كان الخوارج الأولون أكثر الناس عبادة، جاء وصفهم في حديث نبوي شريف يصفهم أكمل الوصف وأدقه، وهو الوصف المعصوم الصادر عن الوحي، لا كشهادة مؤرخ يرى ظواهرَ الأحداث. روى الإمام البخاريّ رحمه الله عن سيدنا علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سيخرج قوم في آخر الزمان أحداثُ الأسنان (أي شباب) سفهاء الأحلام (خفاف العقول) يقولون من خيرِ قول البَرِيّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم، يمرُقون من الدين كما يمرُق السهم من الرمِيَّة”. الحديث.

حداثة السن سِمة مشتركة بين الخوارج المارقين الموصوفين في الحديث وبين شبابنا الأعـزاء أمل الأمة. ونرجو أن لا يبقى عند أحدهم نصيب من رقة دين الذين لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم رغم تعبّدهم الشديد الذي وصفه الحديث الشريف قبل ظهورهم وأكده التاريخ بعد.

لا يُجاوز إيمانُهم حناجرهم، ولا يدخُلُ إلى قُلوبِهم، فهو إيمان منافقين، هو عدَم، أو إيمان أعْرابٍ يُطلِقون كلمة “إيمان” على هاجس غامضٍ أو ميل سطحي للدين. قال الله عز وجل عن الأعراب: “قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”.1

وقد ذهبت أجيال رقيقي الدين من سكان البادية الذين وصفهم القرآن بإسلاميةٍ لا ترقى إلى مرتبة الإيمان لانغلاق القلوب، وتبقى صفة الأعرابية تدمَغُ كلَّ مَن حالت صِفاته النفسية أصلا عن دخول الإيمان في قلبه.

هنالك صنف آخر من رقيقي الدين اكتسبوا بعضَ إيمان ثم ضعف هذا الإيمان وبَلِيَ حتى تلاشَى، فتقهقروا إلى مرتبة الأعرابية مع من انغلقوا في إسلامية سطحية أصلا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الإيمانَ لَيَخْلُقُ (أي يَبْلَى) في جوف أحدكم كما يخلُقُ الثوب. فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمانَ في قلوبكم”. رواه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الحاكم: رواتُه ثقات ووافقه الذهبي.

مَنع الإيمانَ أن يدخل إلى القلوب أصلا أمراض نفسية حائلة، أو دخَل مَدخلا ما فطرأت عليه الأمراض وأنهكته، فبلي وتلاشى. وهكذا يَتأصل في الفرد مرض الغثائية وداءُ الأمم وجرثومة الغلو. وهكذا تطرأ في الأمة أسباب الهَلَكة حتى يكونَ البغي وتستبدَّ الغِلْمة ويفسُد الحكم.

وحيث لا إيمانَ فلا قلوبَ تسمع كلامَ الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم فتتذكر وتأتَمر. قال الله تعالى: “إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب”.1 وسلامة القلب من الأمراض مطلب شريف سأله إبراهيم عليه السلام ربَّه حيث قال: “ولا تُخزِني يومَ يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”.2

في تشخيص الأمراض الغثائية الذاتية المهلكة ينبغي أن نحفِرَ عليها وننقِّبَ بِمِسْبَارِ الكتاب والسنة ليكون التشخيصُ أَوْثق، وليكون العلاجُ طِبا نبويا قرآنيا لا يُملِّسُ على العاهة بل يستأصلها بإذن الله تعالى.

إن الله عز وجل أعلم بما خلق، وإنه سبحانه أشار إلى أصل البلاء ومباءَة الداء وعش الآفة: ألا وهي النفسُ وسلطانها المانعُ العبدَ عن الهُدَى، الصارفُ له عن العبودية لربه عز وجل، التائه به في الشهوات والأنانية، وسُكْرِ الهَوَى، وضلال العقل، وأسْرِ العادة. من استيلاء سلطان النفسِ يتولد الأشَر والبطرَ، وينشأ التكاثر والتناجُشُ (وهي المُزَايدة) في الدنيا، ويكون التحاسد والتباغض والبغي.

النفس تحب الدنيا وتكره الموت. وحبُّ الدنيا والحِرص عليها، على لذاتها المادية ورئاساتها، سَدٌّ حاجز للإيمان أن يدخل القلب، وسبب الغثائية المباشر بشهادة الحديث الشريف، وداعٍ أبديٌّ للفُرقةِ والتفتُّتِ والخلافِ العِدائيِّ. كان علماؤنا يُسمُّون الفِرَق الضالة والمبتدعة أهل أهواء. يُرجعون الظاهرَة إلى أسبابها.

إن المسلم إما أن يكون في سبيل الله عز وجل، عبداً مطيعا له، مُحبا، متقربا بالفرض والنفل، مومنا بلقاء ربه، مستعدا لذلك اللقاء، مشتاقا إليه، مستغفرا لذنبه، منيبا، ذاكرا، متفكرا. فذاك سائر في سبيل السعادة.

وإما أن يكون عبدا لنفسه، خاضعا لسلطانها، مطيعا لهواه، مسترسلا في شهواته. فذاك الشقي.

ومن كان سائرا في سبيل الهوى، أنى له أن يَحْمل الأمانة العظمى، أمانة رسالة الله، مبلغا عن رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله!

