وأنا أتابع عبر الصحف والفضائيات قراءة المفكرين والمحللين السياسيين لحركة المقاومة الإسلامية حماس، أري أن عددا منهم يجهل حقيقة هذه الحركة رغم أنها حركة تتميز بالصراحة والصدق والوضوح، وأنها صفحة مفتوحة لمن أراد أن يقرأها بعيدا عن عوامل التأثير التي من شأنها أن تجعل الشهد علقما، وصدق المتنبي وهو يقول:

ومن يك ذا فم مر مريض ـ يجد مرا به الماء الزلالا

وأعتقد أن شطحات بعض المحللين لها أسبابها ولكنها أسباب غير مبررة، فكثير من هؤلاء المفكرين عايش حركات تقول ما لا تفعل، لا تعرف إلا سياسة التمويه أو التدليس، والتمويه جيد إذا ما مورس لتضليل العدو، لكنه يعد استغفالا للشعب إذا ما مورس لتضليل الشعب، ومنهم من كان لصيقا لحركات تقيم علاقاتها فيما بينها علي قاعدة التنافس المقيت علي المناصب لتحقيق الأهداف الشخصية علي حساب المصلحة العامة، مما يؤجج نار الحقد بين أبناء التنظيم الواحد، وهناك من عايش حركات تصنع قراراتها من خلال رؤية الفرد الذي إذا قال أمَّن علي قوله المجموع، فيُسقط هؤلاء المفكرون هذه الصور السيئة علي حركة حماس، فلا يأخذون أقوالنا علي محمل الجد، ولا يفهمون روابط الأخوة التي تربط قيادة الحركة بعضها ببعض، وتربط القيادة بالقاعدة، وتربط القاعدة بالقاعدة، ولا يستطيعون أن يتفهموا عملية اتخاذ القرار في حركة حماس والتي تستند إلي رأي الأغلبية من خلال الشوري الملزمة، وينسون في غفلة من أمرهم أن تأليه الفرد ليس من أعراف هذه الحركة الإسلامية، بل يتناقض مع مبادئها التي هي مبادئ الإسلام.

وما من شك أن الجهل بواقع الحركة يؤدي إلي استنتاجات وقراءات خاطئة، فكم من متنبئ بأن الحركة علي وشك الانقسام والتشرذم، وتمر الأيام مؤكدة علي عكس ما ذهب إليه، فتثبت قوة تلاحم هذه الحركة ولكن صاحب النبوءة الخاطئة تلك لا يروق له أن يراجع نفسه حتي يتجنب تكرار الخطأ، ولكنه يصر علي فهمه الخاطئ فسرعان ما يقع في خطأ آخر وهكذا، وكم من قائل بأن الحركة قد غيرت مبادئها، وقد أصبحت الآن تقبل بما رفضته بالأمس، ثم يكتشف بعد حين ثبات الحركة علي مبادئها وأنه كان قد جانبه الصواب ولكن لا يراجع نفسه ليستدرك الأمر حتي لا يقع في سوء التقدير مرة أخري، ولا أعتقد سببا لتكرار القراءة الخاطئة من مفكر ما إلا أنه يجامل هواه علي حساب الحقيقة.

