الخطر العلماني الذي ينبغي لأهل الإيمان أن يترقبوه ويحترسوا منه أشد الاحتراس ليس العلمانية الكاشفة عن أنيابها المهددة الثلابة، لكنه العلمانية الرقطاء المتسربة إلى المسلمين وهي لابسة ثوبي زور. إنها علمانية “جغرافية الكلام” المستقبلية التراثية المجددة. تلك التي تمجد الإسلام وتنتقد الماركسية والأمبريالية وتتزلف للمخزون النفسي الجماهيري.

أما علمانية الذين لايزالون يغطون فشل التجارب العلمانية بالزعيق على الإسلام، والدعوة المتجددة إلى ثورة ثقافية علمانية تغير المجتمع وتقضي على “الإيديولوجية السائدة” فما هم إلا طلبة لمَّا تنفتح أدمغتهم المكدودة لإدراك ما يجري في الواقع. من عادة المثقفين أن ينتظروا زماناً حتى ينعكس الواقع على أدمغة قادة العالم، ويتحول الانعكاس إشارات مترددة على وتيرة الخطر الدائم، ليتلقفوا المعرفة من أفواه الرجال وأقلام الأعلام، لايستطيعون أن يقرأوا الواقع حيا.

إننا لا نستهين، ولا ينبغي أن نستهين، بالثورة الثقافية العلمانية القائمة أسواقها في مجتمعاتنا، الرائجة عملتها، المرتكزة دكاكينها ومحطات بثها في كل مرفق من مرافق الحياة، خاصة في المرافق التربوية. العلمانية متمكنة في الأرض الثقافية. لها القيادة في الكليات ومراكز التوجيه. فشلت العلمانية في مظهرها السياسي، في وظيفتها السياسية، لكنها لاتزال متربعة على كراسي الإدارة والإنتاج الفكري، لاينقص من خطرها على الإسلام بُطْءُ فهمها للتحولات نحو الإسلام الجهادي في عموم دار الإسلام.

لم تجرؤ الأنظمة العلمانية إلا قليلا على إعلان نفسها على حقيقتها. في الدساتير تجد في مقدمة البنود أن الدولة دينها الإسلام. ويترجم هذا في ممارسة الحكم إلى تنازلات جزئية، في “الأحوال الشخصية مثلا” في الزواج والطلاق والوقف. والأنظمة العلمانية رجعية كانت أو لبرالية أو قومية اشتراكية، مستعدة الآن أكثر من أي وقت مضى للتنازلات الجزئية لتؤجل الأمر المحتوم. في مصر تشتد المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية فيصوت الحزب الرسمي ليعرقل هذا الاتجاه. في باكستان والسودان وغيرهما ترى الحكام يستبقون لتبني إسلام على هواهم يموهون به أحيانا، كما وقع في سوريا، في حماة الشهيدة، يبلغ سعار القوميين أوجه فيغرقون البلاد في الدم المسفوك. الأنظمة الحاكمة تقرأ الواقع مباشرة، فهي تدرك قوة الصحوة الإسلامية، فتعترف بالواقع إما مجاملة وإما محتالة وإما متبنية وإما فاتكة. الصراع على هذا المستوى مباشر ومن قريب.

أما المثقفون العلمانيون، أصحاب القراءة البطيئة الموسوطة، فلهم السعة ليدبروا استراتيجية المدى المتوسط والبعيد، ولهم الوسائل، ولهم الإرادة. لاتنتظر أبدا أن يخلوا الميدان يوما هكذا كما يستسلم حبيس أثخنتة الجراح. استراتيجيتهم الهيمنة الثقافية، والتسرب إلى الأماكن الحيوية في حياة الأمة. ولئن كان اتصالهم بالشعب منعدما، وكلمتهم عنده مرفوضة، وحيلتهم للتقرب إليه كسيحة، فإن لديهم وسائل الإتصال والإقناع الفكري ليؤثروا في طلبة الجامعات، ويبلغوا صوتهم عبر الكتب والمجلات والندوات واللقاءات والرحلات لجمهور الشباب المتعلم العاطل. والفن ميدان لهم خصب، يتزاوج فيه الإغراء الفكري بالإغراءات الأخرى التي يتقنون اقتناصها وتدريبها.

هدف أساسي لدى العلمانيين، عليه مدار الثورة الثقافية الدائرة رحاها، هو أن يمحو من خاطر كل شاب مسلم السؤال الفطري الذي ركزته التربية الموروثة: سؤال: ماذا يقول الدين في هذا؟ يريدون أن يطمسوا معالم الفطرة التي تسند مثل هذا السؤال، يريدون أن يذللوا العقبة الدينية. قال الدكتور النويهي: “إذا كنا جادين في سعينا نحو “ثورة ثقافية شاملة” وجب علينا أن نبدأ بمواجهة هذه الحقيقة: إن العقبة الأولى في هذا السبيل هي العقبة الدينية، وإننا لن نصل إذن إلى الثورة المنشودة إلا إذا ذللنا هذه العقبة وأزحناها عن طريقنا”

يقول اللّه عز وجل: ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فما علمنا اللّه تبارك وتعالى في كتابه، ما كلفنا أمراً ونهياً، ما وجهنا في تدبير أنفسنا وأموالنا ومجتمعنا، هو التعليم الأقوم، والتكليف الأرشد، والتوجيه الأسلم، والتدبير الكفيل بالنتائج الأحسن. العلمانيون يغيظهم أشد الغيظ أن يسمعوا عن رشاد خارج عن الموقف المصلحي المادي الدنيوي.

