كانت بحق، ندوة استحضرت جزءا من تاريخ المغرب المغيب، وكان مقرها جماعة العدل والإحسان الذي احتضن الندوة يوم الأحد 23 فبراير محط أنظار العديد من الأكاديميين.

وقد أظهر الشريط الذي تم بثه خلال الندوة أن الجيل الحاضر من الشباب المغربي، لا يفقه شيئا من حقيقة تاريخ بلاده. وظهر أيضا أن هناك جهات تسعى لأن يبقى المغاربة بعيدين عن معرفة العديد من الحقائق ولو من منطلق أنها حقائق تاريخية. وبدا جليا أن هناك شخصيات ووقائع وأحداث يراد لها أن تموت مع أصحابها، وكانت لشهادات محمد الفقيه البصري ومحمد العبادي، ومجموع العروض التي ألقيت من طرف أساتذة باحثين ودكاترة، بمثابة القنديل الذي أنار بعضا من حقائق تاريخ المغرب الحديث والذي كانت ثورة الريف والبعد المغاربي لدى المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي إحدى تجلياته.

الحقيقة التي لا تجادل .. إن عبد الكريم الخطابي قد سبق عصره

في البداية، تلا ذ. عبد السلام الغازي، رسالة بعث بها ذ. سعيد الخطابي بن محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الندوة، أكد فيها أن الوقائع التاريخية تضحد أكاذيب وزيف عقود طويلة لخصوم عبد الكريم الخطابي الذين حاولوا تزييف التاريخ وإظهار الخطابي وحركته كزعيم للتحرير، ووصموه بالنزعة الانفصالية والعرقية والسعي للاستحواذ على السلطة، في حين أن عبد الكريم الخطابي لم يكن له بعد مغاربي، فحسب، وإنما بعدا عربيا وإسلاميا وعالميا. ولذلك، يقول سعيد الخطابي، وصل صدى حركة عبد الكريم الخطابي إلى الصين، وأحدث صدمة فكرية في العالمين العربي والإسلامي، بل وصل صدى تلك الحركة إلى فرنسا وإسبانيا اللتان تحاربانه بلا هوادة.

لقد أكد العديد من الباحثين أن عبد الكريم الخطابي قد سبق عصره، وهي الحقيقة التي لا تجادل، يقول سعيد الخطابي بأن أفكار العصر الآن تتفق مع قيمه وتوجهاته في مناهضة العنصرية والتخلص من الكراهية والبغضاء، وبأن تأثير مثل هؤلاء الأبطال على الحضارة الإنسانية لا يعرف الحدود الجغرافية، وأكد سعيد الخطابي بأن الذين يحاولون تشويه صورة المجاهد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي لا يستطيعون تمويه الشعب المغربي بأكمله، وبأن هذا الشعب لا يمكن أن يستسلم إلى الزيف وإلى المغالطات إلى الأبد.

إن عبد الكريم الخطابي بما يمثله من قيم، يقول سعيد الخطابي، لابد أن يعود، وهو لا محالة عائد بروحه وأفكاره وليس برفاته، لأن الأهم هو عودة الوعي وصحوة الضمير، مضيفا بأن الزيف لن يزيد المغاربة إلا تمسكا بالحقيقة.

وبخصوص عقد هذه الندوة في مقر جماعة العدل والإحسان، أكدت الرسالة أن شخصية عبد الكريم الخطابي كانت لها أبعاد إسلامية، ولأنه يمثل نموذجا إسلاميا فريدا، وذلك بتخلصه من داء الكراهية والحقد والبغضاء وحب الانتقام من أي كان، كما أنه كا يؤمن بأن الفضيلة في الإسلام تقوم على التسامح والبناء الداخلي على أساس الصدق في القول والعمل.

الإرهاصات الكبري لقيام حرب الريف

وفي معرض مداخلته التي عنونها بـ”الإرهاصات الكبري لقيام حرب الريف” أكد ذ. عبد السلام الغازي، وهو أستاذ التعليم العالي في جامعة الجزائر، أن الإرهاصات كانت سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، حيث كانت سيادة المخزن وتهميش المواطن المغربي، إضافة إلى الاستفزازات المتكررة من الطرفين الفرنسي والإسباني.

