أعتقد أن من حق كل مواطن أن يسجل ملاحظات بشأن ما يجري حوله خاصة إذا كان ذلك يمسه من قريب أوبعيد، ومن منا لا تمسه أحداث 16 ماي المؤلمة في الصميم؟ أستهل حديثي بالتشبت بهذا الحق، حق إبداء الملاحظة، لأن بعض المغاربة- وللأسف الشديد- أصبحوا يخشون من مصادرة هذا الحق، فمجرد الملاحظة قد تصبح ممنوعة هذه الأيام، وإلى حين إشعار آخر، حتى وإن كانت الملاحظة محتشمة وبعيدة كل البعد عن خطوطهم الحمراء والزرقاء والسوداء…

فأنت “إرهابي” إن أبديت ملاحظة، وقلت أن منطق الحق والعدل والقانون لا يستسيغ أبدا محاكمة أناس انطلاقا من هذه العبارة الفضفاضة “إنهم كانوا يستعدون لتفجير أنفسهم في الصويرة أو أكادير أو ربما في الوقواق!..” فلابد من أدلة تثبت ذلك. وربما أنت ” إرهابي” مع سبق الإصًرار إذا طالبت القضاء بالكشف عن تلك الأدلة…وأنت ضد أمن الدولة واستقرارها وطمأنينتها وسكينتها، إذا أبديت ملاحظة، وقلت: لا لبعض الفصول المجحفة في قانون يضع كل المواطنين في قفص الاتهام، حيث تم وضع ” قشابة” واسعة عريضة للإرهاب، قد تسع كل مغربي ومغربية، عفوا لا تسع إلا من امتلئت بطونهم من أموال الشعب، التي سرقت من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض العقاري السياحي، والبنك الشعبي، وأغلب المؤسسات العمومية وشبه العمومية، وكوماناف هذه الأخيرة التي عرضوها للخوصصة بعد أن نهبوا ما فيها..

لا أستمر في الاستطراد، وأتخلص من كل ما يطارد مخيلتي من تهم وأحكام جاهزة، لأعود إلى تأكيد حقي في تسجيل ملاحظات حول ما يجري في بلدي، بلدي الذي لا أقبل من أي كان، وبأي طريقة كانت أن يجعله محل مزايدة رخيصة، فحب الأوطان من الإيمان.

أسجل ملاحظات، وأسجل أنها ليست عابرة، إذ سيذكرها التاريخ لا محالة، وسيستدعيها المستقبل لا مندوحة، وذلك حين تدق ساعة المساءلة والمكاشفة ليعلم كل منا ماله وما عليه.

1- جرأة غير مسبوقة على الإسلام

استغل بعض ” المتياسرين” المتطرفين أحداث 16 ماي، لبث نوع من الإرهاب الفكري ضد كل الاسلاميين المغاربة، دون بذل أدنى جهد للتدقيق والتمييز، فالإسلاميون المغاربة في سلة واحدة، وكلهم دمويون!! ولم تشفع للحركة الإسلامية عند هؤلاء القوم مواقفها الواضحة في رفض العنف بكل أشكاله، ومن مختلف مصادره، بما في ذلك الموقف من أحداث 16 ماي.

هكذا فاقت عبقرية” المتياسرين” المتطرفين عبقرية المخابرات الأمريكية، التي ميزت بين الحركة الإسلامية، وباقي المتشددين.

وإذا كان العارف بالطبيعة الإيديولوجية، والدوافع الانتخابية لأصحاب ذلك الخطاب لا يستغرب تصريحاتهم ومواقفهم، التي سخر لها إلى جانب منابرهم الإعلامية وسائل الإعلام العمومي، فإن ما يدعو للاستغراب حقا هذه الجرأة غير المسبوقة على الإسلام وليس فقط على الإسلاميين من طرف ذراري هذا الوطن المسلم.

