أيها الإنسان! انك من جهة جسمِك النباتي ونفسِك الحيوانية جزءٌ صغير وجزئيٌ حقيرٌ ومخلوقٌ فقير وحيوانٌ ضعيف تخوض في الأمواج الهادرة لهذه الموجودات المتزاحمة المدهشة. إلاّ أنك من حيث إنسانيتك المتكاملة بالتربية الإسلامية المنوَّرة بنور الإيمان المتضمن لضياء المحبة الإلهية سلطانٌ في هذه العبدية.. وانك كليٌ في جزئيتك.. وانك عالمٌ واسع في صغرك.. ولك المقامُ السامي مع حقارتك فأنت المشرفُ ذو البصيرة النيرّة على هذه الدائرة الفسيحة المنظورة، حتى يمكنك القول: “إن ربيَ الرحيمَ قد جعلَ لي الدنيا مأوىً ومسكناً، وجعل لي الشمس والقمر سراجاً ونوراً، وجعل لي الربيعَ باقةَ وردٍ زاهية، وجعلَ لي الصيفَ مائدةَ نعمةٍ، وجعل لي الحيوانَ خادماً ذليلاً، وأخيراً جعل لي النباتَ زينةً وأثاثا وبهجة لداري ومسكني”.

وخلاصة القول:

انك إذا ألقيتَ السمعَ إلى النفس والشيطان فستسقط إلى أسفل سافلين وإذا أصغيتَ إلى الحق والقرآن فسترتقي إلى أعلى عليين وكنتَ “أحسن تقويم” في هذا الكون.

إن الإنسان أرسل إلى الدنيا ضيفاً وموظفاً ووُهبتْ له مواهبٌ واستعدادات مهمة جداً، وعلى هذا أسندت إليه وظائفٌ جليلة. ولكي يقوم الإنسان باعماله وليكدّ ويسعى لتلك الغايات والوظائف العظيمة فقد رُغِّب ورهّب لإنجاز عمله.

نجمل هنا الوظائف الإنسانية وأساسات العبودية التي أوضحناها في موضع آخر، وذلك لفهم وإدراك سر “أحسن تقويم” فنقول:

إن الإنسان بعد مجيئه إلى هذا العالم له عبوديةٌ من ناحيتين:

الناحية الأولى: عبوديةٌ وتفكرٌ بصورة غيابية.

الناحية الثانية: عبوديةٌ ومناجاةٌ بصورة مخاطبة حاضرة.

الناحية الأولى هي:

تصديقُه بالطاعة لسلطان الربوبية الظاهر في الكون والنظرُ إلى كماله سبحانه ومحاسنه بإعجاب وتعظيم.

ثم استنباط العبرة والدروس من بدائع نقوش أسمائه الحسنى القدسية وإعلانها ونشرها وإشاعتها.

ثم وزنُ جواهر الأسماء الربانية ودررها – كلُّ واحدٍ منها خزينة معنوية خفية – بميزان الإدراك والتبصّر وتقييمها بأنوار التقدير والعظمة والرحمة النابعة من القلب.

ثم التفكر بإعجاب عند مطالعة أوراق الأرض والسماء وصحائف الموجودات التي هي بمثابة كتابات قلم القدرة.

ثم النظرُ باستحسان بالغ إلى زينة الموجودات والصنائع الجميلة اللطيفة التي فيها والتحببُ لمعرفة الفاطر ذي الجمال والتلهّفُ إلى الصعود إلى مقام حضورٍ عند الصانع ذي الكمال ونيل التفاته الرباني.

الناحية الثانية هي:

مقامُ الحضور والخطاب الذي ينفذ من الأثر إلى المؤثر، فيرى أن صانعاً جليلاً يريد تعريف نفسه اليه بمعجزات صنعته. فيقابله هو بالإيمان والمعرفة.

ثم يرى أن ربّاً رحيماً يريد أن يحبب نفسه اليه بالأثمار الحلوة اللذيذة لرحمته، فيقابله هو بجعل نفسه محبوباً عنده بالمحبة الخالصة والتعبد الخالص لوجهه.

ثم يرى أن مُنعماً كريماً يغرقه في لذائذ نِعَمِه المادية والمعنوية، فيقابله هو بفعله وحاله وقوله بكل حواسه وأجهزته – إن استطاع – بالشكر والحمد والثناء عليه.

ثم يرى: أن جليلاً جميلاً يُظهر في مرآة هذه الموجودات كبرياءَه وعظمتَه وكمالَه ويُبرز جلالَه وجمالَه فيها بحيث يجلب إليها الأنظار فيقابل هو ذلك كله: بترديد “الله اكبر.. سبحان الله..” ويسجد سجودَ مَن لا يمل بكل حيرة وإعجاب وبمحبة ذائبة في الفناء.