وقد طرح ذ. عبد السلام الغازي مجموعة أسئلة تبقى الإجابة عنها كفيلة بتوضيح أسباب قيام حرب التحرير في الريف .. فهل كان بإمكان المغرب الحفاظ على استقلاله، وهل كانت لديه قوة كافية لحماية ثغوره، وهل كان بإمكان إسبانيا وفرنسا الوقوف بجانبه، وهل كانت له علاقة وثيقة بالخلافة الإسلامية، وهل كان لديه اقتصاد اجتماعي تربطه بعوامل التخطيط والنظرة المستقبلية، والحالة يقول ذ. الغازي إننا نعلم أن الثورة الصناعية قد أحدثت تغييرا جذريا ولا سيما بعد الثورة الفرنسية، إذ بدأ الغرب يتحلل من عصر الإقطاع في حين بقي اقتصاد المغرب مبنيا على الإقطاع والتحصيل الضرائبي. لقد كانت هناك مؤثرات كانت السبب الرئيس في تدهور الوضع في دولة المغرب، إضافة إلى عوامل داخلية كانت سببا مباشرا في خلخلة ثقة الحاكم مما نتج عنه تدهور في الوضع الاجتماعي وتفكك الوحدة الاجتماعية، الإشكالية التي يرى ذ. الغازي أنها لا زالت تطرح نفسها إلى اليوم.

وفي استعراضه لمختلف جوانب التأثير على الوضع المغربي إبان فترة حرب الريف وما بعدها أكد ذ. الغازي أن هناك ظروفا سياسية واقتصادية اجتمعت كلها لتجعل من منطقة المغرب العربي محط أطماع الاستعمار الذي جزأ المنطقة وزرع بذور الخلاف بين أبنائها، بحيث كان للطبقة الحاكمة حظ وافر من أسباب الأزمة.

أبهذا يجازى من قدم لهذه الأرض ولهذا البلد ما قدمه من تضحيات؟ !

لقد خاطب ذ. محمد العبادي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، في بداية شهادته روح الفقيد المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي حيث قال: “جازاك الله خيرا على ما قدمت لهذه الأمة من أيادي بيضاء سيظل التاريخ يذكرها بفخر واعتزاز، وإن عمل العاملون على إطماس شخصيتك، ودفن ما كنت تدافع عنه مع دفن عظامك في أراضي الكنانة .. وأقول لك أيها البطل منذ أن اطلعت على البقعة التي جاهدت من أجل أن تعلو راية الإسلام في ربوعها، لرأيت ما تجعل العين تبكي دما، ولرأيت مقرك القيادي معرضا للخراب والدمار، ولرأيت أبناء بلدك قد هاجروا من أرضهم، ولرأيت أن المخدرات قد عمت البقعة التي طهرتها من كبدانة إلى الشاون، لتخدير أهلها .. ولرأيت أن بلدك الذي نشأت فيه ترك للإهمال بحيث لا يحتوي على أي معلمة صناعية أو نهضة اقتصادية أو مدرسة فكرية علمية .. فأبناء المنطقة أصبحوا كأنهم ليسوا مغاربة”.

وتساءل ذ. العبادي بصيغة استنكارية “أبهذا يجازى من قدم لهذه الأرض ولهذا البلد ما قدمه من تضحيات؟ !”

لقد جاءت شهادة ذ. محمد العبادي، وهو ابن المنطقة، لتؤكد مدى التلاحم الذي كان حاصلا بين مختلف القبائل، ومدى حرص قبائل الريف عموما، على الوفاء للمجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وللجهاد من أجل استقلال المنطقة عن المستعمر الغازي الإسباني والفرنسي.

وعن معركة أنوال قال ّذ. العبادي بأن المجاهد عبد الكريم الخطابي قد جمع زعماء القبائل في قرية قريبة من أجدير تدعى إمزورن، هناك حيث خطب فيهم وحرضهم على الجهاد، وكشف لهم عن الخطر الداهم المحدق بالمغرب وبالمنطقة كلها، ويقول ذ. العبادي بأن الجميع وافق على حمل راية الجهاد حيث قام المجاهد الخطابي وصلى ركعتين شكرا لله تعالى، وقام الحاضرون كلهم بصلاة ركعتين شكرا لله عز وجل، ثم أوتي بالمصحف حيث أدوا جميعا القسم على نصرة دين الله تعالى، وعلى الدفاع على الوطن. وقد أورد ذ. العبادي القسم الذي أداه محمد بن عبد الكريم الخطابي وهو واضع يده على القرآن: “أعاهد الله أن أدافع عن ديني ووطني وشرفي إلى الموت، أعاهد الله أن ألتزم بتنفيذ الأحكام الشرعية، والسنة الشريفة، ولا تأخذني في ذلك لومة لائم ولو كانت ضد أعز أقربائي، أعاهد الله أن لا أثير الضغائن الدموية، وأن الثأر موضوع بعض عشائرنا من هذا اليوم، ولا ضغينة بعد اليوم”.

