شهدت الدار البيضاء في 16 ماي 2003 أعمالا شنيعة استنكرها المغاربة قاطبة لكونها تتنافى مع مبادئ وسماحة ديننا الذي قامت دعوته أساسا على المحبة والرحمة والرفق، ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” والدفع بالتي هي أحسن “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”.

والمعتقلون السياسيون هم من أبناء ومحبي هذا الوطن، وقد استنكروا تلك الأعمال من خلال بياناتهم والحركات الإسلامية التي ينتمون إليها. معتقلون كان من المفروض أن يطلق سراحهم منذ سنوات باعتبار أن وجودهم داخل السجن غير مشروع، وقد أكدت ذلك منظمات حقوقية وهيآت سياسية الخ. فمعتقلو العدل والإحسان مثلا، المعروفون بطلبة وجدة، وكلهم دكاترة وباحثون، قد اعترفت الدولة رسميا بهويتهم السياسية حينما استثنوا من العفو الشامل سنة 94، إذ أطلق سراح 16 منهم بينما أبقي على الإثني عشر رهن الاعتقال رغم انتسابهم لنفس المجموعة أو الملف الجنائي، وهو ما يعد اعترافا رسميا وخرقا صريحا لمقتضيات هذا العفو، ذلك أن العفو الشامل هو، من الناحية القانونية، عفو ينصب على وقائع أو أحداث معينة فيزيلها من دائرة الإدانة بما يترتب عن ذلك من شمول العفو كل شخص نسب إليه ارتكاب أو المشاركة في ارتكاب تلك الأحداث، كما أن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أعلن في سنة 1998 في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية أن ملف طلبة وجدة سيجعل له مخرج وحل نهائي وسيصفى في أجل أقصاه ستة أشهر انتهت في 9 أبريل 1999 بينما يضل الملف عالقا إلى حد الآن، فضلا على أن سياق اعتقالهم وكذا ملفهم يفتقران إلى كل الأدلة المدينة، ويشهدان بشكل واضح على أن “الملف مطبوخ” والتهم ملفقة.

ظللنا إذن وراء القضبان دون سند مشروع، ووجدنا أنفسنا في سجون تتخبط في مأساة إنسانية مما جعلنا مضطرين منذ ولوجنا السجن للدفاع عن حقوقنا بكل الوسائل المتاحة، من إضرابات عن الطعام ومراسلة المسؤولين وغيرها من الوسائل السلمية، التي كنا نهدف منها تحقيق الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية في ظل سجن أقل ما يوصف به أنه مقبرة جماعية للأحياء تنتهك فيه حرمة الإنسان، ويدمر فيه العقل والجسد على حد سواء، بعيدا عن الندوات أو الشعارات الفارغة التي ترفع هنا وهناك والتي تبين أن المراد منها هو تزيين الواجهة ضدا على الحقيقة والواقع المتردي السيئ.

وبعد تضحيات جسيمة خلفت وراءها أمراضا، لا يزال بعضنا يئن تحت وطأتها، حققنا مكاسب عددناها حقوقا إنسانية بسيطة، فالحرمان من الحرية لا ينبغي أن يواكبه تعذيب جسدي ونفسي، بينما القيمون على السجون يرون أنها امتياز عن باقي السجناء لإيمانهم أن الوضع السوي للسجين هو التردي …، عقلية قيل أنها غيرت والواقع أنها ما زالت متحكمة في رقاب السجناء وحولتهم إلى سوق استهلاكية للمخدرات وتجارة الأجساد والأعراض والتعذيب، ومصدر لموارد مالية مهمة الخ.

ومنذ حلول السيد بلوز عبد الهادي مديرا بالسجن المركزي بالقنيطرة سنة 2002 وهو يتحدث عن التعليمات، وأن ضغوطا تمارس عليه للإجهاز على تلك المكتسبات البسيطة إلى أن ابتلي الشعب المغربي بأحداث 16 ماي الإرهابية، التي اتخذها منطلقا لترهيبنا وإرهابنا، فأجهز على حقنا في الزيارة التي استفدنا منها في ظروف عادية لأزيد من عشر سنوات دون أن يصدر منا ما يضر الغير أو يخل بالأمن، فحرمنا من التواصل مع أقاربنا وأصدقائنا، بل وصل به الأمر إلى حد منعنا من الاستفادة من حقنا في الاستحمام والتواصل مع عائلاتنا عبر الهاتف الثابت.