من كانت نفسُه منطويَة على خُبثها ومرضها أنى يكون شِفاء لغثائية الأمة وأعرابيتها وهو حاملٌ الجرثومة بين جنبيه!

إن تحقيق العبودية لله عز وجل، والتحرر الكلي من سلطان الهوَى هو الشرط الأول الضروري لتأهيل الفرد المومن للانخراطِ عن كفاءة في صف جند الله. وإن جندَ الله لا يكون جندا لله إلا إن سلمت القلوبُ فصلَحَتْ لتكون وِعاء لرحمة الله عز وجل الجامعةِ المؤلفة.قال تعالى يخاطب عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بلسان المِنة والنعمة: “هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وألف بين قلوبهم”.1

وإن مستقَرَّ الإرادةِ القَلْبُ المومن الفردُ، يشتركُ مع جند الله المنظم في التعبير عن الإرادة الجهادية، وتخطيطها وتنفيذها. فإذا كان قلبُ المومن الفرد منضَمّاً على أعرابية، أو كان الإيمان فيه قد خَلُقَ واندثر، فلن يكون الحديث عن التآلف والعضوية إلا حديثَ زور، ولن تكون الإرادة إلا تعبيرا عن طموحات نفسية اجتمع عليها الناس مثلما نرى عند الأحزاب في الأمم التي لا خبرَ عندها بداء الأمم.

وإن القضاء على الأنانية التي تستعبد الفردَ لهوى نفسه أو لهوى غيره لَمَطْلبٌ أساسي. كما هو أساسي تحريره من الذهنية الرعَوية، ذهنية القطيع، ومن العادة التي تحشره في زمرة الإمعات التي لا إرادة لها.

وما يتحقق ذلك إلا بالعبودية المطلقة لله تعالى الخالق الرزاق المحيي المميت الباعث رب الجنة والنار.وأصل الدين وأُسُّه حب الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: “محبة الله سبحانه، والأُنس به، والشوق إلى لقائه، والرضى به وعنه أصل الدين وأصل أعماله وإراداته. كما أن معرفته والعلمَ بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلُّ علوم الدين كلِّها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادةُ وجهه أجلُّ المقاصد، وعبادتُه أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته، ومدحُه وتمجيدُه أشرفُ الأقوال. وذلك أساسُ الحنيفية مِلةِ إبراهيم عليه السلام”.1

من كان لا يحب إلا نفسَه، ولا يمجد سواها، ولا يشتغل بغيرها، ولا يسعى إلا في مبتغاها فليس من المِلة الحنيفية حقا. والحنيفية إخلاص الوجه والوِجهة والعبودية لله عز وجل وحدَه لا شريك له.

في هذا الكتاب نتحدث كثيرا عن ماضي المسلمين وحاضرهم ومستقبلهم، وعن العالم المضطرب وما يموج فيه، وعن الحكم ومشاكله. ويكون كلامُنا “ثقافة” كسائر الثقافات، لا يكون حقا يقتحم معاقل الباطل إن لَم نُؤصِّلْ المومن الفرد في العبودية لله عز وجل، عبوديتُه له سبحانه هي هويتُه لا غيرُ. وإن لم نؤصِّل جماعة المومنين المريدة الفاعلة في إخلاص لله عز وجل إخلاصاً يستوعب الحياة والممات والدنيا والآخرة. وتلك هي جماعة المومنين المخاطبين بالقرآن، المكلفين بأمانته، المطوَّقين المشرفين بقوله تعالى: “يأيها الذين آمنوا”. ما خاطب بالقرآن غيرهم من الذين أسلموا و”التزموا”.والإيمان سلامة القلب، الإيمان شفاء، الإيمان عافية، الإيمان بضع وسبعون شعبة.

من هنا يكون فقهُ تجديد الإيمان، وتحريك الإيمان، وتربية الإيمان مِحورَ كل عمل إسلامي، وإلاَّ دارت رَحَا الناس على خواء النفوس وخراب الذمم، ونتانة الهوى، وسوء المُنقَلب في الدنيا والآخرة. نعوذ بالله.

وقد أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يتَجدد بأمرين. أولُهما صحبة “من” يبعثه الله عز وجل ليجدد الدين. جاء في حديث رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأسِ كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

وصحبَة “المَنْ” لا تتقيد بزمان، فالمرء على دين خليله كما أخبر الصادق الأمين. وكل حضور صادق مع المومنين له روحانيته وتأثيره التجديدي: الجماعات في المسجد ومجالس الإيمان وحِلَقُ العلم وزيارة الصالحين والمشاركة في أعمال البِر.

الركن الثاني من أركان تجديد الإيمان العبادة بأنواعها، ويجمعها ذكر الله فهو اللب، وأفضل الذكر قول لا إله إلا الله. روى الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “جددوا إيمانكم” قالوا: يا رسول الله! وكيف نجدد إيماننا؟ قال: “أكثروا من قول لا إله إلا الله”.

وركن ثالث ضروري: صدق الرجوع إلى الله تعالى، وصدق النية، وإخلاص العبودية له اعترافا وطاعة. وأعلى الصدق صدق طلب وجه الله عز وجل. فذلك هو التطلع إلى مقامات الإحسان والإيقان. وما يُلَقّاها إلا ذو حظ عظيم.