إن شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي، يقول العبادي، تحتاج إلى كثير من الدراسة، بحيث تمثلت في هذه الشخصية كل معاني الرجولة، ومعاني الشهامة والعزة والقوة والإيثار .. المعاني التي يؤكد ذ. العبادي على ضرورة إحيائها في نفوسنا وأن نورثها لأجيالنا، وأن نشيعها في مجتمعنا.

الاستسلام كان لنجدة من تبقى من أبناء الريف

أما الدكتور علي الإدريسي، فقد تناول في مداخلته موضوع أثر حرب الريف مغاربيا، وأكد أن دعوة الخطابى كانت موجهة للشعبين التونسي والجزائري من أجل نصرة سكان الريف.

كما تطرق د. الإدريسي إلى الخصال والقيم الجهادية النبيلة التي كان يتميز بها المجاهد بن عبد الكريم الخطابي، حيث كان يدعو للتلاحم بين القبائل، بل وبين جميع القبائل المغاربية.

وأكد د. الإدريسي أن عبد الكريم الخطابي كان يحرض ساكنة الجزائر وتونس على عدم الانصياع للغازي الإسباني والفرنسي الذي كان يعتمد على أربعة أخماس من جنوده المجندة في محاربة سكان الريف، على أبناء الشعبين الجزائري والتونسي. وذكر بأن الهزيمة التي لحقت بمجاهدي حرب الريف لم تكن إلا بتظافر الجهود العسكرية الفرنسية والإسبانية والألمانية والأمريكية، وباستعمال الغازات السامة الألمانية .. وبأن الاستسلام كان لنجدة من تبقى من أبناء الريف حيث كانت العبارة الشهيرة “فرنسا انتصرت، لكن المجد يبقى للريف” وتساءل د. الإدريسي في الأخير: “أفلا يحق لهذا المجاهد أن يستريح في بلده؟ !”.

التقدير لدرجة التقديس من طرف الجزائريين

شهادة محمد الفقيه البصري تضمنت مجموعة شهادات عايشها البصري، وقال إنه حصل له شرف الجلوس ومحاورة الأمير الخطابي حيث تم التطرق لعدة قضايا تهم المغرب، سواء فيما يتعلق باستخلاص العبرة من التاريخ، وسواء فيما يتعلق بالنتائج التي تمخض عنها النضال المغربي، والأسباب التي جعلت تضحيات جسيمة تسفر عن نتائج هزيلة.

ولهذا السبب قال الفقيه البصري إنه يريد أن يوضح بخصوص رأي الأمير بن عبد الكريم الخطابي من “إكسليبان”، قال البصري إن له موقفا من الموضوع، بل إنه أدان نتائج إيكسليبان.

وبخصوص حضور بن عبد الكريم الخطابي في الذاكرة الجزائرية، أكد الفقيه البصري بأن الأمير الخطابي كان يحظى بالتقدير لدرجة التقديس من طرف الجزائريين، وذلك، يقول البصري، لأن البطل الخطابي كان مرتبطا في نضاله بروابط تضحيات الأمير عبد القادر الجزائري.

وقال البصري إنه في أول فرصة كانت سانحة بعد الاستقلال لوفد ذهب إلى القاهرة وبالتالي المذاكرة حول أمور المغرب بحضور محمد بن عبد الكريم الخطابي، فكان الحوار، يؤكد البصري، حول لماذا هذه التضحيات لم تعط التحرير، لم تعط الوحدة ولم تعط الوفاء للثورة الجزائرية التي -يقول البصري- تركت للحصار وللاستعمار الفرنسي؟.

وبعد نقاش مطول شارك فيه المحجوب بن الصديق حول الوضع العام داخل المغرب، قال الفقيه البصري، إن المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي انفعل وقال موجها كلامه للوفد: “أنتم الذين غلطتم الشعب .. إن الشعب المغربي معدن النضال ومعدن التضحيات، والقيادة هي التي انحرفت بوعي الناس “.

