنها مستعدة للإفراج عن جزء مهم من المعتقلين في حال إفراجهم عن “بولارد” الجاسوس الإسرائيلي المسجون لدى الولايات المتحدة، و”عزام عزام” الجاسوس الإسرائيلي المسجون في مصر، والعسكريين الأربعة المخطوفين لدى “حزب الله”، وربما تضغط لكي تغري إيران لكي تفرج هي الأخرى عن الطيار “رون أراد” الذي يعتقد أنه محجوز لديها. وهكذا ستجعل إسرائيل من قضية المعتقلين الفلسطينيين والعرب من قضية جزئية في التفاوض إلى قضية إقليمية.

سادسًا: الباب الدوار: خلال كل ذلك، ستلجأ إسرائيل إلى استمرار الاعتقال؛ فتفرج عن عشرة وتعتقل عشرين، بحيث تبقي قبضتها الأمنية قائمة من جهة، ورادعة للآخرين من جهة ثانية؛ والأهم أنها ستعرض على إسرائيل ميزة وجود معتقلين هامشيين، يمكنها الإفراج عنهم كلما اشتد الضغط، أو احتاجت إلى مبادرات حسن نية جديدة.. وهكذا دواليك.

فاعلية المعتقلين

في ضوء ذلك، فإن الاحتمال الأكبر هو أن يحرك قضية المعتقلين المعتقلون أنفسهم من خلال الإضرابات وشحن الشارع الفلسطيني، كما ثبت ذلك فيما بعد أوسلو وذكرناه آنفا.. وسيكون المعتقلون قوة فاعلة وضاغطة على الحركات المقاومة في إيقافها عن فخ الاستدراج الإسرائيلي أو تفريغ قضيتهم من مضمونها؛ ونعتقد أن قوة المعتقلين هائلة على الحركات المقاومة والسلطة لعدة أسباب:

1- محمود عباس متهم لدى الأسرى بأنه فرط بقضيتهم في مفاوضات أوسلو وما تبعها من مفاوضات؛ لذا فهو يشعر بعقدة الذنب ويحاول التأكيد على دوره الفاعل؛ ولا يمكنه بالتالي مواجهة الموقف أكثر مما يحتمل.

2- أن تعداد المعتقلين المقارب على 8000 ليس هينًا في ضوء معرفتنا أن خلف كل معتقل أسرة. وإذا تعاضد معها البنية الاجتماعية التي تسيطر فيها العائلة الكبيرة في فلسطين، فإن هذه القضية كفيلة بخلق اهتزاز سياسي بالغ على مسار التسوية؛ والسلطة والحركات المقاومة تدرك ذلك جيدًا.

3- من 8000 معتقل هناك حوالي 2000 معتقل يشكلون البنية العسكرية لمجمل الحركات المقاومة، وأحكامهم عالية وتصل إلى المؤبدات، وهؤلاء يعتبرون بنظر الشارع الفلسطيني (النموذج البطل المضحي)، والاستخفاف بقيمة هذا النموذج جدير بإسقاط أعلى الشخصيات الفلسطينية الرسمية أو الشعبية؛ وبالتالي أي موقف لهؤلاء المعتقلين كفيل بهز أي اتجاه يتخلى عنهم أو خلق انشقاق جدي فيه.

4- ثبت فيما مضى أن المعتقلين -وخاصة ذوي الأحكام المؤبدة- كانوا القادة الموجهين لكثير من الخلايا العسكرية الفلسطينية، وتحديدًا للحركات الإسلامية؛ وشعور المعتقلين بأي تهاون في قضيتهم سيؤدي بهم إلى تجنيد جديد وعمليات ضخمة كفيلة بتغيير المسار والموقف السياسي؛ وكلنا يذكر أن من أقوى خلايا “حماس” التي شكلت وبرعت هي خلية “شهداء من أجل الأسرى”، التي كان مطلبها الوحيد هو الإفراج عن الأسرى، وتحديدًا ذوي الأحكام العالية.

5- لقد اكتوى مجمل الفلسطينيين في الضفة والقطاع بتجربة الاعتقال، حيث كما ذكرنا فإن أكثر من ربع الفلسطينيين تعرض لتجربة أو تجارب الاعتقال، وهذه التجربة تعطي زخمًا معنويًّا لأي حركة تضامن أو احتجاج.

6- يساهم توزع المعتقلين على مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع على قوة وفاعلية أي تحرك على مستوى المحافظات الفلسطينية الممتدة؛ وهذا يخلق امتدادًا جغرافيًّا فاعلاً لأي حركة تصعيد للإفراج عن المعتقلين؛ فهم عبارة عن تنظيم منتشر في كل مكان له متضررون في دائرة الأسرة، ومتعاطفون في دائرة العائلة الكبرى، وأنصار ورفاق في الحركات التي ينتمون لها، ومتعاطفون من مجمل الشعب متأثرون من التجربة التي سبق أن مروا بها، أو لديهم خزين من القهر ضد ممارسات أخرى للاحتلال، وكل هذه التركيبة من المعادلات من السهل أن تتفاعل وتؤثر.

الأفق..

في ضوء ما تقدم، فإننا نعتقد أن قضية الأسرى ستكون محور التحرك الفلسطيني القادم على المستوى الرسمي والشعبي.. وما دمنا ندرك التعاطي الإسرائيلي مع ملف الأسرى لا يتجاوز التكتيك، وجزء من لعبتها الإعلامية كحال الانسحابات من غزة وبيت لحم، فإننا نرى أن مصير ملف الأسرى سيتدحرج ككرة الثلج بحيث يحدث تغيرات دراماتيكية على عدة مستويات أهمها:

1- إعادة وهج الانتفاضة بشكل أقوى، سيعتمد على مواقف الحركات المقاومة بالتعاطي ومدى تقبل الأسرى أنفسهم لمنطقي التجزئة والاستدراج.

2 – إسقاط مشروع حكومة (أبو مازن) الفلسطينية إذا ما تراخت مع هذه القضية أو انحرفت، كون التراخي فيها سيوظف في التجاذبات الداخلية الفلسطينية.

3 – ومنطقيًّا ستكون الهدنة قد سقطت، إما بمبادرة من الحركات المقاومة أو بضغوط عليها، أو اختراقات رغمًا عنها.

لقد سبق انتفاضة الأقصى الحالية بثلاثة أشهر انتفاضة الجوع الفلسطيني، التي ترافقت بتفاعل جماهيري في شتى بقاع فلسطين (9)، مصحوبة بإضراب استمر أكثر من شهر من قبل شتى السجون الفلسطينية. ولم يكن عدد المعتقلين في تلك الفترة يتجاوز الـ2000 معتقل؛ وقد أحدثت انتفاضة الجوع تراكمات كان أهمها زخم انتفاضة الأقصى الحالية التي امتدت حتى اللحظة، فلا شك أن التأثيرات التي سيحدثها التلاعب بملف الأسرى سيؤدي إلى غضب مضاعف، خاصة أن العدد ضعف العدد السابق بأربع مرات.