ثم يرى إن غنياً مطلقاً يعرض خزائنه وثروتَه الهائلة التي لا تنضب في سخاء مطلق، فيقابله هو بالسؤال والطلب بكمال الافتقار في تعظيم وثناء.

ثم يرى أن ذلك الفاطرَ الجليل قد جعل الأرض معرضاً عجيباً لعرض جميع الصنائع الغريبة النادرة فيقابل هو ذلك بقوله “ما شاء الله” مستحسناً لها، وبقوله ” بارك الله” مقدراً لها، وبقوله “سبحان الله” معجباً بها، وبقوله “الله أكبر” تعظيماً لخالقها.

ثم يرى أن واحداً يختم على الموجودات كلها ختمَ التوحيد وسكّتَه التي لا تقلد وطغراءَه الخاصة به، وينقش عليها آيات التوحيد، وينصبُ رايةَ التوحيد في آفاق العالم معلناً ربوبيتَه، فيقابله هو بالتصديق والإيمان والتوحيد والإذعان والشهادة والعبودية.

فالإنسان بمثل هذه العبادة والتفكر يصبح إنسانا حقاً ويُظهر نفسه أنه في “أحسن تقويم” فيصير بيُمن الإيمان وبركته لائقاً للأمانة الكبرى وخليفة أميناً على الأرض.

فيا أيها الإنسان الغافلُ المخلوقُ في ” أحسَن تقويم” والذي ينحدر أسفلَ سافلين لسوء اختياره ونزقه وطيشه. اسمعني جيداً حتى ترى أنت أيضا كيف كنتُ أرى الدنيا مثلَك حلوةً خضرة عندما كنتُ في غفلة الشباب وسُكره. ولكن لما أفقتُ من سكر الشباب وصحوتُ منه بصبحِ المشيب رأيت أن وجهَ الدنيا غير المتوجه إلى الآخرة والذي كنتُ أعده جميلاً رأيته وجهاً قبيحاً. وأن وجه الدنيا المتوجه إلى الآخرة حسن جميل.

(سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ أنت الْعَليمُ الْحَكيم)

(ربّ اشرح لي صدري_ ويسر لي أمري_

واحلل عقدةً من لساني_ يفقهوا قولي)

اللّهم صلِّ على الذات المحمدية اللطيفة الأحدية شمسِ سماء الأسرار، ومَظهرِ الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطبِ فلكِ الجمال.

اللّهم بسرّه لديك، وبسيره إليكِ، آمِنْ خوفي، واَقِل عَثرتي، واَذهِب حُزني وحرصي، وكُن لي، وخذني إليك مني، وارزقني الفناءَ عني، ولا تجعلني مفتوناً بنفسي محجوباً بحسي، واكشف لي عن كل سرّ مكتوم.

يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم.

وارحمني وارحم رفقائي وارحم أهل الإيمان والقرآن.

آمين آمين يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

(وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)

أيها الصديق الغافل المرتاب

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

كل ما يدركه حس الإنسان أو تكشف عن أسراره آلاته المتطورة صنع من مادة واحدة. فالذي هيأ تلك المادة وغَزَلها لابد أنه واحد، لأن تلك الصنعة لا تقبل الاشتراك، فالمنسوجات المتقنة تخصّه هو. ثم التفت إلى هذا: إن أجناس هذه المنسوجات موجودة في كل جزء من أجزاء هذا العالم العجيب وقد انتشرت انتشاراً واسع النطاق حتى إنها تُنسَج معاً وبتداخل في آن واحد وبنمط واحد في كل مكان. أي أنه فعلُ فاعلٍ واحد، فالجميع يتحرك بأمرٍ واحد. وإلاّ فمحال أن يكون هناك انسجامٌ تام وتوافق واضح في العمل وفي آن واحد وبنمط واحد وبنوعية واحدة وهيأة واحدة في جميع الأنحاء، لذا فإن كل ما هو متقن الصنع يدل دلالة واضحة على ذلك الفاعل الذي لا نراه، بل كأنه يعلن عنه صراحةً، بل كأن كل نسيج مغرز بالزهور، وكل ماكنة بديعة، وكل مأكول لذيذ، إنما هو علامة الصانع المعجز وخاتمه وآيته وطغراؤه. فكل منه يقول بلسان الحال: “مَن كنتُ أنا مصنوعه، فموضعي الذي أنا فيه مُلكُه”. وكل نقش يقول: “مَن قام بنسجي ونقشي فالطَول الذي أنا فيه هو منسوجُه”. وكل لقمة لذيذة تقول: “مَن يصنعني ويُنضجني فالقِدر الذي أطبخُ فيه مُلكُه”. وكل ماكنة تقول: “مَن قام بصنعي فكل ما في العالم من أمثالي مصنوعه وهو مالكه. أي من كان مالكاً للمملكة والقصر كله فهو الذي يمكـنه أن يملّكنا”. وذلك بمثـل مَن أراد أن يدّعي تملّك أزرار البزة العسكرية ووضع شعار الدولة عليها لابد أن يكون مالكاً لمصانعها كلها حتى يكون مالكاً حقيقياً، وإلا فليس له إلاّ الادعاء الكاذب، بل يعاقب على عمله ويؤاخذ على كلامه.

