آصَف بن برخيا اسم الرجل الذي أحضر لسليمان عليه السلام عرش الملكة بلقيس. كان عبدا صالحا يعرف اسم الله الأعظم، استخدم بركته في خدمة نبي الله لغرض ديني فاستحق الثناء من الله عز وجل.وعبد آخر مخذول اسمه بَلَعَم بن باعوراء تعلم اسم الله الأكبر ودعا به على نبي الله موسى عليه السلام فأخزاه الله، وجعله مثلا سيئا يُتلى في القرآن. قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه. فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)سورة الأعراف بعد بضع آيات يقول تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)سورة الأعراف. الإلحاد في أسمائه تعالى هو الميل بها والانحراف عنها، إما بتأويل الصفات الإلهية تأويلا معطلا، وإما بذكر الأسماء الحسنى ابتغاء قضاء حوائج دنيا.

الإلحاد في أسماء الله بالمعنيين انحراف وميل إلى السُّفل وإلى الدناءة والهَلَكة. وكما أن المعجزات والكرامات معالم ودلائل على مراقي الأنبياء والأولياء، فالاستدراج، وهو ظهور الخوارق على يد الملحدين في أسمائه تعالى أمثال بلعم، دليل على مقت الله. قال تعالى في إثر الحديث عن بلعم وعن الإلحاد في الأسماء الحسنى: (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم. إن كيدي متين) سورة الأعراف. قال ابن كثير: “معناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووُجوهَ المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا. والحمد لله رب العالمين) سورة الأنعام.

البرخيون، أصحاب الكرامات يسخرونها بالحق في الحق، أولياء مهتدون، والبلعميون مخذولون مستدرجون، ابتلاهم الله بظهور الخوارق على يدهم فزلَّت أقدامهم وأبلسوا. وإن لله عز وجل أبواب فتح لأوليائه، تخرج إليهم الهداية من باب ( إنا فتحنا لك)، وله عز وجل أبواب فتح على المستدرجين، تخرج عليهم البلية من باب (فتحنا عليهم أبواب كل شيء بين فتحنا لك وفتحنا عليهم تكمن حكمة الله البالغة التي يتقابل فيها النظراء في المظهر النقضاء في المخبر. مع المفتوح لهم من أهل النور الأولياء خوارق، ومع المفتوح عليهم من أهل الظلام خوارق. هؤلاء مُبعَدون ملعونون، وأولئك مقربون محبوبون.

قال الإمام الرفاعي قدس الله سره: “أي بني! اعلم أن الله تعالى ربما يزين أعداءه بلباس أصفيائه وأوليائه حتى إنهم يغترون بصفاء الأوقات، ويحسبون أنهم من أهل الولاية. فهذا من الله لهم استدراج”.

مخالفة الخوارق للشريعة في أهدافها وما ترمي إليه هي الدليل على أنَّها من قبيل الاستدراج. وهي عندئذ إما شيطانية من أعمال الجن، وإما نفسية من مظاهر المَلكات الخارقة التي تكتسب بالرياضة، أو يُظهرها الله فيمن شاء ابتداء وابتلاء بلا رياضة ولا تعمل. الكرامات إلهية ملكية قلبية، والاستدراجات شيطانية نفسية شهوانية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يتكلم في الموضوع كلام خبير مجرب مطلع: “الخارق كشفا كان أو تأثيرا، إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا. إما واجب وإما مستحب. وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي الشكر. وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعم بن باعوراء. لكن قد يكون صاحبها معذورا لاجتهادٍ أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غَلَبة حال، أو عجز أو ضرورة.(…).

قال: “والنهي قد يعود إلى سبب الخارق، وقد يعود إلى مقصوده. فالأول مثل أن يدعوَ الله للظالم بالإعانة، ويعينَه بهمته كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال”.

من قوله: “خُفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال” يتبين لأهل هذا الفن ما عند الرجل من خبرة دقيقة بموضوعه. فإن من الذاكرين والمجاذيب وأصحاب الخوارق طائفة لا تتقيد في طلبها من الله بقيد. وقد يدعو أصحاب الأحوال بنصر العدو، وقد يقفون بهمتهم المتيقظة بجانب الظلمة ضد المُصلحين من أمثال ابن تيمية. وإن سألت أيها الأخ الكريم : لماذا؟ فجوابك في قوله تعالى: (إن كيدي متين) سورة الأعراف، الآية: 183

ويغتر العامة ممن لا خبرة لهم بأن مَكر الله خيرٌ وكيده متين بالخوارق والتصرفات والتأثير بالهمة التي تظهر على من يكون شيطانيا محضا أو مستدرَجا بلعميا أو متريضا نفسيا. قال شيخ الإسلام: “وتجد كثيرا من هؤلاء ( المغترين ) عُمدتُهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر منه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو يُنفق بعض الأحيان من الغَيب، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه جاءه فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سُرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض”.

إن الظواهر الخارقة، ما بين شيطانية جنية وما بين نفسية رياضية، تملأ حيزا واسعا من حياة الناس في عصرنا، وحيزا أوسع من اهتماماتهم وعقائدهم. فالمصابون بالجنون الذين اعتدى عليهم جني، يعمل في حرفته الإجرامية مفردا أو مع عصابة شيطانية منظمة، يُهرعون إلى العرافين والعرافات للاستشفاء، فيسقطون في الأحضان الشيطانية سقوطا كليا. وقد كان ابن تيمية رحمه الله خبيرا بصرع الجن وقهرهم، صرعُهم بالقرآن والذكر سنة وعمل صالح ودفاع عن المظلومين، والتفاوض معهم في ردهات العرافين بِدْعة وغواية وتورط فظيع، ولا يزداد الجن العادي إلا عدوانا.

