بسم الله الرحمن الرحيم

تتناول هذه الندوة “البعد المغاربي في شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي”، وهو عنوان جاء في كلمات بسيطة صادقة مبنية على الوقائع التاريخية، تدحض في لحظة واحدة أكاذيب وزيف عقود طويلة، فخصوم عبد الكريم الذين طالما حاولوا تزييف التاريخ وإظهار عبد الكريم وحركته كزعيم محلي ووصموه بالنزعة العرقية والانفصالية والسعي للاستحواذ على السلطة، مع أن عبد الكريم لم يكن مغاربيا فقط بل كان عربيا إسلاميا إنسانيا، ولذلك وصل صدى حركته إلى الصين وأحدث صدمة فكرية في العالم العربي والإسلامي، وحتى في فرنسا وإسبانيا اللتان كانتا تحاربانه بلا هوادة، فنسمع الآن مفكرين فرنسيين وإسبان وغيرهم يشيدون بأفكاره وروحه، فعندما كان يقال أن عبد الكريم قد سبق عصره، وهذه حقيقة لا تجادل، فأفكار العصر الآن تتفق مع قيمه وتوجهاته في مناهضة العنصرية والتخلص من الكراهية والبغضاء، فكلما تقدمنا ستظهر عبقرية هذا الرجل وأمثاله من الذين قدموا أرواحهم من أجل رقي الإنسان من حيث هو إنسان.

إن تأثير هؤلاء الأبطال على الحضارة الإنسانية لا يعرف الحدود الجغرافية. إن الذين حاولوا تشويه صورة عبد الكريم سيتناسون الجينات التي تتأكد صحتها يوما بعد يوم، فهذا الشعب المغربي الذي أنجب عبد الكريم الخطابي وغيره من الأبطال، لا يمكن أن يستسلم إلى التزييف والمغالطة إلى الأبد. قد تمر عليه فترات وهي قصيرة في حساب الزمن، وذلك نتيجة للقهر، يتناسى خلالها، إلا أنه لا ينسى ولن ينسى أبطاله الحقيقيين، فإني رأيت شبابا أصحاب فطرة سليمة في كل أنحاء المغرب ويتمنون التعبير عن أنفسهم بلا خوف وإثبات ذاتهم، وترجع أعينهم لمجرد سماع اسمه، كل ذلك لأنه يمثل بالنسبة لهم الصدق والعدالة ودافع عن قيمهم الأصيلة المتوارثة. فعبد الكريم الخطابي بما يمثله من قيم لا بد أن يعود، وهو فعلا عائد بروحه وأفكاره وليس برفاته، فالأهم هو عودة الوعي وصحوة الضمير، فالزيف لن يزيد المغاربة إلا تمسكا بالحقيقة، وإذا كنا نحتفل اليوم بالذكرى الأربعين لوفاته في مقر جماعة العدل والإحسان، فتجدر الإشارة إلى أن شخصية عبد الكريم لها أبعاد إسلامية لأنه يمثل نموذجا إسلاميا فريدا وذلك بتخلصه من الكراهية والحقد والبغضاء وحب الانتقام لأي كان، وهو الذي عندما كان صاحب السلطة وجاءه بعض الناس يقولون له هذا هو الذي قتل والدك بالسم، فأجاب عفى الله عما سلف ولم ينتقم، فهو كان يؤمن بأن الفضيلة في الإسلام تقوم على التسامح والبناء الداخلي على أساس الصدق في القول والعمل، وكان يؤمن إيمانا راسخا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.