أيها الصديق ويا من يتقرب شيئاً فشيئاً إلى الإنصاف.. فها نحن هنا نعيش فى كنف هذا العالم الرتيب العجيب متجاهلين غافلين أو جاهلين أوامر رب البيت الذي يؤوينا. فإن لم نعرف أنظمة هذا البيت وقوانينه ولم نعرف مليكه فالعقاب يحق علينا، إذ لا مجال لنا بعدُ للاعتذار. فلقد أمهلونا طوال عمرنا المديد ، ولم يتعرضوا لنا بشيء. إلا أننا لا شك لسنا طلقاء سائبين، فنحن في مملكة رائعة بديعة فيها من الدقّة والرقة والعبرة في المصنوعات المتقنة ما ينم عن عظمة مليكها، فلابد أن جزاءه شديد أيضاً. وتستطيع أن تفهم عظمة المالك وقدرته من عظمة صنعه.

وستفهم أن هذه العظمة والهيبة لابد أنها تنـطوي على كـرم لا حـد له وسخاء لا حدود له.

فيا أيها الصديق الغافل! هل ترى أنه يمكن أن يكون هناك أدنى احتمال لكذبٍ أو خداع في كلام هذا الكريم؟ حاش لله أن يكون من ذلك شيء من كلامه أبداً.

تأمل في بستان هذه الكائنات، وانظر إلى جنان هذه الأرض، وأنعم النظر في الوجه الجميل لهذه السماء المتلألئة بالنجوم، تَرَ أن للصانع الجليل جل جلاله ختماً خاصاً بمن هو صانع كل شيء على كل مصنوع من مصنوعاته، وعلامة خاصة بمن هو خالقُ كل شيء على كل مخلوق من مخلوقاته، وآية لا تقلَّد خاصة بسلطان الأزل والأبد على كل منشورٍ من كتابات قلم قدرته على صحائف الليل والنهار وصفحات الصيف والربيع.

وهكذا إن لم تنطفئ جذوة عقلك ولم تفقد بصيرة قلبك فستفهم أنّ جعل الشيء الواحدِ كل شئ بسهولة مطلقة وانتظام كامل، وجعل كلَّ شئٍ شيئاً واحداً بميزانٍ دقيق وانتظام رائع وبمهارة وإبداع، ليس إلاّ علامة واضحة وآية بيّنة لخالق كل شيء وصانعه.

أيتها الأخت المومنة

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

أيتها الأخت المومنة، إن كنت تجعلين الحياة الأخرى غاية المنى وتتخذين هذه الحياة الدنيا وسيلة لها ومزرعة، وسعيتِ لها سعيها فسوف تكونين في جوار سيد البشر صلى الله عليه وسلم العبد العزيز لدى خالقه الكريم وستصبحين الـضيف المكرم الفاضل في هذه الدنيا منتظرة ما وعد الله عباده التوابين من نعيم مقيم في جنة الخلد.

أيها الكسلان

يامَن لايدرك مدى اللذة والسعادة في السعي والعمل.. أيها الكسلان! اعلم، أن الحق تبارك وتعالى قد أدرج لكمال كرمه جزاءَ الخدمة في الخدمة نفسها، وأدمج ثوابَ العمل في العمل نفسه.

ولأجل هذا كانت الموجودات قاطبة بما فيها الجمادات – من زاوية نظر معينة – تمتثل الأوامر الربانية بشوق كامل، وبنوع من اللذة، عند أدائها لوظائفها الخاصة بها والتي تطلق عليها “الأوامر التكوينية”. فكل شيء ابتداءً من النحل والنمل والطير.. وانتهاء إلى الشمس والقمر، كلٌّ منها يسعى بلذة تامة في أداء مهماتها. أي: اللذة كامنة في ثنايا وظائف الموجودات، حيث أنها تقوم بها على وجه من الإتقان التام، برغم أنها لا تعقل ما تفعل ولا تدرك نتائج ما تعمل.

فإن قلت: إن وجود اللذة في الأحياء ممكنٌ، ولكن كيف يكون الشوقُ واللذة ُ موجودين في الجمادات؟

فالجواب: إن الجمادات تطلب شَرَفاً ومقاماً وكمالاً وجمالاً وانتظاماً، بل تبحث عن كل ذلك وتفتش عنه لأجل إظهار الأسماء الإلهية المتجلية فيها، لا لذاتها، لذا فهي تتنور وتترقى وتعلو أثناء امتثالها تلك الوظيفة الفطرية، حيث أنها تكون بمثابة مرايا ومعاكس لتجليات أسماء “نور الأنوار”.

فمثلاً: قطرةٌ من الماء – وقطعة من الزجاج – رغم أنها تافهةٌ وقاتمة في ذاتها، فإذا ما توجهت بقلبها الصافي إلى الشمس، تتحول إلى نوع من عرشٍ لتلك الشمس، فتلقاك بوجه مضيء!

وكذلك الذرات والموجودات – على غرار هذا المثال – من حيث قيامها بوظيفة مرايا عاكسة لتجليات الأسماء الحسنى لذي الجلال والجمال والكمال المطلق، فإنها تسمو وتعلو إلى مرتبة من الظهور والجلاء والتنوّر هي غاية في العلو والسمو، إذ ترتفع تلك القطرة وتلك القطعة من حضيض الخمود والظلمة إلى ذروة الظهور والتنور. لذا يمكن القول: بأن الموجودات تقوم بأداء وظائفها في غاية اللذة والمتعة ما دامت تكتسب بها مرتبة نورانية سامية، واللذة ممكنة إن كانت للموجود حصة من الحياة العامة. وأظهر دليل على أن اللذة كامنة في ثنايا الوظيفة نفسها هو ما يأتي:

تأمل في وظائف أعضائك وحواسّك، ترَ أن كلاً منها يجد لذائذ متنوعة أثناء قيامه بمهامه – في سبيل بقاء الشخص أو النوع – فالخدمة نفسها، والوظيفة ُعينها تكون بمثابة ضربٍ من التلذذ والمتعة بالنسبة لها، بل يكون ترك الوظيفة والعمل عذاباً مؤلماً لذلك العضو.

وهناك دليل ظاهر آخر هو: أن الديك – مثلاً – يؤثر الدجاجات على نفسه، فيترك ما يلتقطه من حبوب رزقه إليهن دون أن يأكل منها. ويُشاهد أنه يقوم بهذه المهمة وهو في غاية الشوق وعزّ الافتخار وذروة اللذة.. فهناك إذن لذةٌ في تلك الخدمة أعظم من لذة الأكل نفسه. وكذا الحال مع الدجاجة – الراعية لأفراخها – فهي تُؤْثرها على نفسها، إذ تدع نفسَها جائعةً في سبيل إشباع الصغار، بل تضحي بنفسها في سبيل الأفراخ، فتهاجم الكلب المُغير عليها لأجل الحفاظ على الصغار.

ففي الخدمة إذن لذة تفوق كل شيء، حتى إنها تفوق مرارة الجوع وترجّح على ألم الموت. فالوالدات من الحيوانات تجد منتهى اللذة في حمايتها لصغارها طالما هي صغيرة. ولكن ما إن يكبر الصغير حتى تنتهي مهمة الأم فتذهب اللذة أيضاً. وتبدأ الأم بضرب الذي كانت ترعاه، بل تأخذ الحَب منه.. هذه السّنة الإلهية جارية ٌفي الحيوانات إلاّ في الإنسان إذ تستمر مهمة الأم نوعاً ما، لأن شيئاً من الطفولة يظل في الإنسان حيث الضعف والعجز يلازمانه طوال حياته، فهو بحاجة إلى الشفقة والرأفة كل حين.

وهكذا، تأمل في جميع الذكور من الحيوانات كالديك، وجميع الوالدات منها كالدجاج، وافهم كيف أنها لا تقوم بتلك الوظيفة ولا تنجز أي شيء لأجل نفسها ولا لكمالها بالذات حيث تفدي نفسها إذا احتاج الأمر. بل إنها تقوم بتلك المهمة في سبيل المُنعم الكريم الذي أنعم عليها، وفي سبيل الفاطر الجليل الذي وظّفها في تلك الوظيفة فأدرج برحمته الواسعة لذةً ضمن وظيفتها، ومتعةً ضمن خدمتها.

وهناك دليل آخر على أن الأجرة داخلةٌ في العمل نفسه وهو أن النباتات والأشجار تمتثل أوامر فاطرها الجليل بما يُشعر أن فيها شوقاً ولذة، لأن ما تنشره من روائح طيبة، وما تتزين به من زينة فاخرة تستهوي الأنظار، وما تقدمه من تضحيات وفداء حتى الرَمَق الأخير لأجل سنابلها وثمارها.. كل ذلك يعلن لأهل الفطنة: إن النباتات تجد لذةً فائقة في امتثالها الأوامر بما يفوق أية لذة أخرى، حتى أنها تمحو نفسها وتهلكها لأجل تلك اللذة.. ألا ترى شجرة جوز الهند، وشجرة التين كيف تُطعم ثمرتها لبناً خالصاً تطلبه من خزينة الرحمة الإلهية بلسان حالها وتتسلمه منها وتظل هي لا تُطعم نفسها غير الطين. وشجرة الرمان تسقي ثمرتها شراباً صافياً، وَهبَها لها ربُّها، وهي ترضى قانعةً بشراب ماءٍ عكر. حتى أنك ترى ذلك في الحبوب كذلك، فهي تُظهر شوقاً هائلاً للتسنبل، بمثل اشتياق السجين إلى رحب الحياة.

ومن هذا السرّ الجاري في الكائنات المسمى بـ”سُنّة الله” ومن هذا الدستور العظيم، يكون العاطل الكسلان الطريح على فراش الراحة أشقى حالاً وأضيق صدراً من الساعي المجدّ، ذلك لأن العاطل يكون شاكياً من عمره، يريد أن يمضي بسرعة في اللهو والمرح. بينما الساعي المجدّ شاكرٌ لله وحامدٌ له، لايريد أن يمضي عمرَه سدىً. لذا أصبح دستوراً عاماً في الحياة: “المستريح العاطل شاكٍ من عمره والساعي المجدّ شاكرٌ”. وذهب مثلاً: “الراحةُ مندمجة في الزحمة والزحمة مندمجة في الراحة”.

نعم إذا ما أُمعن النظر في الجمادات فإن السنة الإلهية المذكورة تظهر بوضوح؛ فالجمادات التي لم تتكشف استعداداتُها وباتت ناقصةً من هذه الناحية، تراها تسعى بشدة، وتبذل جهداً عظيماً لكي تنبسط وتنتقل من طور “القوة” الكامنة إلى طور “الفعل”. وعندها يشاهد عليها ما يشير إلى أن في تلك الوظيفة الفطرية شوقاً، وفي ذلك التحول لذةً، جرياً بدستور سنّة الله، فإن كانت لذلك الجامد حصة في الحياة العامة، فالشوق يعود إليه، وإلاّ فهو يعود إلى الذي يمثل ذلك الجامد ويشرف عليه، بل يمكن أن يقال بناء على هذا السر: إن الماء اللطيف الرقراق ما أن يتسلم أمراً بالانجماد، حتى يمتثل ذلك الأمر بشدة وشوق إلى حدّ أنه يكسر الحديد ويحطّمه. فإذن عندما تبلّغ البرودة ُودرجاتُ الانجماد أمراً ربانياً بالتوسع إلى الماء الموجود داخل كرة حديدٍ مقفلة، فإن الماء يمتثل الأمر بشدة وشوق بحيث يحطّم كرة الحديد تلك، وينجمد.

وعلى هذا فقس جميع ما في الكون من سعي وحركة، ابتداءً من دوران الشموس في أفلاكها وانتهاءً إلى دوران الذرات ودوراتها واهتزازاتها.. فلا تجد أحداً إلاّ ويجري على قانون القَدَر الإلهي، ويظهر إلى الوجود بالأمر التكويني الصادر من يد القدرة الإلهية والمتضمن العلم الإلهي وأمره وإرادته.. حتى إن كل ذرة، وكل موجود، وكل ذي حياة، إنما هو كالجندي في الجيش، له علاقات متباينة ووظائف مختلفة، وارتباطات متنوعة مع كل دائرة من دوائره. فالذرة الموجودة في عينيك – مثلاً – لها علاقة مع خلايا العين، ومع أعصاب العين في الوجه، ومع الشرايين والأوردة في الجسم، وعلى أساس هذه العلاقات والروابط تُعَيَّنُ لها وظيفة، وعلى ضوئها تنتج فوائد ومصالح وهكذا..

فقس على هذا المنوال كل شيء في الوجود.

وعلى هذا الأساس فإن كل شيء في الوجود يشهد على وجوب وجود القدير المطلق من جهتين:

الأولى: قيامه بوظائف تفوق طاقته المحدودة بآلاف المرات، مع أنه عاجزٌ عن ذلك، فيشهد بلسان عجزه إذن على وجود ذلك القدير المطلق.

الثانية: توافق حركته مع الدساتير التي تكوّن نظام العالم، وانسجام عمله مع القوانين التي تديم توازن الموجودات، فيشهد – بهذا الانسجام والتوافق – على وجود ذلك العليم القدير.

ذلك لأن جماداً كالذرة – أو حشرة كالنحل – لا تستطيع أن تعرف النظام والموازنة اللذين هما من المسائل الدقيقة المهمة المسطورة في الكتاب المبين.. إذ أين الذرة والنحلة من قراءة ذلك الكتاب الذي هو في يدِ مَن يقول: (يوم نطوي السماء كطيّ السِجل للكتب) (الأنبياء: 104) فلا يجرؤ أحد أن يردّ هذه الشهادة للذرة إلاّ مَن يتوهم بحماقة متناهية أنها تملك عيناً بصيرة تتمكن بها قراءة الحروف الدقيقة لذلك الكتاب المبين؟.

نعم، إن الفاطر الحكيم يدرج دساتيرَ الكتاب المبين وأحكامه دَرجاً في غاية الجمال، ويجمُلها في غاية الاختصار، ضمن لذةٍ خاصةٍ لذلك الشيء، وفي ثنايا حاجةٍ مخصوصة له. فإذا ما عمل الشيء وفق تلك اللذة الخاصة والحاجة المخصوصة، فإنه يمتثل – من حيث لا يشعر – أحكام ذلك الكتاب المبين.

فمثلاً: إن البعوضة في حين مولدها ومجيئها إلى الدنيا تنطلق من بيتها وتهاجم وجه الإنسان وتضربه بعصاها الطويلة وخرطومها الدقيق وتفجّر به السائل الحيوي، وتمصّه مصاً، وهي في هذا الهجوم تُظهر براعة عسكرية فائقة..

تُرى مَن علّم هذا المخلوق الصغير الذي أتى حديثاً إلى الدنيا وليس له من تجربة سابقة، هذه المهارة البارعة، وهذه الفنون الحربية الدقيقة، وهذا الإتقان في التفجير، فمن أين اكتسب هذه المعرفة؟.. فأنا هذا السعيد المسكين أعترف بأني لو كنت بدلاً منه، لما كنت أتعلم تلك المهارة، وتلك الفنون العسكرية من كرّ وفرّ، وتلك الأمور الدقيقة في استخراج السائل الحيوي إلاّ بعد تجارب طويلة، ودروس عديدة، ومدة مديدة.

فقس على البعوضة النحل الملهمة والعنكبوت والبلبل الناسج لعشه نسجاً بديعاً، بل يمكنك قياس النباتات على الحيوانات أيضاً.

نعم إن الجواد المطلق جل جلاله قد سلّم بيد كل فردٍ من الأحياء “بطاقة تذكرة” مكتوبةً بمداد اللذة وحبر الاحتياج، فأودع سبحانه فيها منهاج أوامره التكوينية، وفهرس ما يقوم به الفرد ُمن وظائف.. فسبحانه من حكيم ذي جلال، كيف أدرج ما يخص النحل من دساتير الكتاب المبين في تلك “التذكرة” الصغيرة وسطرَها في رأس النحلة، وجعل مفتاحها لذةً خاصة بالنحلة الدائبة،لتفتح به تلك “التذكرة” المودعة في دماغها وتقرأ منهاج عملها فيها وتدرك وظيفتها، وتسعى وتجدّ وفقها، وتبرز حكمةً من الحكم المكنونة في الآية الكريمة: (وأوحى ربُّك إلى النحل) (النحل: 68).

فيا مَن يقرأ أو يسمع هذه المذكِّرة! إن كنت قد فهمتها حقَّ الفهم فقد فهمت إذن سراً من أسرار: (ورحمتي وسعت كلَ شيء) (الأعراف:156).

وأدركت حقيقةً من حقائق: (وَإنْ مِنْ شَيءٍ إِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ) (الإسراء: 44)

وتوصلت إلى دستور من دساتير: (إنما أمره إذا أرادَ شيئاً أن يقول له كُن فيكون) (يس: 82)

وتعلمت مسألة لطيفة من مسائل: (فسبحان الذي بيده ملكوت كلّ شيءٍ وإليه تُرجعون) (يس: 83).

اصرخ في وجه الشيطان

بينما أنت تناجي ربك في الصلاة بخشوع وتضرع وحضور قلب مستقبلاً الكعبة المعظمة، إذا بتداعي الأفكار هذا يسوقك إلى أمور مشينة مخجلة لا تعنيك بشيء. فإذا كنت يا أخي مبتلى بتداعي الأفكار، فإياك إياك أن تقلق أو تجزع، بل عُد إلى حالتك الفطرية حالما تنتبه لها. ولا تشغل بالك قائلاً: لقد قصّرت كثيراً.. ثم تبدأ بالتحري عن السبب.. بل مر عليها مرّ الكرام لئلا تقوى تلك العلاقات الواهية العابرة بتركيزك عليها، إذ كلما أظهرت الأسى والأسف وزاد اهتمامك بها انقلب ذلك التخطر إلى عادة تتأصل تدريجياً حتى تتحول إلى مرض خيالي. ولكن لا.. لا تخش أبداً، إنه ليس بمرض قلبي، لأن هذه الهواجس النفسية والتخطر الخيالي هي في أغلب الحالات تتكون رغماً عن إرادة الإنسان وهي غالباً ما تكون لدى مرهفي الحس والأمزجة الحادة. والشيطان يتغلغل عميقاً مع هذه الوساوس.

اعلم أن الإسلام دين الله الحق، دين يسر لا حرج فيه، وأن المذاهب الأربعة كلها على الحق. فإن أدرك المرء تقصيره تلافاه بالاستغفار الذي هو أثقل ميزاناً من الغرور الناشئ من إعجابه بالأعمال الصالحة. لذا فإن رأى مثل هذا الموسوس نفسه مقصراً في عمله واستغفر ربه فذلك خيرٌ له ألف مرة من أن يغتر إعجاباً بعمله. فما دام الأمر هكذا، فاطرح الوساوس واصرخ في وجه الشيطان. إن هذا الحال حرجٌ، وإن الاطلاع على حقيقة الأحوال أمرٌ صعب جداً، بل ينافي اليُسر في الدين، ويخالف قاعدة “لا حرج في الدين” و “الدين يُسر”. ولابد أن عملي هذا يوافق مذهباً من المذاهب الإسلامية ا، وهذا يكفيني. حيث يكون وسيلة لأن ألقي بنفسي بين يدي خالقي ومولاي ساجداً متضرعاً أطلب المغفرة، وأعترف بتقصيري في العمل، وهو السميع المجيب.

دسائس الشيطان

إن أخطر دسائس الشيطان هو أنه يُلبس على بعض ذوي القلوب الصافية والحس المرهف تخيّلَ الكفر بتصديق الكفر، ويُظهر لهم تصوّرَ الضلالة تصديقاً للضلالة نفسها، ويجلب إلى خيالهم خواطر قبيحة في حق الأشخاص والأمور المنزّهة المقدسة، ويوهمهم بالشك في بعض يقينيات الإيمان بجعل الإمكان الذاتي في صورة الإمكان العقلي. وعندئذ يظنّ هذا المسكين المرهف الحسّ أنه قد هوى في الكفر والضلالة، ويتوهم أنه قد زال يقينه الإيماني، فيقع في اليأس والقنوط. ويكون بيأسه

هذا أضحوكة للشيطان الذي ينفث في يأسه القاتل، ويضرب دوماً على وتره الحسّاس، وينفخ في اِلتباساته ويثيرها، فأما أن يخلّ بأعصابه وعقله، أو يدفعه إلى هاوية الضلالة.

وَهذه الهمزات والوساوس لا سند لها ولا أساس، كما أن صورة الحيّة في المرآة لا تلدغ، واِنعكاس النار فيها لايحرق، وظل النَجَس فيها لا ينجّس، كذلك ما ينعكس على مرآةِ الخيال أو الفكر من صورِ الكفر والشرك، وظلال الضلالة، وخيالات الكلمات النابية والشتم، لاتفسد العقيدة واليقين ولاتغير الإيمان، ولاتثلم أدب التوقير والاحترام. ذلك لأنه من القواعد المقررة: تخيّل الشتم ليس شتماً، وتخيل الكفر ليس كفراً، وتصوّرَ الضلالة ليس ضلالةً.

أما مسألة الشك في الإيمان، فان الاحتمالات الناشئة من الإمكان الذاتي لاينافي اليقين ولايخلّ به. إذ من القواعد المقررة في علم أصول الدين : أن الإمكان الذاتي لاينافي اليقين العلمي.

فمثلاً: نحن على يقين من أن بحيرة بارلا مملوءة بالماء ومستقرةٌ في مكانها، إلا انه يمكن أن تخسف في هذه اللحظة. فهذا إمكان ذاتي واحتمالٌ، وهو من الممكنات. ولكن لأنه لم ينشأ من أمارة، أو دليل، فلا يكون إمكانا ذهنياً حتى يوجب الشك. لأن القاعدة المقررة في علم أصول الدين أنه: لاعبرة للاحتمال غير الناشئ عن دليل بمعنى: لايكون الاحتمال الذاتي الذي لم ينشأ عن أمارة إمكانا ذهنياً، فلا أهمية له كي يوجب الشك. فبمثل هذه الإمكانات والاحتمالات الذاتية يظن المسكين المبتلى انه قد فقد يقينَه بالحقائق الإيمانية. فيخطر بباله مثلاً خواطر كثيرة من الإمكان الذاتي من جهة بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولاشك أنها لا تخلّ بيقينه وجزمه الإيماني، ولكن ظنه أن هذا يضرّ هو الذي يسبب له الضرر.

وأحياناً أخرى تُلقي لمَةُ الشيطان – التي هي على القلب – كلاماً لا يليق بجلال الله سبحانه وتعالى. فيظن صاحبه أن قلبه هو الذي فَسَد فصدر عنه هذا الكلام، فيضطرب ويتألم. والحال أن اضطرابه وخوفه وعدم رضاه دليلٌ على أن تلك الكلمات لم تكن صادرةً من قلبه، وإنما هي من اللمّة الشيطانية، أو أن الشيطان يخيّلها اليه ويذكّره بها.

وكذلك فان من بين اللطائف الإنسانية -وهي بضع لطائف لم استطع تشخيصها- ما لا ترضخ للإرادة والاختيار، ولا تدخل تحت وطأة المسؤولية – فتتحكم أحيانا وتسيطر دون أن تنصت لنداء الحق، وتلج في أمور خاطئة، وعندئذ يُلقي الشيطان في رَوع هذا الانسان المبتلى: إن فطرتَك فاسدة لا تنسجم مع الإيمان والحق، ألا ترى أنها تلج بلا إرادة في مثل هذه الأمور الباطلة؟ إذن فقد حكم عليك قَدَرك بالتعاسة وقضى عليك بالشقاء!! فيهلك ذلك المسكين في هذا اليأس المدمّر.

وهكذا فان حصن المؤمن الحصين من الدسائس الشيطانية المتقدّمة هي المُحكمات القرآنية والحقائق الإيمانية المرسومةُ حدودُها بدساتير العلماء المحققين والأصفياء الصالحين. أما الدسائس الأخيرة فإنها تُردّ بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى وبإهمالها، لأن من طبيعة الوساوس أنها تكبر وتتضخم كلما زاد الاهتمام بها. فالسُنّة المحمدية للمؤمن هي البلسم الشافي لمثل هذه الجراحات الروحية.

أيها المنكر للحشر

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

الفاطر الحكيم يستجيب لدعاء النباتات المعنوي، فيهَب لبذور طائفة منها جُنيحات من شعيرات دقيقة لتتمكن بها من الطيران إلى كل مكان، فتجعل الناظر إليها يقرأ أسماء الله الحسنى كما في أغلب النباتات الشوكية وقسم من بذور الأزهار الصفراء، ويهب سبحانه لآخر نسيجاً طرياً طيباً يحتاجه الإنسان ويرتاح إليه، حتى يجعل الإنسان خادماً له، فيزرعه في كل ناحية.. ويهب لطائفة أخرى ما لا يهضم من شبيه العظام مكسواً بما يشبه اللحم تستسيغه الحيوانات، فتنشرها في أقطار الأرض.. ويهب لبعضٍ شويكات دقيقة تتعلق بالأشياء بأدنى تماس. وبهذا ينتقل من مكان إلى آخر فينشر راية طائفته هناك.

أيها المنكر للحشر! انظر إلى الأشجار! فإن مَن يحيي أشجاراً لاحدّ لها في الربيع بعد أن ماتت في الشتاء وأصبحت شبيهة بالعظام.. ويجعلها مخضرّة، بل يُظهر في كل شجرة ثلاثة نماذج من الحشر؛ في الأوراق والأزهار والأثمار.. إن هذا القدير لا تُتحدّى قدرتُه بالإنكار ولا يُستبعد منه الحشر.