أمريكا مجمع الأجناس، أمريكا المتدينة، أمريكا معقل الحريات، أمريكا العجائب والمنجزات، وناطحات السحاب والتفاهات.أمريكا الغازية زعيمة العالم. أمريكا داعية حقوق الإنسان.

على مشارف منهتن بنيويرك ينتصب تمثال الحرية. نيويورك عاصمة الرأسمالية البرتستانية التقية المتطورة بنت مجدها على جماجم شعوب الهنود الحمر وعظام أجيال من السود المستعبدين.

تحمل أمريكا اليوم لواء حقوق الإنسان، ولواء الأخلاقية الدولية والعدل الدولي والنقاوة.

أديان امريكا بالعشرات، أشكال وألوان. أهمها دين الدولار وكنيسة الدولار في وول ستريت والأبناك العملاقة.

ثم شتيت من الكنائس المزدهرة، وطوائف وملل ونحل. عبادة العجل الذهبي تعم وتوحد. وعبادة وقوة. والوفاء لحلم الرواد المؤسسين الذين كتبوا على الدولار عبارة “بالله نثق”، حلم “الطريق الأمريكية في الحياة “. من ملامح هذه الطريق أن تتجاور عبادة الشيطان مع طقوس المتنبئين المحليين. وهل الشيطان هناك زائر غريب؟

ويغدق الأمريكان الأموال على كنائسهم، وتنهال العطايا على القس النجم التلفزيوني الذي يجمع ملايين الدولارات حتى ينكشف يوما أنه منافق داعر.

القس التلفزيوني رمز لنفاق هذه الدعاية من ألفها إلى يائها. كما هو نفاق لعبها ولعب خلفائها في أوربا بشعارات الحريات والديموقراطية واختيار الشعوب مصيرها.

ونفتح قوسين قبل أن نوغل في الموضوع لنحيي الجمعيات الحرة المدافعة عن حقوق الإنسان حقا وصدقا. هذه الجمعيات غير الحكومية هي صوت الضمير الغربي الغاطس في جبروته. وهي المحاور المنتظر للإسلام، عسى تكون لمروءتها أذن تسمع يوما نداء الإسلام إلى حقوق الإنسان كاملة غير منفوصة، أرضية سماوية، تمنع تعذيب الإنسان في الدنيا وتعريضه لعذاب الآخرة .

من هذه الجمعيات مؤسسات تنصيرية كاثوليكية وبرتستانية لها من الأموال والوسائل والجامعات المنتشرة في أنحاء العالم شبكة محبوكة. هذه تقوم بوظيفتين بين المسلمين المفقرين، تتبنى أطفالهم لتنشئهم على ملتها، وتعطي وتمنع حسب استجابة الناس للدعوة النصرانية وامتناعهم. هذه لايغني شيئا أن نندد بها وبأفعالها. إنما يغني ان ننبري نحن لمساعدة المنكوب والمحروم. ولايدفعنا التوجس إلى تعميم الريبة في نوايا جملة الجمعيات غير الحكومية. ففيها من أهل المروءة خيار الجاهلية من لنا معهم حوار.

أصبح لنداء حقوق الإنسان الذي تتغنى به دولة الدولار استجابة عالمية. يهفو المظلومون والمقهورون إليه متطلعين للعدل والكرامة والإنصاف والحرية.

وما هذا النداء الكريم، لو لم يرفع به خسيستهم منافقون، إلا المروءة الكبرى التي ينبغي أ، يجتمع عليها بنو الإنسان ويجعلوها ميثاقا لإنسانيتهم.

لكن نداء المنافقين أحبولة وغطاء لإرادة السيطرة على بني الإنسان. نداء يمر من قنوات الإعلام الصاخب الغاضب، يسمعه ذوو النيات المترقبة، والأجسام المعذبة، والكرامة المهانة، والدماء المسفوحة، فينتعش فيهم الأمل لحظة ليخيب سريعا عندما تكشر عن أنيابها الأنانية الغربية والمصلحة الغربية والإستراتيجية الغربية المتوجة لمستقبل تغطي فيه عملها الشائن ببرقع التقوى والطهر المتمثل في مبدأ حقوق الإنسان.

لاتسمع لما يقولون، بل انظر إلى ما يفعلون.

يهيئون للمستقبل قانونا دوليا يقضي بحق القوى الكبرى في التدخل في بلاد الآخرين لتقويم المعوج وإصلاح الفاسد وإنصاف المظلوم، وإنقاذ المضطهد.

قانون حق التدخل لحماية حقوق الإنسان أغنية جديدة لتغطية القانون القديم الاستعماري الذي بمقتضاه رسم الغزاة سفاكو دماء الشعوب خارطة العالم بالأمس. يخولهم القانون الجديد ممارسة التشريح والتمزيق والتحريق.

بصيغة مستعجلة لهذا القانون خول الأمريكان لأنفسهم تحريق العراق الشهيد. لانبرئ ذمة الغزاة بفعلة بطلنا القومي الصامد المسؤول الأول عن المحرقة.