كما أكد الفقيه البصري بأن من بين الأمور التي طرحت مع المجاهد بن عبد الكريم الخطابي مسألة التخلي عن الجزائر سيما وأن المخطط الاستعماري الفرنسي كان يهدف إلى جعل المنطقة الصحراوية، حيث يوجد البترول، إمارة خاصة. فكان رد الخطابي، يقول البصري، هو التأكيد على أن للأمر خلفية تاريخية، لأن الذي وحد الشعب وحرر الشواطئ هو الاستنجاد بالدولة الإسلامية العثمانية، التجربة التي لم يمر منها المغرب. هذا الاستنجاد الذي قال عنه الأمير الخطابي إنه وحد الشعب قبل أن يوحد التراب.

ويضيف الفقيه البصري بأن الحديث مع الأمير الخطابي انصب أيضا حول وحدة المغرب العربي انطلاقا من وحدة الريف كنموذج.

كما تطرق الفقيه البصري في شهادته إلى زيارة الملك محمد الخامس للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في إقامته في مصر، وإلى الأحداث التي وقعت في مدينة سطات بعد وفاة محمد الخامس وما صاحبها من فرض للقوة من طرف الدولة المغربية، الأمر الذي -يقول الفقيه البصري- لم يستصغه الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ويؤكد البصري أن الحديث الذي دار مع الخطابي والبصري وبن الصديق والمهدي، كان يهم أساسا رجوع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى المغرب، الأمر الذي كان يرفضه الخطابي الذي قال: “لا يمكن أن أدخل لأزكي الاحتلال الذي أعرف وجوده عسكريا وثقافيا واقتصاديا..”

وأضاف الأمير الخطابي على حد تعبير الفقيه البصري: “أنتم كشباب من يجب أن يتحمل المسؤولية، والتجربة التي قمت بها في قيادة الثورة أكدت أن الثورة تقاد بمؤسسات، وبديمقراطية وبالعدل..” الأمر الذي نتج عنه فيما بعد -يقول البصري- خلق مجلس تأسيسي بموافقة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي والفقيه محمد بلعربي العلوي.

وفي آخر مداخلته / الشهادة، قال الفقيه البصري إن مدرسة الأمير بن عبد الكريم الخطابي قد اعتمدت كمدرسة ثورية في الخارج، وتساءل عن الطريقة التي يمكن بها الحفاظ على نضال الأمير الخطابي داخل المغرب، وطالب بتقييم السلوك قبل إقامة الذكرى حتى نكون بالفعل جديرين بالذاكرة التاريخية وبالتالي فنحن، يضيف البصري، مطالبون بتحيين تجربة الأمير بن عبد الكريم الخطابي وربط التاريخ الماضي بالحاضر، أي ربط معركة الاستقلال ومعركة التحرير، والربط بين الوحدة الوطنية والوحدة المغاربية .. فيجب أن نكون جديرين بأبناء بن عبد الكريم الخطابي.

حسن المغاري

مداخلة ذ. عمر أمكاسو، نائب الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

في كلمته، قام ذ. عمر أمكاسو، بقراءة في فصول من كتاب “حوار الماضي والمستقبل” للأستاذ عبد السلام ياسين تتطرق لجهاد الريف وللمجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وفيما يلي مقتطفات من الفصل الأول من الكتاب.

أمير الريف كما يراه ذ. عبد السلام ياسين المدرسة الرجل، والرجل المدرسة

كان ابن عبد الكريم رحمه الله في مرحلة جهاده العسكرية وفي جهاده السياسي بعد ذلك مدرسة متميزة. كان مومنا قرآنيا على شخصية بصمات تربية القرويين التي درس فيها أربع سنوات. لم تخضد شوكة غيرته على الإسلام رتابة القرويين، ونومة القرويين قبل أن يوقظها علال والفقيه غازي ومحمد المختار السوسي وعبد العزيز بن ادريس ومحمد إبراهيم الكتاني وسائر تلامذة الشيخين: أبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي رحمهم الله أجمعين.

ولم تطمس نور الإيمان في قلبه وفقه الشريعة في عقله السنوات الطويلة قبل الحرب التي عاشر فيها الإسبان موظفا ساميا في إدارتهم، يتعلم لغتهم، ويتقن مهارتهم، ويستفيد من علومهم.

