إذا كانت أحداث 16 ماي قد هزت المغاربة في العمق، إلا أن الطبقة السياسية عبرت عن عجز فظيع عن استقراء الحدث واستخلاص الدروس والرد من منطلق مصلحة البلد عوض مصلحة السلطة والحزب والتيار والإديولوجية.

لانحتاج إلى أن نُذكّر في البداية بأن أسلوب العنف لتغيير واقع المسلمين البئيس سيظل محكوما بالفشل وسيظل خارج مسار التاريخ وسياج الشرعة القرآنية والمنهاج النبوي. وليس عن هذا نريد أن نتحدث، لأنه أصبح من باب تحصيل الحاصل. ولقد سارت الركبان غربا وشرقا بموقف منظري حركة الإسلام في هذا القرن وما قبله الذي يقول منذ أكثر من ثلاثين سنة أن العنف على المسلمين في زمن الفتنة هو فتنة، حاشا القومة المباركة الشعبية التي ستهد الباطل وتقضي على المنكر الأكبر: الحكم الاستبدادي عوض الحرية والشورى، والظلم الاجتماعي والقضائي عوض العدل، ومسخ الإنسان واستحماره عوض الإحسان.

قصور القوى السياسية والحسابات التكتيكية

إن ما حدث لا يعتبر خطيرا فقط بسبب الأرواح التي أزهقت فيه، والاقتصاد المتخلف الذي تم الإجهاز عليه والسياحة المتسخة التي تم تدميرها، ولكن خطورته الأكبر تكمن في أسبابه التي لازالت قائمة وقادرة على أن تننج المزيد من العنف والاضطراب الاجتماعي والسياسي، وتتجسد في كونه يدشن لمرحلة جديدة بدأ الشباب البائس المحروم يعبر فيها عن نفسه بالعنف عوض الارتماء في لجج أمواج مضيق جبل طارق.

إلا أن القوى السياسية والجهات المخزنية تعاملت معها بقصور كبير حكمته الحسابات التكتيكية التالية:

1 – حساب الانتخابات وذلك عبر العمل على رفع عدد المقاعد التي يجب تحصيلها في الجماعات الحضرية والقروية القادمة من طرف كل حزب سياسي.

2 – تصفية الحسابات السياسية بين أجنحة المخزن ومجنديه فيما بينهم من جهة، وبين المخزن وبعض الأشخاص المزعجين ذويي المواقف المستقلة أكثر من اللازم من جهة ثانية، وبين بعض التيارات السياسية داخل الأحزاب التي عجزت في تصفية حساباتها عبر الآليات الحزبية التقليدية من جهة ثالثة؛ ولعل أهم المحاكمات والسجال الإعلامي الذي أعقب الحدث يمكن تصنيفه في هذا المضمار.

3 – حساب الإديولوجيا، حيث ظنت بعض القوى السياسية – التي فشلت في نشر إديولوجيتها والانتصار لها- أن هذا الحدث هو الفرصة الذهبية لاستدراك ما فات. وقد ظهر هذا الأمر عند تيارين اثنين يختلفان من حيث الرؤية الفكرية ويلتقيان من حيث فشلهما معا في استنبات إديولوجيتهم ومن حيث عدائهما للإسلام (وليس للحركة الإسلامية فقط)، وهما التيار التغريبي وفلول التيار الشيوعي.

منفذ الإغاثة

إن مَنْـفذ الإغاثة للخروج بالبلاد من مسار الكارثة والطوفان يمر عبر الإسراع في تبني الأسس التالية:

أولا: توسيع دائرة المشاركة السياسية.

وذلك عبر فتح المجال لقوى المجتمع التي تمت محاصرتها منذ عشرات السنين بمبرر أمني ضيق المفهوم، بمعنى أمن أصحاب الكراسي في كراسيهم عوض أمن الشعب، والأمن من انفلات زمام التسلط عوض أمن المجتمع واقتصاده.

توسيع الدائرة يجب أن يتم بدون أية قيود دستورية أو إديولوجية، بل يجب أن يكون من أول مهام هذه المشاركة الاتفاق على أرضية قادرة على احتواء التغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع منذ أن كان عنف المخزن هو الضابط للوضع والضامن لاستقرار الكراسي والتسلط. هذه الأرضية هي التي تنادي بعض القوى السياسية بها منذ مدة تحت عنوان الميثاق.

ثانيا: رد المظالم

عوض أن يُبنى الأساس الأول -المتمثل في توسيع دائرة المشاركة- على التنازل يجب أن يُؤسس على رد المظالم السياسية من خلال إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين والسياسيين والصحفيين، وإعادة الجرائد التي مُنعت والجمعيات التي حُلّت.

ثالثا: حل الأجهزة الأمنية المخزنية

إن الواقع الجديد الذي يخول للبلاد بابا للإغاثة يتأسس على حل الأجهزة المخزنية الأمنية المشبوهة التي لا زالت تعشش فيها عقلية الاختطاف والتعذيب والسرقة الموصوفة لممتلكات خصوم المخزن وتعويضها بأخرى وظيفية تعمل في شفافية في انتظار أن يوضع لها الإطار القانوني السليم بحكم كزن القوانين الحالية أتبتت عجزها عن محاصرة الرشوة والفساد الإداري الذي خرب الاقتصاد وبنيات المجتمع.

لا أحد يعلم حتى قطب المخزن أو أقطابه ماذا تفعل هذه الأجهزة وماهي قادرة على فعله. ولا يتسع المجال هنا لمناقشة الرأي الذي يذهب إليه بعض المحللين بافتراض ضلوعها مباشرة في أحداث 16 ماي والتخطيط لها وتجنيد المجندين للقيام بها عن وعي أو غير وعي منهم، ولكن ما يكاد يجمع عليه الفاضلون في المغرب أن هذه الأجهزة أصبح ضررها أكثر من نفعها بعد أن أصبحت تجمع من المعلومات ما يمَـكِّنها من حماية نفسها وتوسيع نفوذها إلى ما لا نهاية عوض تحقيق الأمن للمخزن، ناهيك عن تحقيقه للمجتمع.

إن مَـنْـفذ الإغاثة المبني على هذه الأسس هو الذي يُنتظر منه أن يسهل عملية التحول الجدري نحو الحرية والعدل وحقوق الإنسان كمرحلة أولى.

عندما نتحدث عن منفذ للإغاثة، فلأن كل الأبواب الأخرى إما موصدة أومؤدية إلى الطوفان.

فالاقتراحات الاستئصالية والانفعالات الإديولوجية المحكومة بحسابات قريبة المدى وضيقة المنفعة هي إلى بوار كما بارت في السابق إيديولوجياتهم التي كانوا يظنونها المنقذ والفيصل “العلمي”.

والحسابات السياسوية الانتخابية مآلها إلى فشل، لأنه لا معنى لبرلمان في بلاد بلا أمان، الحكومة فيها خادمة للمخزن والبرلمان نادل وتابع.

وحتى الحلول التجزيئية التي انبرت في نباهة ومحاسبة بقالية إلى الدعوة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية و “التثقيف” تكاد تكون أشبه بزرع الورد في مزبلة. تنمي ماذا يا أستاذ والبلاد كلها خَِربة بالرشوة والمحسوبية، والفساد قد نخر المجتمع ومؤسساته، والرجز قد حل بالمكان؟

والله غالب على أمره

عندما تحل النار أو كارثة طبيعية بمبنى عمومي، فمن شروط نجاح الإنقاذ أن تكون العلامات المكتوبة على الحيطان والتي توضح مكان منفذ الإغاثة واضحة وأن يستطيع الساكنون ال