خطاب حقوق الإنسان والقانون المتوقع الذي يتوجه، ماهما إلا كذب وبهتان سياسي ذو خلفية أخلاقية مثلما تزور على المسرح لوحات عمارة ولاعمارة.

فلسطين شاهد اول على ازدواج المعيار. الذي به تكال حقوق الإنسان. لليهود المستهترين بمآت القرارات من الأمم المتحدة الحق في هتك المسلمين. والظهر محمي، والمال منهال، والطفل الامريكي مدلل.

وتلهب امريكا العالم غضبا وغيظا لما مست مصالحها في الكويت، ومايكاد يصدر، بل يستصدر، أول قرار لمجلس الأمن ضد العراق حتى تخف أساطيل الجو والبحر، وجحافل ثلاثين دولة، وضجيج البرق، ورعد الغضب للقضاء على صدام خائن حقوق الإنسان.

لو قتل صدام عشرة ملايين مسلم شيعي، وأقام مائة محرقة مثل محرقة حلبجة التي صب فيها النار على خمسة آلاف مسلم كردي لما تحرك عرق في وجه حماة حقوق الإنسان المزعومين.

يكذب دعاة حقوق الإنسان وفلسطين الشاهد الأول. ويكيلون بمعيارين ويهود الإحتلال شاهد على محرقة العراق.

وشاهد ثالث على الكذب والتطفيف هو ما نعيشه هذه الأيام بأسى وحسرة وألم من تقتيل إخواننا المسلمين بالبوسنة والهرسك. مأساة لايطيق التعبير عنها الكلام.

وتتفضل الدول الحامية السامية بإرسال دفعات من “المساعدات الإنسانية”. مساعدات تقول بلسان حالها للصرب الشرسين: اتموا العملية ونحن معكم.

لو قتل امريكي واحد في مجاهل العالم لقامت القوى الكبرى إلى جانب القوة الكبر، ولتجند إنس الأرض وجن الغواصات والطيارات للدفاع عن حقه. لكن البوسنة والهرسك مجرد مسلمين، آخر ما ينبه الضمير العالمي الرسمي أن يقتل مسلمون، او ان تسبى مسلمات، وان يعذب أطفال مسلمون. لو قالوا “حقوق الإنسان الغربي السيد” لصدقوا.

هذه هي حقوق الإنسان كما تمارس فعلا، لاكما تلاك قولا منافقا.

بعد هذه الفذلكة المؤلمة نقول كلمتنا عن حقوق الإنسان. لأن التهمة الموجهة، من بين حراب الغزو، إلى الإسلاميين تقول عنهم الأقاول وتنسبهم إلى الهمجية والقسوة.

ويجد المتهمون سندا لمرافعتهم في عدوانات حقيقية ارتكبها ملتحون، كما يدعمون مرافعتهم بحجج ملفقة مزورة.

يسمون إرهابا ما يرتكبه مضطهدون سدت في وجوههم الطرق، وأغلقت المنافذ، وشردوا، يدافعون عن حقوقهم بالعنف المضاد.

ويسمون إرهابا ما ترتكبه منظمات عنيفة أصلا، إرهابية قصدا.

كلمتنا اننا ننكر أشد الإنكار ونشمئز أشد الاشمئزاز من تفخيخ الطائرات وقتل الأبرياء والعدوان على أهل الأمان.

ديننا أن أهل الأمان في ذمة المسلم أن يحميهم. فإن عدا علينا عاد ونقض عهد الأمان الذي بيننا وبينه، أو خفنا منه غدرا فالطريق الإسلامية أن ننبذ إليه على سواء. أي ان نخبره بكل وضوح أن مابيننا وبينه قد ألغي، وأنها الحرب.

الأصل في تعايش أهل الأرض الأمان. والإستقرار العالمي مطلب لنا عزيز.

ذلك اننا لنا دعوة نريد أن نبلغها للعالمين. وهي دعوة رفق لاعنف، وصدق لانفاق، وترغيب لاترهيب، واختيار لاإكراه. وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة.

والصومال سجون القمع ومعتقلات التعذيب، إن هي إلا حلكة آخر الليل، يتلوها إنشاء الله صبح النصر.

يقول السجل التاريخي عن المسلمين ماكانو قساة ولاجفاة ولاجلادين للشعوب يوم برزوا بتلك القوة على مسرح العالم. مادخل الناس في دين الله تحت طائلة السيف، بل حبب إليهم الاسلام فضائل الإسلام وحبب إليهم الإسلام رفق المسلمين بهم وعدلهم واحترامهم لحقوق الإنسان.

دعابة واحدة، وفرية تسافر في الزمان جيئة ودهابا لتلصق بالمسلمين تهمة أنهم إرهابيون سفاكون.

يتحرك العالم وتتغير الظروف ويتقدم التاريخ ووسائل الإنسان، لكن المسلم لايمكن أن يسلم له دين ولايصلح له حرث آخرته إن ظلم وتكبر في الأرض وطفف الكيل والميزان.

تربويات وأخلاقيات صنعت الأولين فسجلوا على دفتر حقوق الإنسان سطورا من نور، لايخرج من مسجدها ومدرستها إلا أمثال للمتقين رهبان الليل فرسان النهار.

وذلك ماتعبر عنه مقالة إمامنا مالك:” لايصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. ذلك ما نفهمه نحن عن مقالته رحمه الله. وذلك ما سجله تاريخ مضى ويخطط له تاريخ مستقبل إنشاء الله.

والشاهد على الماضي من المنصفين إن قل المنصفون.

طوماس أرنلد باحث إنجليزي علم في جامعات الهند منذ قرن من الزمان، عاشر المسلمين الهنود، واعجب بأخلاقهم وروحانيتهم. وإن لذاك الشعب الحر لأخلاقا روحانية.

وكتب كتابا جند له علومه المتنوعة ولغاته الشرقية الغربية، وجند له معارفه وأصدقاءه. فاستخرجوا له من وثائق الكنائس والديرة والمكتبات الخاصة والعامة خبايا تنم عما يكتمه أعداء الإسلام، وما اعترف به قسيسو الكنيسة أنفسهم.

كان طوماس ملما بالعربية والفرنسية والأردية إلمامه بمعظم اللغات الأوربية. وجمع في كتابه نصوصا يونانية ولاتينية وإيطالية وإسبانية وهولندية وفرنسية.

عنوان كتابه” الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية”. وهو مترجم إلى العربية، ترجمه الدكتور حسن إبراهيم مع طائفة من المتخصصين في اللغات والتاريخ. فالكتاب معلمة تاريخية.

مسح الكتاب بلاد المسلمين شرقها وغربها منقبا عن شهادات منصفة للمسلمين. ينتقل الكتاب في بحثه من بلاد العرب إلى آسيا الغربية وإفريقيا وإسبانيا وفارس والهند والصين والملايو. ويورد الحجج المقنعة والأدلة القاطعة، وكأنه في محكمة يرافع عن قضية آمن بها وبعدالتها ومعه الحجج التي لاتقاوم.

ـ أترك للكتاب التعبير عن نفسه وعن قضيته لمن يضرب بيده خزانة أو يظفر به في مكتبة أو يتفضل فيطبعه تعميما للحجة.

وأنقل من مقدمة طبعته الثالثة لسنة 1935 من تاريخ النصارى هذه الكلمات لمنصف إنجليزي آخر يدعى سيل كتب منذ أزيد من قرنين ما يلي:”صادفت شريعة محمد (نقول صلى الله عليه وسلم) ترحيبا لامثيل له في العالم. وهؤلاء الذين يتخيلون أنها قد انتشرت بحد السيف وحده إنما ينخدعون إنخداعا عظيما”

حد السيف كان القوة التي أزاحت سلطان الظالمين من على صدر الأقوام المستعمرة المقهورة المصدودة عن سبيل الله. والعدل والنموذج الطيب حببا الإسلام إلى النفوس.

ماهي كلمتنا في حقوق الإنسان ورسالتنا في الموضوع؟

ماهو القانون الشرعي الذي به نواجه القانونية الدولية التي يتحكم في قراراتها خمسة مجلس الأمن الكبار؟

ماهو القانون الأتقى الذي نقابل به قانون الأقوى؟

( إن أكرمكم عند الله أثقاكم). لم يقل الله تعالى أقواكم.

رأس حقوق الإنسان عندنا، وأم الحريات، ومنع الكرامة، تحرير إنسان من كل عبودية غير العبودية لله رب العالمين لا شريك له.

ومن حقه في معرفة ربه وخالقه تنبثر سائر الحقوق. بمعرفته لله رب العالمين وربه يكون حق الآخرين عليه واجبا دينيا يؤديه بإخلاص ووفاء، عبادة يعبد بها ربه، لاتعاملا مع القانونية البشرية.

هذا الإنسان الشارد من ربه الجاهل بخالقه لاتجد من يرفع عقيرته احتجاجا على هضم حقه الأول، حقه في معرفة حقيقة وجوده، ومآله، ومعناه.

الكون جملة مفيدة، مامن حرف فيها إلا له معنى، ما من ساكن ولا متحرك إلا له فائدة وصلاحية ومنطق ينسقه في المنظومية الكونية. كل ما في الكون يكتسب صلاحيته ومنطقه ووظيفته ومعناه من الإنسان.

من الذرة إلى الأفلاك نظام كامل يشد بعضه بعضا، ويفسر بعضه بعضا، وينطق كله بلسان الحال مخاطبا من يعقل أنه مهد ممهد للإنسان، لمأكل الانسان، ومشربه، وملبسه، ومأواه، ودفئه، وراحته، وبلائه، واختباره، وتعارفه، وتواصله.

الشمس والقمر والبر والبحر والشجر والثمر والدواب والأنعام والعقل العجيب المركب في الجسم الغريب.

يكفر الإنسان الجاهل بأعظم حقوقه لأنه لايعرف الله. (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم. وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين. وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه. وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار). سورة إبراهيم 32-34