يغيظهم أن يسمعوا أن الأمر واحد في التعليم القرآني والتكليف الإلهي. الدنيا تمهيد للآخرة في امتداد واحد. العقيدة والعبادات وتدبير المقومات الدنيوية شيء واحد. السياسة فرع متصل مباشرة بالعقيدة، الاقتصاد له ثوابت وحدود وأخلاقيات هي دين. الإسلام رسالة عالمية لايمكن أن تنحصر في العرق واللغة.

ماذا يكون هؤلاء المغتاظون من قوة عددية وسط الألف مليون ونيف من المسلمين؟ يمثل الجهد الذي يستطيعون تعبئته، بل المعبأ فعلا، النشيط فعلا؟

لايفيد في الموضوع أن نستقلَّ عددهم ما دامت النوعية العقلانية والمكانة الاجتماعية تضاعف إمكانات التأثير. لا يُفيد أن نترك جهودهم لتتآكل بالتكرار حتى تمل. لايفيد أن ننتظر من عوامل الخلافات القومية والمذهبية والمصلحية أن تمزق ما يشبه الشمل. لايفيد أن نرفض الحوار مع من يطلب الحوار، ولا أن نستعلي بالإيمان عن الجلوس إلى مناقشة، ولا أن نغتر بالحق الذي ندعو إليه إن عجزنا عن تبليغ كلمة الحق، والبرهنة عليها، ومصابرة المجادل، ومطاولته، ومجاولته. لا يفيد أن نلوي أعناقنا أو نتناسى وجودًا مكثفا لطائفة تتفاوت علاقتها بالإسلام من العداء السافر، إلى التوتر الشديد، إلى الفضول المكبوت للمعرفة، إلى التضاد الحزبي، إلى الاستهتار والاستخفاف، إلى التعالي بالثقافة الموسوعية والاطلاع “المحقّق”.

ثم إن من بينهم رجالا يعلنون إيمانهم باللّه ورسوله. هؤلاء أهل لكل تقدير، فكم من الوقت يمضي قبل أن يدركوا غرابة عنوانهم: “علمانيون إسلاميون” وتناقضه.

منذ قرن من الزمان تقريبا والعلمانيون ينطحون صخرة الإسلام. كان رناَن وهانوتو ولورد كرومر يزعمون أن الإِسلام مناف للمدنية، مناقض للتقدم. فانبرى الإصلاحيون محمد عبده والأفغاني وغيرهما رحمهم اللّه ليدافعوا عن الإسلام ويهاجموا أعداء الإسلام. وكان مدار الدفاع والهجوم حول ما إذا كان الإسلام مناقضا للمدينة أولا. لم يطرح الإصلاحيون قبل تلك المعارك هذا السؤال البسيط، الضروري الحيوي مع ذلك : “ماذا تعنون بالمدينة والتقدم؟” ولأنهم لم يطرحوا هذا السؤال فقد انبروا يقاتلون على أرضية رتبها غيرهم، ومن جهة نظر لم ينكشف لها الوجه الحقيقي للخصم.

أمام الإسلاميين اليوم، ولمدة طويلة، عقول صيغت في تلك المدرسة المادية العقلانية التي كان رنان المؤرخ الفيلسوف وكرومر المستعمر الحاكم سلفها. فالمدنية والتقدم، وكل الإطار القيمي الغربي، مسلمات مفروغ منها.

بجهودنا المتواضعة مع الواقع، الدؤوبة الصابرة، الموفقة إن شاء اللّه، نُفهم بالحوار، ونمثل بالسلوك، أن التقدم والمدنية وكل المطالب الانسانية الشريفة، ماهيات بلا معنى، ومادة بلا روح، ما دامت لاتعطي للإنسان جوابًا عن وجوده، عن حياته ومماته. عن سر تقلبه في هذا الكون بين الطبيعة السائرة به ومنتجات فكره السائر بها.

نُفهم ونُمثل بالسلوك أننا لا نعتبر الغرب ولا الشرق الجاهليين شيطان بين ملعونين، لكن نعيد طرح السؤال والنقد. كل مسلّمة علمية وكل مبدإ علمي، وكل ترتيب، وكل مكتسبات العقل البشري والجهد البشري هي مكتسباتنا، هي حق إنساني ليس لأحد أن يضيمنا فيه.

الأصالة والحداثة وكل هذه المفاهيم الرائجة المائجة أفكار مهزوزة تتراقص في مخيلات متعبة. اسأل أيها المؤمن كتاب ربك عن التي هي أقوم، واسأل سنة نبيك صلى الله عليه وسلم عن المنهاج العملي إلى بلوغها. اسأل عن التعليم الالهي، والتكليف، والتوجيه، وعن النموذج النبوي، فإذا معك معيار الحق. وعلى اللّه قصد السبيل ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم.