الجنة دار ضيافة دائمة

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن تزيين وجه العالم بهذه المصنوعات الجميلة اللطيفة، وجعل الشمس سراجاً، والقمر نوراً، وسطح الأرض مائدة للنعم، وملأها بألذ الأطعمة الشهية المتنوعة، وجعل الأشجار أواني وصحافاً تتجدد مراراً كل موسم.. كل ذلك يظهر سخاءً وجوداً لا حد لهما. فلابد أن يكون لمثل هذا الجود والسخاء المطلقين، ولمثل هذه الخزائن التي لا تنفد، ولمثل هذه الرحمة التي وسعت كل شئ، دارَ ضيافة دائمة، ومحل سعادة خالدة يحوي ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتستدعي قطعاً أن يخلد المتلذذون في تلك الدار، ويظلوا ملازمين لتلك السعادة ليبتعدوا عن الزوال والفراق، إذ كما أن زوال اللذة ألم فزوال الألم لذة كذلك، فمثل هذا السخاء يأبى الإيذاء قطعاً.

أي أن الأمر يقتضي وجود جنة أبدية، وخلود المحتاجين فيها؛ لأن الجود والسخاء المطلقين يتطلبان إحساناً وإنعاماً مطلقين، والإحسان والإنعام غير المتناهيين يتطلبان تنعماً وامتناناً غير متناهيين، وهذا يقتضي خلود إنعام مَن يستحق الإحسان إليه، كي يظهر شكره وامتنانه بتنعمه الدائم إزاء ذلك الإنعام الدائم.. وإلا فاللذة اليسيرة – التي ينغّصها الزوال والفراق – في هذه الفترة الوجيزة لا يمكن أن تنسجم ومقتضى هذا الجود والسخاء.

نعم، إن الزهرة الجميلة وهي في غاية الزينة والزخرفة، والثمرة المنضّدة وهي في منتهى الإتقان والإبداع، المعلقتين بخيط دقيق في نهاية أغصان يابسة يبوسة العظم.. لاشك أنهما “لوحة إعلان” تجعل ذوي المشاعر يقرءون فيها محاسن صنعة الصانع المعجز الحكيم!.. قس على النباتات الحيوانات أيضا.

ولما كان ذلك الجود في العطاء غير المحدود، وذلك الحسن في الجمال الذي لا مثيل له، وذلك الكمال الذي لا نقص فيه.. يقتضي خلود الشاكرين، وبقاء المشتاقين المستحسنين، ونحن نشاهد رحلة كل شخص واختفاءه بسرعة في دار ضيافة الدنيا هذه، دون أن يستمتع بإحسان ذلك السخاء إِلا نزراً يسيراً بما يفتح شهيته فقط، ودون أن يرى من نور ذلك الجمال والكمال إِلاّ لمحة خاطفة. إذن الرحلة منطلقة نحو متنزهات خالدة ومَشاهدَ أبدية.

الجنة والنار

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إذا نظرنا بتدبر وإمعان إلى هذا الكون، نلاحظ أن فيه عنصرين ممتدين إلى جميع الجهات بجذور متشعبة؛ كالخير والشر، والحُسن والقبح، والنفع والضرّ، والكمال والنقص، والضياء والظلمة، والهداية والضلال، والنور والنار، والإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، والخوف والمحبة… فتصطدم هذه الأضداد بعضها بالبعض الآخر بنتائجها وآثارها مظهرة التغيرات والتبدلات باستمرار وكأنما تستعد وتتهيّأ لعالم آخر. فلابدّ أن نتائج ونهايات هذين العنصرين المتضادين سوف تصل إلى الأبد وتتميز فيفترق بعضها عن بعض هناك. وعندئذ تظهر على شكل جنة ونار.. ولما كان عالم البقاء سيبنى من عالم الفناء هذا، فالعناصر الأساسية لعالمنا إذن ستساق وترسل حتماً إلى البقاء والأبد.

نعم، إن النار والجنة هما ثمرتا الغصن المتدلي الممتد إلى الأبد من شجرة الخليقة، وهما نتيجتا سلسلة الكائنات هذه، وهما مخزنا سيل الشؤون الإلهية، وهما حوضا أمواج الموجودات المتلاطمة الجارية الى الأبد، وهما تجلّيان من تجليات اللطف والقهر.

