بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

الأحبة الكرام في سجن فاس حفظكم الله ورعاكم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إخوتنا البررة: نسأل الله أن تجدكم هذه الكلمات في أحسن الأحوال أرواحا وقلوبا وأبدانا، وأن يجعلنا وإياكم ممن كتب الله لهم القبول والإقبال في هذا الشهر المبارك شهر الصيام والقرآن، وفي كل شهر وحين. آمين.

وبعد:

يمثل شهر نونبر في ذاكرتنا الجماعية، وذاكرتكم خاصة، تاريخا بارزا في سير دعوتنا الموفقة إن شاء الله. ففي الفاتح منه سنة 1991 ساقتكم أيادي القهر والظلم إلى مخافر التعذيب والتنكيل صحبة العشرات من إخوانكم حيث لفقت لكم بعد أسبوع من “الاستنطاق” تهم جنائية يعلم ألد أعدائكم أنكم منها برآء. وهكذا قلبت الحقائق أغرب قلب، فأصبح دعاة العنف الثوري -الذين عاثوا في الجامعة وأبنائها وبناتها فسادا وإفسادا وتسلطا وجورا- مجنيا عليهم مظلومين، وأمسيتم -أنتم من مورست عليكم كل ألوان الإرهاب الإيديولوجي- الجناة الظالمين.

وجاء النطق بالأحكام بعد شهرين. ففي9 يناير 1992 أصدرت “محكمة وجدة!” صواعقها: 20 سنة حبسا نافذا في حقكم، وما بين سنتين وخمس سنوات في حق إخوانكم الباقين.

وكمل الإخراج غير الفني للقضية! فإذا كان اعتقالكم ومحاكمتكم تتويجا لسلسة محاكمات طلبة الطب بالبيضاء في صيف 91 المعلوم بعد أن خاب سعي الحاكمين في مساومة قيادة الجماعة، فها هي السلطات تستقبل هذه القيادة المتصلبة قبيل أيام قلائل من خروجها من سجن سلا بهذه الهدية: 20 سنة.

20 سنة قضيتم منها أحبتنا اثني عشر عاماً بالتمام والكمال، تتالت خلالها أحداث وحوادث، وتغيرت أشياء وأزمان وأقوام، ولم يتبدل موقف السلطات منكم! عرف “العفو” طريقه إلى كل سجناء الرأي إلا إلى زنازين وقضبان معدودة منها قضبانكم التي أريد لها أن تبقى مغروزة في أكباد الأحباب والآباء والأمهات، ليمضي منهم إلى عفو الله من مضى وغصتكم في حلوقهم. رحمهم الله وبارك في أعمار الباقين وأعمالهم، وأقر أعين الجميع بكم في الدنيا والآخرة.

إخواننا الأخيار: لا يحتاج أحد إلى تذكيركم -إلا من باب أن الذكرى تنفع المؤمنين- بأن ما أنتم فيه إن كان ظاهره عذاباً وعنتاً، فباطنه والحمد لله وله المنة رحمة خالصة. وعند الصباح يحمد القوم السرى، صباحِ المنذَرِين القريب، وصباحٍ تشرق فيه الأرض بنور ربها ويوضع الكتاب.

وإنكم بفضل الله ورحمته لتتزودون خير الزاد لدنياكم ودنيا الأمة ولأخراكم، فغدا ستعرف الأمة حقيقتكم وحقيقة ما قدمتم دفاعا عن دينها، وسترى ما بذلتم وتبذلون من جهد ووقت لتحصيل علوم ومعارف هي في أمس الحاجة إليها. “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.

ونعم ما قدمتم لأنفسكم، وعند الله الجزاء أجرا ونورا: حفظتم كتاب الله فأبشروا إن شاء الله ب”اقرأ وارق”، وحصلتم من العلوم الشرعية والكونية ما يرفع به الله “الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”، وأحرزتم والحمد لله على شهادات عليا، وخلوتم لذكر الله وتربية نفوس على تزكيتها يتوقف الفلاح، وتطهير قلوب بسلامتها يتحقق الفوز المبين: الفوز بالله معرفة ومحبة وقرباً هنا، ونظرا دائما لوجهه الكريم في مقعد الصدق مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الذين أنعم الله عليهم. هذا ظننا بالمولى الكريم: “أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي عبدي ما شاء”.

أحبابنا: إنها لنعمة جليلة أن يكون للمؤمن موضع في قلوب عباد الله المؤمنين الصالحين، فكيف وأنتم

-والشكر لله- تتبوَّؤون في قلوب آلاف إخوانكم في كل أنحاء المعمور ومن دعائهم أسمى مقام. وأكيد أنكم لن تنسوا، ولن ننسى، زيارة الأستاذ المرشد حفظه الله لكم في أول خروج له بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار بعد صلاة الجمعة في 19 ماي 2000 حيث حرمكم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل من أعظم وصلة وأرحم صلة.

ذاك ظنهم أن يمنعوا ويقطعوا، لكن هيهات! فذكركم وذكراكم على لسان الأستاذ المرشد ودعائه وقلبه وتوجيهاته موصولة متواصلة والحمد لله. وآخر شاهد على ذلك هذا الأسبوع الأول الذي تلا ترحيلكم (في بداية رمضان !) من سجن القنيطرة المركزي إلى سجن فاس. ففي كل مجلس عام أو خاص يَذْكر أستاذنا المرشد برأفة ورحمة عنتكم وما عانيتم وما تعانون. وتعلمون علم اليقين أن قبول قلوب العارفين بالله للعبد “أصدق شاهد لسعادته.” أسعدنا الله وإياكم بصحبتهم في الدنيا والآخرة، وأسعدهم بنا وبإحساننا في القول والعمل الخالصين الصائبين آمين.

إخواننا وأحبابنا: نعم الموكب موكبكم، ونعمت المدرسة مدرستكم من لدن يوسف عليه السلام إلى فتية الأرض المباركة فلسطين، آه لشباب فلسطين!

فالصبر الصبر، واليقين اليقين، فالصبح قريب مهما بدا بعده، وحبل الجور منصرم قصير مهما بدا طوله. “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون … فأعرض عنهم وانتظر، إنهم منتظرون”.

تقبل الله صيامكم وقيامكم ودعاءكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الخميس 11 رمضان 1424هـ/ 6 نونبر 2003م

إخوانكم في مجلس الإرشاد

يسألونكم صالح الدعاء