المسلمون في العالم بحاجة ماسة لتوحيد الكلمة، والفكر، والخط، والمنهاج. من المسلمين من يقتصر في دعوته على العلم، ومنهم من يقتصر في تربيته على التقوى الفردية، ومنهم من يجعل كل همه الفكر الإسلامي، ومنهم من تغلبه الحركية فيتحرك على سطح الواقع لفقدانه عمق الإيمان الكفيل وحده بإكسابنا الثقة بالله، وترشيحنا لتلقي نصر الله، والخلافة في الأرض عن الله.

ومما يفرق ولا يجمع وجود صحبات لا تفضي لجماعة. ووجود تقوى لا تتفتح على جهاد.

يكون هذا حتى بين أولياء الله الصادقين أهل النور والفتح. ننظر إلى مستقبل الإسلام، ونحن على يقين من أن الخلافة على منهاج النبوة وعد من الله ورسوله غير مكذوب، وعد الله حقا، ومن أصدق من الله قيلا. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلا بد من أن يتولى تربية جند الله صالحو الأمة من أولياء الله. فإذا اعتبرنا أن من أولياء الله من لا وعي له بحاضر الإسلام ولا بمستقبله، ولا كفاءة له لتنظيم الجهاد وقيادته مع وجود فضله وعلمه، ومع ظهور كرامة الله له، برز لنا مشكل ليس بالسهل حله.

ذلك أن تعدد الصحبة، وتعدد “المتبوعين المقدمين” كما يعبر الغزالي، قد يكون سببا في صدع وحدة الجماعة. فإن أولياء الله العارفين به ما هم في درجة الصحابة رضي الله عنهم، فهم أكثر تعرضا للخلاف منهم. ولا هم معصومون. فيخشى أن ينشأ عن تفرقهم تفرق الأمة من حيث نسعى للجمع.

فكيف نجمع بين صحبة مشايخ يدلوننا على طريق معرفة الله فيربون لنا رجالا محسنين هم على كل حال صلب الجماعة وقوامها، مع الاحتفاظ بنظام الجماعة ووحدتها؟

فطر الله عز وجل هذا الإنسان على الأنانية والدعوى، فقلما ما تجد بشرا لا يحدث نفسه بالرئاسة على الأمثال حتى ولو كان من المؤمنين. قال أحد الصالحين : آخر ما يخرج من قلب العارفين بالله حب الرئاسة.

فنزيد على ما درج عليه سلفنا الصالح من شروط الولاية وأهلية التربية -وقد ذكرنا بعضها على لسان الجيلاني- شرطا نعتبره أساسيا للحفاظ على وحدة الصف.

نعتبر شيخا ومربيا صالحا للجهاد من آتاه الله من فضله، زيادة على ما يؤتي أحباءه من فتح، ومعرفة بربه، وتقوى، واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مزية لا تعدلها -بالنسبة لمستقبل الأمة- مزية، خصلة من خصال الإيمان لا تعدلها خصلة بالنسبة لمستقبل الأمة، ألا وهي جمع الجماعة والحفاظ على وحدتها.

يشجع جند الله على صحبة من ظهر فضله من صالحي الأمة وعلمائها العاملين بشرط، هو أن لا تتنافى تلك الصحبة مع الجماعة، أي لا يغلب جانب التأمل، والذكر المنفرد، والتقوى الانعزالية والخلوة القاعدة، جانب التحرك والجهاد لإقامة الدولة الإسلامية والخلافة على منهاج النبوة.