لـمّا انقضى مجلس الامتحان فى الدنيا، وانتهى وقت الاختبار، وأظهرت الأسماء الحسنى حكمها، وأتمّ قلم القَدَر كتابته، وأكملت القدرة نقوش إبداعها، ووفّت الموجودات وظائفها، وأنهت المخلوقات مهامها، وعبّر كل شئ عن معناه ومغزاه، وأنبتت الدنيا غراس الآخرة، وكشفت الأرض جميع معجزات القدرة وخوارق الصنعة للخالق القدير، وثبّت هذا العالم الفاني لوحات المناظر الخالدة على شريط الزمان.. عندئذٍ تقتضي الحكمة السرمدية والعناية الأزلية لذي الجلال والإكرام أن تَظهَر حقائق نتائج ذلك الامتحان ونتائج ذلك الاختبار، وحقائق تجلّيات تلك الأسماء الحسنى، وحقائق كتابات قلم القدر تلك، وأصول تلك النماذج لإبداعات صنعته سبحانه، وفوائد وغايات تلك الوظائف للموجودات، وجزاء تلك الخدمات والمهام للمخلوقات، وحقائق معاني تلك الكلمات التي أفادها كتاب الكون، وظهور سنابل بذور الاستعدادات الفطرية، وفتح أبواب محكمة كبرى، وإظهار المناظر المثالية التي التقطت في الدنيا، وتمزيق ستار الأسباب الظاهرة، واستسلام كلُّ شيء إلى أمر خالقه ذي الجلال مباشرة..

ويوم تتوجه إرادته سبحانه لإظهار تلك الحقائق المذكورة لتنجّي الكائنات من تقلّبات التغيّر والتحول والفناء ويوهب لها الخلود، وليميّز بين تلك الأضداد وليفرق بين أسباب التغيّر ومواد الاختلاف، سيقيم سبحانه القيامة حتماً مقضياً، وسيصفّي الأمور لإظهار تلك النتائج، وستأخذ جهنم في ختامها صورة أبدية بشعة مريعة وسيُهدِّد روّادها بـ (وامْتازوا اليَومَ أيُّها المُجرِمون.) (يس:59)

وتتجلى الجنة بروعتها وأبهتها الجمالية الخالدة ويقول خزنتُها لأهلها وأصحابها: (سَلامٌ عَلَيْكُم طِبْتُمْ فادْخُلوها خَالِدين) (الزمر:73) وسيمنح القدير الحكيم بقدرته الكاملة أهل هذين الدارين الخالدين وجوداً ثابتاً أبدياً خالداً لا يعتريه تغيّر ولا انحلال ولا شيب ولا انقراض، فليس هناك أسباب ومبررات للتغير المؤدي إلى الانقراض.

البعث والحشر

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن إنشاء جميع الأشجار والأوراق التي يزيد عددها ألف مرة على مجموع البشرية، دفعة واحدة في غضون بضعة أيام في الربيع، وبشكل كامل، وبالهيئة نفسها التي كانت عليها في الربيع السابق، وكذلك إيجاد جميع أزهار الأشجار وثمارها وأوراقها بسرعة خاطفة، كما كانت في الربيع الماضي، وكذلك تنبّه البُذيرات والنوى والبذور وهي لا تحصى ولا تعد والتي هي منشأ ذلك الربيع في آن واحد معاً وانكشافها وإحياؤها، وكذلك نشور الجثث المنتصبة والهياكل العظمية للأشجار، وامتثالها فوراً لأمر “البعث بعد الموت”، وكذلك إحياء أفراد أنواع الحيوانات الدقيقة وطوائفها التي لا حصر لها بمنتهى الدقة والإتقان، وكذلك حشر أمم الحشرات ولا سيما الذباب (الماثل أمام أعيننا والذي يذكرنا بالوضوء والنظافة لقيامه بتنظيف يديه وعيونه وجناحيه باستمرار وملاطفته وجوهنا) الذي يفوق عدد ما ينشر منه في سنة واحدة عدد بني آدم جميعهم من لدن آدم عليه السلام.. فحشر هذه الحشرة في كل ربيع مع سائر الحشرات الأخرى وإحياؤها في بضعة أيام، لا يعطي مثالاً واحداً بل آلاف الأمثلة على إنشاء الأجساد البشرية فوراً يوم القيامة.