أي شيء يرفعنا من حضيض الانحطاط التاريخي إلى قمة الرقي المدني الحضاري؟ أي شيء يتقدم بنا من ذُنابَى التخلف إلى رأس التقدم؟

ديموقراطية اللبرالي المنتشى في عرس انتصار الرأسمالية؟ أم اقتصادية التقني؟ أم عدلية الاشتراكي العلمي التقدمي اللاجئ إن اقتضى الحال إلى الاشتراكية الأخرى الديموقراطية؟ أم عقلانية الفيلسوف المثقف؟ أم نضالية الحقوقي؟ أم إديولوجية القومي؟ أم روحانية الإسلامي وشرعيته؟

أم كل ذلك ملَفقا ممزوجا بذوق الزمان والمكان والفرصة؟

يلفق المنافقون والانتهازيون، ويوصَمُ الإسلامي بأنه ينظـر إلى الماضي، ويجهل العصر، ويتنطع أمام الحقائق الماثلة ليناجي أحلامه.

ولم يبق في الميدان بعد موت الإديولوجيات في بلادها وبعد فشل اللبراليين والاشتراكيين في بلاد المسلمين إلا التلفيق المنافق، أو الاستماع لما عند الإسلاميين بالنية البناءة، أو الرزوح الأبدي تحت وطأة الرجعيين التقليديين الذين نسميهم حكاما عاضين جبريين، ووطأةِ حلفائهم الأمبرياليين الذين نسميهم الاستكبار العالمي.

هات! هات! أين “يتموضع” الإسلاميون على الخريطة السياسية؟ أهم يمين أم يسار؟ أهم قُوى تحررية تقدمية أم هم كما نرى بعضهم قوى رجعية حليفة موضوعية للاستعمار وأذنابه؟ ما نظرتهم إلى العصر وإلى الديموقراطية؟ ما مشروعهم الحضاري؟ ما مُعسكرُهم من بين المعسكرات؟

ربما سألت عن حسن نية يأيها النظير الخلقي.فإليك في المكان الثاني قصدُنا بعد اهتمامنا بتنوير الطريق أمام أنفسنا. لكن تمام الاستماع إلينا يقتضي أن تنصِت كيف نطرح نحن الأسئلة.فربما فاتك إن لم تبذل الجُهدَ الأول في تحويل الموجة الفهمُ عنا والحوار الضروري معنا، ضرورةً نحُسها ونسارع إليها كما تحس أنت وإن بقيت تتلكأ في ريبتك وانشطارك وحيرتك بين صلاة تخشع فيها لربك وبين نضالية تنسى فيها دين الله لتنخرط بدمك وعصبك وعقلك وعضلك في مَهْيَع السياسية الحزبية اللاييكية في أحسن أحوالها.

المهيع لغةً الطريق الواسع المنبسط. والهَيْعة كلمة تجمع معاني الحركة والفزع والجبن والضعف والجزع والضجر والحيرة. وكل أولئك حظ الفاشلين من الساسة المناضلين القوميين، اللبراليين والرجعيين، وأحلافهم من المنافقين والمشركين أمام صعود الدعاة إلى دين الله الخالص.

السياسة مهيع بكل هذه المعاني. مع الناس وضد الناس وفي زحمة الناس يجري المناضل والزعيم خلف ميتافزيقا إديولوجية، أو خلف أهداف واقعية. خلف التنمية والتحرر وحقوق الإنسان والديموقراطية والحضارة وكسب التكنولوجيا والسيطرة على الطبيعة والقوة والاكتفـاء الغذائي وما بين يَدَي هذا وخلفه.

فهل الإسلاميون صنف من البشر لا يريدون تحقيق هذه الأهداف؟

بلى! لكنهم قوة حَقَّانية لا يُصنَّفونَ يمينا ولا يسارا في مهيع السياسة لسبب واحد: هو أنهم يومنون بالله وباليوم الآخر. فهم بأجسامهم وعقولهم وجهودهم المنظمة ومواقفهم وجِهادهم مع الناس ومن الناس. وهم فُرادَى قومٌ سائرون بالعمل الصالح إلى موعود الله وهو حق، وإلى جزاء الآخرة وهو حق، يطمعون فيه ويثقون بوعد ربهم.

ومن يجري في مهيع السياسة بدون هذا المشـروع الفردي الأخـروي الرباني الإيماني الإحساني فله إن شاء أن يكون غُرَابِيَّ المِشْيَةِ، طاوُوسِيَّ البِزَّةِ، فارغ القلب، بلا أمل بعد الفشلات يُرتَقَب، وبلا مصير بعد الموت يُعتَقَب. لذلك الذاهل عن الآخرة أن يلتفت إلى الماضي وأن يحلل الحاضر ويستشرف المستقبل حاملا أثقال تراث شَبَحِيٍّ يُثقل كاهلَه بالأمجـاد إن عده أمجـادا، سابحا في تيارات المهيع ذات اليمين وذات الشمال، نافخا في رماد التقدمية الإديولوجية بعد أن خمدت نارُها وهمَدَ أُوَارُها.

لا يعني هذا أن الإسلامي في الصف ووسط المعركة لا تجري عليه أحكام سنة الله. فهو مع الناس في دفاع ومدافعة، يخطئ ويصيب،وينتصر وتدول عليه دَولة الأحداث. “وتلك الأيام نداولها بين الناس”. لكن الإسلامي في خاصة فرديته ومسيره ومصيره في الدنيا والآخرة طالبُ حق.من الحق سعيه لنصر دين الله في الأرض، ومن الحق جهادُه لمقاومة الظلم في الأرض، ومن العمل الصالح مداومتُه على إرساء دعائم الشورى بين المسلمين، ودفعُ المنكر والنهيُ عنه، ونشر ألوية العدل بين الناس، وبث فكرة السلام في العالم، والبِر بذوي الرحِم الأقربين وبين الخلق أجمعين.