ما هي المبررات أو الدوافع التي جعلت السيد المدير يستغل هذه الأحداث المستنكرة للإقدام على أفعال ليست أقل شناعة من الأفعال الإرهابية ل 16 ماي، فكلها تنضوي تحت يافطة واحدة ألا وهي الاعتداء على حرمة الغير وانتهاك حقوقه، وباختصار إرهاب وترهيب .

نجد الجواب عند السيد المدير نفسه من خلال ما دار من حديث بينه وبين بعض المعتقلين السياسيين حيث أكد أنه تلقى تعليمات عليا صارمة تفوق المدير العام لإدارة السجون ووزير العدل للإجهاز على كل المكتسبات التي راكمها المعتقلون السياسيون لأزيد من عشرين سنة بسبب أحداث 16 ماي الأخيرة، وأضحى يهدد بالعواقب الوخيمة والتعذيب في حالة إقدامنا على الاعتصام، بل وصلت به الجرأة إلى ضرب أحد المعتقلين يوم 23 ماي 2003 …الخ .

تجند إذن السيد المدير رفقة طاقم الإدارة المحلية للإجهاز على هذه المكتسبات، في حين أضحى السجن أرضا خصبة للإهمال والتعذيب الجسدي والانتحار وبيع المخدرات علانية دون رقيب ولا حسيب لأن “السوق مشرية ” حسب تصريحات السجناء، فكل هذه الآفات أمور ثانوية بالنسبة للمدير المحلي، وهي بالتالي لا تتطلب اهتماما ولا انشغالا، أما المعتقلون السياسيون وفي مقدمتهم معتقلو العدل والإحسان فقد جعل الاعتداء على حقوقهم همه الأول وشغله الشاغل، معتقلون ظلوا متعايشين مسالمين خلال سنوات طويلة إلا حين يعتدى عليهم ويظلمون وتسلب حقوقهم بدون مبرر مشروع فيضطرون لبذل كل ما في وسعهم في سبيل كرامتهم بما في ذلك نفوسهم أغلى ما يملكون.

ويحق لنا بعد هذا أن نتساءل :

1 ـ هل تلقى السيد المدير بالفعل تعليمات من فوق وزير العدل؟ وأية جهة هاته، فوق وزير العدل، التي يحق لها أن تتصرف خارج القانون، فوزير العدل هو أعلى مسؤول في هذه المؤسسات والمصالح التابعة لوزارته، أم أن المقصود هو أن رجال الأمن قد وجهوه مباشرة للقيام بأعماله الشنيعة تلك؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل هي تعليمات ذات أبعاد سياسية استئصالية؟

2 ـ أية علاقة لهؤلاء المعتقلين السياسيين بأحداث 16 ماي الأليمة، وهم الذين استنكروها، حتى يعاقبوا بما لم تقترفه أيديهم، والقانون أنه لا يعاقب أحد بجرم الغير.

3 ـ يشاع أن ما يحدث في السجن المركزي من اعتداء اجتهاد من المدير المحلي بإيحاء من مستشاريه، مستغلين الحملة الإعلامية ضد الحركات الإسلامية فواكبوا بأنفسهم هذه الموجة أو خطاب الظرفية غير المتزن، وهم بهذا يلعبون بالنار ويسيئون إلى أنفسهم وبلادهم من حيث يظنون أنهم يحسنون، وهو ما يقتضي من الجهات المسؤولة إذا صح الأمر التدخل لمحاربة هذا الإرهاب وعقلياته، وتحمل المسؤولية الكاملة عما يمكن أن يؤول إليه هذا الوضع القاتم.

إن ما يجري في السجن المركزي من إجهاز غير مشروع على حقوق ومكتسبات المعتقلين السياسيين التي استفادوا منها لأزيد من عقدين من الزمن هو تعسف واعتداء دفع بكل المعتقلين السياسيين إلى خوض احتجاجات وإضرابات عن الطعام قصد استرجاع حقوقهم الإنسانية رغم ما قد ينجم عنها من أضرار على أحوالهم الصحية المتردية أصلا، لذا أناشد كل الفضلاء والمنظمات الحقوقية والإنسانية والهيآت السياسية والجهات المسؤولة أن تتدخل لوضع حد لهذا النزيف وإرجاع الأمور إلى نصابها، ونأمل أن يكون ما حدث مجرد خطأ محلي يستدرك عاجلا، فسياسة خلط الأوراق، وسلوك طريق الاعتداء والإرهاب في حقنا لن يساهم إلا في تشويه سمعة المغرب والكشف عن زيف شعارات حقوق الإنسان ودولة الحق والقانون التي تردد هنا وهناك.

حرر بالسجن المركزي بالقنيطرة يوم 18 يونيو 2003