منذ نحو مائة سنة ظهرت في أوربا حفلات ما يسمى باستحضار الأرواح. وشاعت هذه البدعة وذاعت، واشتغل بممارستها ودراستها هواة متخصصون وبحاثون. وما هي إلا لعبة عصرية من ألاعيب شياطين الجن، يوهم القرينُ الشيطاني ورثَة الميت “المستحضر” أنه هو روح ميتهم ويُدلي إليهم بما يعرفه من حال الميت من دقائق وأسرار فيقنعهم ببراهين واقعية أنه هو، حتى أنه ليكتب لهم خطا مثل خطه، أو ينشدهم شعرا مثل شعره كما وقع في مصر في سنة 1949 من تاريخ النصارى، حين أملى قرين جني على امرأة تسمى بديعة قصائد طنانة هي أشبه شيء بشعر شوقي رحمه الله. والمرأة لا ثقافة معها ولا معرفة بالشِّعر.

وجود القرين الجني الذي يعيش مع كل آدمي عمرَه، يلازمه ويطلع على كل أحواله ثم يموت الآدمي ويعيش الجني قرونا بعده، يفسر جانبا كبيرا من النشاط الشيطاني الذي يُقعد الناس في الشرق والغرْب إلى الموائد الدَّقاقة يستمعون إلى “الوسيط” وهو يترجم لهم كلام “الروح” المتسكعة، أو يحسبون النَّقرات ويجمعون الحروف ليتلقوا “برقية عالم الغيب” في إخراج مثير يتقنه الشياطين دائما.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ديننا: “ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة”. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: “وإياي! ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بحق”. رواه أحمد ومسلم عن عبد الله بن مسعود.

أخطرُ من لعب القرناء بالمستدرجين من كل صنف، وأخطر من الرهبنة النصرانية، دعوة “الروحانية” الهندية الهندوسية. عرفت هذه الهَوَسِية مدّا واسعا وشهرة عالمية بما يظهره رهبانها المتزهدون من خوارق عجيبةٍ، وبما يبعثونه في نفوس الغرب المادي المتعطش للروحانية من آمالٍ في نعمة الهدوء النفسي والطمأنينة التي تصبو إليها الفطرة البشرية، والتي لا تحصل إلا بذكر الله بعد الدخول في الإسلام وتعلم الإيمان

. ظهر في القرن الماضي في الهند مجدد كبير لديانتهم الوثنية اسمه “راما كرشنا”. قال عنه غاندي: “إنه مَثَلٌ للعقيدة الحية الساطعة التي تحمل في طياتها العَوْن والقوة لآلاف من الرجال والنساء لولاه لظلوا محرومين من النور الروحي”.

يدعو راما كرشنا وغاندي في أثره وأشياعه من بعده إلى توحيد الأديان، لأن كل الأديان العظمى في زعمهم تنتهي، بواسطة طرق متباينة، إلى إله واحد.

هذه الدعوة الظلمانية فتح الله على أتباعها من يوكيين ومتزهدين أبواب كل شيء مما يحيِّر العقول ويبهر الناظرين. ومع بضاعة الاستدراج الخارقة يقدم دعاة راما كرشنا، الذي أصبح اسمه هُتافا عاليا في شوارع العواصم العالمية، طَبَقاً مسموما، هو طبق وحدة الوجود الوثنية. قال كرشنا: “اختر لنفسك أي اسم، واختر من صور الله وأشكاله وألوانه أية صورة وأي شكل وأي لون، واعبد الله فهو في كل شيء”.

إلى جانب “الروحانية” الهندية، والحفلات القرينية، والزار، والسحر، والعرافة، يبدو وكأنَّهُ لعبُ أطفال ما وُلع به الغربيون في أمريكا وأوروبا، وما تخصص فيه الروس الملاحدة أنفسهم، من أبحاث في “الباراسيكولوجيا” و”التلباتي” و”التلكنزيا” وغيرها من الظواهر التي لا يحصيها العد نوعا ولا كما. يهتم الغرب، ويتسابق مع روسيا، لمعرفة الأسباب الخفية وراء انتقال الأشياء من مكان إلى آخر دون أن يَمَسَّها أحد، وانفتاح النوافذ، وانطفاء الأضواء، وظهور أشباح في أماكن معينة، وارتفاع أشخاص في الهواء، وقراءة بعض الناس بأصابع اليد بدل العين، وقراءة بعض الناس أفكار الآخرين، والتنويم المغناطيسي، ورؤية الخفايا، وسمع ما لا يمكن للإنسان العادي أن يسمعه، ورهافة الحواس حتى إنها لتدرك ما لا تدركه إلا الآلات الإلكترونية، والنبوغ المبكر الخارق عند أطفال يحسُبون أسرع من الحاسوبات الإلكترونية ويدخلون الجامعة في الخامسة من العمر، وتحدُّثُ بعض الناس بلغات ميتة أو حية دون سابق تعلم، والصحون الطائرة إلخ.

فتح الله أبواب كل شيء على الملحدين في أسمائه، المستدرجين إلى حيث يعلم هو وحده. العقلانية المخترعة المنظّمة تحاول أن تُحكم قبضتها على ما يستعصي قبضه ويستحيل. معاهد للبحث العلمي المتخصص، وجبال من المعطيات، وإحصائيات تتراكم، ومناهج تكتشف وتُصَوِّب. والقوم جادون كل الجد في أبحاثهم، ينفقون على مشاريع هذه العلوم، التي يستحدثون لتسميتها قاموسا جديدا، بسخاء، رجاء أن يسبقوا إلى سرّ يمكن استعماله، يعطي تفوقا استراتيجيا.