يلتقي الإسلامي في الهدف الأرضي مع النظير الخلقي، ويحمل في جعبته من مشاريع الخير ما يحمله السياسي النزيه. لكنه حامل رسالة قبل كل شيء وبعد كل شيء. مُبلغٌ تكاد نفسه تذهب حسرات على ضياع الإنسان. يؤرقه هَمُّ كفر من كفر ونفاق من نافق وتهافت من تهافت في معصية الله بقدر ما يؤرقه مصيرُ أمته المحرومة المنهوبة المتخلفة.

العصر حقل مَنْبِتِ الإسلامي وقاعة امتحانه. إن التفت إلى الماضي فإنما يلتفت أولا ليتأمل سيرة الذين سبقوه بالإيمان. سبقوه إلى مستقبل هو أمامَه أملٌ ساطع ونور لامع. ويلتفت ثانيا ليتلقى من السابقين شرع الله الذي على منهاجه سلكوا، وبأحكامه مَلَكوا. أعنِي الامتلاك والقـوة، لا المُلكَ أصل بلائنا.

سؤال الامتحان واحد وإن اختلفت الظروف الزمانية والمكانية والوسائلية من عصر إلى عصر. طُرِح على من سبقـونا بالإيمـان وطرح علينا نفس الامتحان، نفس البلاء: “فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”.

الاستطاعة قوة تختلف وسائلها بالزمان والمكان واختراع الإنسان. وشح النفس وهواها وعبادتُها غرائز في النفوس المريضة ثابتة. والفلاح أو الخسران في الدار الآخرة واحد وإن كان درجات ودركات. وفي قلب المومن والمومنة يَتلجلج نداء اقتحام العقبة للحاق بمن سبقونا بالإيمان. يقول المومن والمومنة في الدعاء بلفظ القرآن: “ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان”. بالإيمان سبقونا، لم يقل: إلى الإيمان فيكونَ السبق زمنيا ماضيا منتهيا. سبقونا بالإيمان لمنازل القُربَى في الآخرة.فإلى تلك المنازل نسارعهم ونسابقهم، تلامذةً لما أوصلوا إلينا من شرع الله ومنهاج رسول الله، لكن منافسين على الصراط المستقيم. ندعو الله ونصلي: “اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم”، وهم النبيئون والصديقون والشهداء والصالحون.وحَسُن أولئك رفيقا هنا وهناك.

العصر بيْتُ نشأة الإسلامي وعنوان مسكن جند الله المجاهدين في سبيل الله. مصير أمتهم في الدنيا مرتبط في اهتمامهم وتخطيطهم وتقديمهم وتأخيرهم بمصيرهم في الأخرى. إن أحسنوا الجهاد وحرروا العباد بجهاد البنيان المرصوص استحق كل منهم عند الله، في قرب الله، في جنة الله، جزاء الأمين القوي. وإن قعدوا وتركوا الهائعين يلعبون بمصير الأمة خاف كل منهم أن يُكشف يوم القيامة كما يكشف الغوِيُّ الوَهيُّ.

قال الله عز وجل: “يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد”. وينذر سبحانه العباد: “إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه”. ويخبر سبحانه عن الكافر أنه يقول يوم لا ينفع قول: “يا ليتني قدمت لحياتي”.

بهذه النية وبهذا اليقين وبهذا التوجه الإيماني يكون الإسلاميون قوة حقانية تستعصي على التصنيف في حلبة التلفيق بين الأصالة والحداثة وبين التراثية والعصرنة. ويستعصي التصنيف مع الجارين في المهيع السياسي إلى غير وِجهةٍ بعد الموت، وبغير إيمان بالآخرة، وبغير مشروع فردي إيماني إحساني.

بهذه النية وهذه الذاتية المستقلة في الكون، الخاضعة لقوانين الله في الكون، العالمة بأن العصر وتقلباته ومخاضه وتولداته من صنع الله عز وجل، يقتحم الإسلاميون الساحة السياسية غيرَ مبالين بمن يتهم الإسلام بأنه العرقلة الماضَوية أمام التقدم، غير متحيزين في نقدهم للحضارة المادية العصرية تحيّز الموتور الناقم، ولا متحيزين إليها تحيز الوامِق الهائم.

إن كان من الملفقين من يُسوِّد الصحائف ويصرخ في الندوات ليُدليَ بدلوه بين الناطقين الكاتبين ليعبر عن حاجة الأمة إلى استيعـاب الماضي واستيعاب العصر فنحن لا نرى تناقضا بين الأزمنة والأمكنة على ضوء إيماننـا بوحدة الخالق جل وعلا وانجلاءِ الهدف الدنيوي والغاية الأخروية أمام مقتحم العقبة.

وإن كان من يستفيض في الكلام عن تحديث المباني وعن تحرير العقل من أوْهاق الماضي وعن ضرورة حرق المراحل للحاق بالركب الحضاري فنحن وَقفتُنا الطويلةُ عند الفرد المومن وما ينبغي أن يسكُن قلبَه وعقلَه من نية ويقين مستَعصَمٌ يمسكنا عن الهذيان المحموم لتكون خطانا على منهاج النبوة ثابتة.

إن شاء الله ربنا القوي العزيز المتين..