وكم كانت حركة حماس رائعة في دراستها موضوع الهدنة، كان الأمر يناقش في قطاع غزة، وفي نفس الوقت في كل محافظة من محافظات الضفة الغربية، كما أنه كان يناقش في المعتقلات حيث هناك عدد كبير من رموز الحركة خلف القضبان، وحماس لا يمكنها أن تغفل رأيهم السديد فتتجاهله أو تضرب به عرض الحائط بحجة أنهم خلف القضبان، وكذلك كان يناقش في نفس الوقت من قبل القيادة في الخارج، وكان الاتصال الدائم المتواصل علي مدار الساعة بيننا في كل أماكن التواجد كأننا في قاعة واحدة نتبادل الآراء عن قرب، ولقد درسنا الموقف جيدا بسلبياته وإيجابياته، بكل تجرد ودقة وأمانة، نضع نصب أعيننا ثقل الأمانة التي حملنا إياها رب العزة سبحانه، أمانة قضية، وأمانة شعب، وأمانة حركة مجاهدة، وانتهينا إلي اتخاذ القرار بطريقة شورية رائعة لا يعرف العالم لها مثيلا، لأن الرأي الشوري لا تصنعه المؤثرات الخارجية كضغط المال والجاه والمنصب، ولكنه التجرد التام، والشعور بالمسؤولية بعيدا عن سياسة الترغيب والترهيب، إن الأجواء التي خيمت علي قادة الحركة أثناء دراسة المستجدات أجواء مفعمة بالحب وروح الأخوة، ولذلك أقول لمن لم يتذوق حلاوة هذه الأجواء ألا يتجني علي الحركة فيكتب عنها بغير علم، فلا يمكن لفرد ولا لمجموعة أفراد مهما بلغوا من قوة التأثير في حركة حماس أن يعيقوا قرارا اتخذته الأغلبية، كما أنه لا يمكنهم أن يمضوا قرارا رفضته الأغلبية، كما أنه من الجهل بالحركة أن نصنف قادتها إلي صقور وحمائم، ولكننا في واقع الأمر حمائم مع أبناء شعبنا علي اختلاف بعدهم وقربهم منا، لا نجيز لبنادقنا أن توجه لصدورهم، وصقور مع أعدائنا لا نبالي بما يحيق بنا طالما أننا ندافع عن الشعب والوطن والمقدسات.

بل لم تكن القيادة تقبع في برج عاجي بعيدا عن القاعدة، ولكنها أشركت في إبداء الرأي السواد الأعظم من كوادر هذه الحركة، كنا نستمع إلي آرائهم التي لم تكن في مجملها بعيدة عن رؤية القيادة مما عزز صوابية الموقف، بل إن قيادة الحركة كانت أحيانا تصغي لآراء المحبين المقربين من الحركة رغم عدم انخراطهم فيها، وكل ذلك لتصويب القرار، والإعذار إلي الله أنا بذلنا جهدنا، كما أننا لم نتجاهل رأي إخواننا في الفصائل الوطنية والإسلامية، فقد حاورناهم واستنرنا بآرائهم، وعندما انتهينا من كل ذلك عزمنا أمرنا، وتوكلنا علي الله سبحانه فهو الذي يرعي مسيرتنا ويبارك خطواتنا، ونحن علي ثقة أنه لن يضيعنا.

لقد أخذنا بعين الاعتبار موقف الشارع الفلسطيني بمعنوياته العالية، وكنا ندرك تخوفه المشروع من خطوة كهذه، فهو شعب مجاهد عنيد في الحق، لا يجامل ولا يساوم علي حساب الحقوق الوطنية، ولا يعرف التراجع عن ثوابته، ولا يقبل بالتنازل عن شبر من وطنه، ولا يرضي بإسقاط خيار المقاومة مهما بلغت التضحيات، هذه هي حقيقة هذا الشعب بعيدا عن التهويل والمبالغة، ولكن هذه الأوصاف لم ترق للعديد من المفكرين للأسف الشديد فأخذوا يبالغون في معاناة هذا الشعب ويصورونه علي أنه قد تعب من المقاومة، وأنه يبحث عن الراحة، ولكن استطلاعات الرأي دائما كانت تنفي ذلك، كما أن المسيرات الحاشدة التي كانت تخرج تأييدا للمقاومة، والجنازات الحاشدة التي كانت تخرج في وداع الشهداء وتطالب باستمرار المقاومة تقدم الدليل الأقوي علي ما نذهب إليه في وصف شعب فلسطين المرابط.

ولقد قدم أهلنا في بيت حانون أصدق الأدلة وأروعها عندما خرجوا عن بكرة أبيهم في مسيرة حاشدة بعد أن هدمت بيوتهم وجرفت أراضيهم واحتلت مدينتهم، خرجت المدينة الباسلة في مسيرة يتقدمها كبار المدينة يهتفون للمقاومة، فكانت خير دليل علي أصالة معدن هذا الشعب.

ورغم حقيقة هذا الشعب المجاهد إلا أننا أخذنا بعين الاعتبار معاناته بعيدا عن التهويل، وبعيدا عن التجاهل، وكان الدافع الأقوى لاتخاذنا قرار تعليق العمل المقاوم المشروط هو تجنيب شعبنا ويلات اشتباك داخلي لا يعلم نتائجه إلا الله، فقد كنا دوما الأحرص علي وحدة هذا الشعب وسنبقى بإذن الله دوما كذلك.