مدرسة متميزة، كان رحمه الله، واضحة في ذهنه مواصفات المجتمع الإسلامي الذي ينبغي أن يعتمد على إخلاصه وقوة تماسكه وقت الأزمات.

قال الخطابي: “الشعب في رأيي هو الشعب المومن بعقيدته، لأنه يعرف نفسه وشخصيته وقيمته وحقوقه. ومن هنا فلا يستطيع عدو مهما كان أن يجد في تماسكه ثغرة ينفذ منها إلى هزيمته. أما الشعب غير المومن فأفراده منحلون متفككون، ولا يمكن لهم أبدا أن يثبتوا أمام عدو ما مهما كان هذا العدو ضعيفا”.

كان واضحا في تصور القائد أن العقيدة تربط المتفكك، وتشد المنحل، وتعرف الشعب من هو وما قيمته وما حقوقه. كان يعرف أن شعبا لا عقيدة له لا يثبت أمام العدو.

وثبت هو وقومه رجالا ونساء بعقيدة الإسلام ثباتا المجاهدين الأولين من الصحابة والتابعين. أحيى فيهم الإيمان بالله ورسوله، وشوقهم إلى سعادة الآخرة، فكانت استجابتهم انبعاثا وتجديدا لم يقحم عليه عقيدة غريبة مثل القومية والثورية والبرلتارية.

تثبت الأقدام بعقيدة أصيلة إن كان للأقدام أصل. لا يثبت بين الأصلاء فكر دخيل، لا يقاتل الأصلاء بإديولوجية مستوردة.

فإذا كانت الأرضية خالية من عقيدة جامعة معبئة، أو إذا اشتغلت البيداغوجية المأليكة شغلتها لتفرغ المكان من أصالته، وأهل المكان من عقيدتهم، ونجحت في الإفراغ كما يحلم “المسلمون” الزئبقيون النخبة العائمة على سطح مجتمعنا، فحينئذ تنغرس العقيدة المستوردة، وتعبئ، وتحمس، وتشجع، وتنفخ روح البطولة في الشعوب المقهورة.

وهكذا صمدت الفتنام لغزو دولتين عظيمتين: فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وهزمتها شر هزيمة، وضربت الأمثال في الشجاعة والاستقلال، ووشحت صدر العدو بوشاح العار أبد الدهر.

كان قائد الفتنام هوشي منه ممن تعلموا من ابن عبد الكريم الخطابي تكتيك حرب العصابات باعتراف الزعيم الفتنامي، بعد أن تعلم الإديولوجية الماركسية اللينينية من أصحابها. وكان تلميذا ذكيا ألمعيا.

تعلم ابن عبد الكريم من عقيدته الإسلامية واعتمد على الله عز وجل. فقاتل هو ورجاله، لم يتلقيا أي دعم بشري. وحارب الفتناميون بأسلحة لا ينضب موردها من السوفيت والدولة السوفيتية العظمى. رجال جندتهم إديولوجية من غيرهم، وسلاحهم عتاد من صنع غيرهم.

قال ابن عبد الكريم: “الإيمان بالله وبالهدف كقاعدة الارتكاز الأولى”.

وتجسد الإيمان بالله في رجال أشداء كانوا قلة قليلة لا يحسب لها حساب.

سأله أصحابه قالوا: “أبهذه الفئة القليلة تريد أن تقاتل الإسبان ولهم جيوش وسلاح وأموال، ووراءهم دول ستمدهم بالمساعدات، فلم لا تطلب المساعدة من دول كبرى؟

فقال: “لقد طلبت المساعدة، وستصل في الوقت المناسب. وأعدكم بأننا وإياها سننتصر على كل ما يأتي به الإسبان ومن وراء الإسبان”.

وسكتوا، ظنا منهم أن مع الرجل قوة أخرى يدخرها ساعدته بها دولة عظمى. فإذا هو يستطرد قائلا: “إنها قوة الله، يا قوم، قوة الحق. وكفى بالحق ناصرا ومعينا”.

فقال جنود الحق لقائدهم: “آمنا بالله ناصرا، وبالحق معينا، وبك قائدا. وها نحن طلاب شهادة. فسر بنا على بركة الله. وعليه فليتوكل المومنون المدافعون عن الحق (..) وفجأة دمعت عيناه قائلا: سبحان الله !

من كتاب “حوار الماضي والمستقبل”، الفصل الأول