وحتى لا أترك الكلام على عواهنه، أكتفي بمثال إعلامي واحد، فيوم الأربعاء 04 يونيو 2003 نشرت إحدى الجرائد المشهورة بشذوذها الجنسي وعدائها للإسلامين مقالا لنائب برلماني هذا بعض ما جاء فيه:” أرفض كل من يتوسل بالدين لتعليل التنديد بالعمليات الإرهابية البشعة، كما لو أن فظاعتها لا تنطق بنفسها، فظاعة قد يخرس اللسان عن وصفها، ويحجب البصر عن رؤيتها، وأن أي موقف منها يحتاج بالضرورة أو بالشرع، إلى مراجعة القرآن العظيم، واستنطاق أبو- الصحيح أبي- هريرة وصحيح البخاري وصحيح مسلم…”إلى أن قال:” فالفكر الإسلامي قابل لتعليل كل السلوكات من التسامح إلى القتل … أرفض من يرفض وجود علاقة بين الفكر الإسلامي والإرهاب..أرفض اللحية التي تبث الرعب..كما أرفض كل من يدعي أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان…” أترك التعليق على هذه الكلمات للقارئ الكريم.

وأنتقل لألفت الانتباه إلى بعض المظاهر الغريبة التي عرفها مغربنا بعد أحداث 16 ماي، ومن ذلك منع الملتحين من المشاركة في مسيرة 25 ماي المنددة بالإرهاب، بل الأغرب من ذلك منعهم في الجمعة التي تلت الأحداث من ولوج أحد أكبر المساجد في البيضاء، فهل يعني ذلك أن كل من اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بتلك السنة المؤكدة، أصبح إرهابيا في عرف السلطة؟ أم ماذا يعني؟ ونفس ما قيل عن اللحية يقال عن الحجاب، حيث سارعت بعض المؤسسات الخاصة إلى التضييق على المحجبات.

ومن ذلك ما نشرته إحدى الجرائد، حيث أغلقت السلطة أكثر من 600 مسجد صغير، وذلك بمبرر استغلالها لنشر أفكار متطرفة، وإذا كان من المستبعد جدا أن ينطبق مثل ذلك المبرر على ذلك العدد الهائل من المساجد، فلنا أن نبدي بالإضافة إلى ذلك الملاحظة الآتية: فقد أنشئت تلك المساجد بسبب قلة المساجد الكبيرة، وبعدها عن بعض المواطنين، إذ لاتوجد في كثير من الأحياء مساجد جامعة، فيا ترى هل تم التفكير في هذا الأمر، حتى لا يحرم بعض المسلمين من الصلاة جماعة؟

لايسع المتتبع لتلك السموم الإعلامية، ولهذه المظاهر المستخفة بمشاعر المغاربة إلا أن يتوجه إلى الله تعالى من أجل تجنيب بلدنا كل أنواع الفتنة. كما يمكن ان نتساءل عن دور المؤسسات الدينية، من مثل المجالس العلمية، هذه الأخيرة التي سارعت إلى إصدار فتاوي حول “البوكيمون” وهبت إلى الاستنكار على الأستاذ عبد السلام ياسين مذكرة لمن يهمه اٌٌلأمر، ولم تحرك ساكنا أمام هذه الجرأة غير المسبوقة على الإسلام.

2- خرق سافر لحقوق الإنسان

بدون مبالغة أسجل أن الحقوق والحريات تعرف خرقا سافرا هذه الأيام، وهذه بعض مظاهر ذلك:

أ- إقرار قانون يوسع دائرة الاتهام ويضيق مجال الضمانات:

أعني بذلك القانون 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، فرغم المعارضة الشديدة لهذا القانون بسبب ما حواه من تراجع على بعض المكتسبات الحقوقية المتعلقة بالحراسة النظرية والتفتيش وغيرها.. رغم تلك المعارضة التي شاركت فيها قوى وطنية مختلفة فقد استغلت أحداث 16 ماي للمصادقة بإجماع على هذا القانون(1) ، نظرا لذلك الإرهاب الفكري، الذي ساد بعد الأحداث مباشرة، والذي يجعل من معارضة هذا القانون دعما للإرهاب.

ويبقى أخطر ما في ذلك القانون تعريفه الفضفاض للجريمة الإرهابية، مما يساهم بشكل أو بآخر في تقليص الحريات.

وإذا كان كل ذي منطق سليم لا يمكن أن ينكر أهمية القانون بصفة عامة في المجتمعات فإن الذي ينبغي التأكيد عليه أن القانون يذكر دائما إلى جانب الحق، إذ الغاية من كل قانون هي حفظ الحقوق وليس هضمها.

ب- غياب حرية التعبير واستقلالية القضاء

يحاكم علي المرابط هذه الأيام بسبب ما نشره من “كاريكاتير” ونقله لحوار أجرته مجلة إسبانية مع عبد الله زعزاع، ولعله لا يخفى على المنادين بالمشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي أنه لا وجود لمثل هذه المحاكمات في الدول ” الديمقراطية” فلم نسمع أبدا بمحاكمة صحافي بسبب نشره لـ”كاريكاتير” خاص بـ” بوش أو أثنار أو شيراك..” رغم كثرة هذا النوع من” الكاريكاتير” هناك ، أما مايتعلق بحوار عبد الله زعزاع فقد نشرت يومية الأحداث أخطر فقراته يوم الخميس12 ماي 2003 وذلك في إطار تعليقاتها على اعتقال علي المرابط دون أن تتعرض لأدنى مساءلة فيا ترى لمصلحة من هذا الكيل بمكيالين؟

بغض النظر عن تلك المفارقات فالكلمة الفصل في قضية علي المرابط، إن كان خالف القانون فعلا، تبقى للقضاء، وللقضاء وحده، بعيدا عن أي تعليمات أو قرارات سياسية.

إلا أن الذي يلاحظ، وللأسف الشديد، أن فصول المحاكمة تسير عكس ذلك تماما، فمن جهة أولى فقد اعتقل علي المرابط بعد صدور الحكم الابتدائي، حيث استعمل الفصل 400 من المسطرة الجنائية، الذي عادة لا يستعمل في مثل هذه الحالات، والغريب في الأمر أن وزير العدل محمد بوزوبع باعتباره رئيس النيابة العامة هو من أمر بتطبيق هذا الفصل، مع أنه عندما كان محاميا، وفي دفاعه عن نوبير الأموي، الذي طبق عليه نفس الفصل، كان يطالب بإلغائه، ويعتبر تطبيقه خطأ قضائيا. ومن جهة ثانية فقد لاحظ دفاع علي المرابط عند عرض القضية على محكمة الاستئناف، أنه تم استبدال وثائق من الملف بوثائق أخرى لا علاقة لها بتلك التي من أجلها حوكم المرابط في المحكمة الابتدائية. كل هذا يؤكد أن استقلال القضاء في بلدنا لا زال حلما بعيد المنال.

وفي إطار محنة الصحافة دائما اعتقل يوم الجمعة 06 يونيو 2003 قيدوم الصحافيين المغاربة الأستاذ مصطفى العلوي بسبب نشره لبيان مرتبط بأحداث 16 ماي وتعليقه عليه، وإذا كان القارئ لا يرى في ذلك إلا نوعا من الوضوح والشفافية التي كثيرا ما أكد عليه أصحاب القرار هذه الأيام، فإن السلطة رأت غير ذلك حين نظرت بمنظار القانون الذي يوسع دائرة الاتهام ويضيق مجال الضمانات، لقد رأت في ذلك إشادة بالإرهاب الأمر الذي يوجب الاعتقال والمحاكمة!!

ت- اعتقالات تعسفية وقرائن التعذيب واضحة

حقيقة واضحة للعيان، لكن لا أحد يستنكر ما عدا قلة من الحقوقيين والإعلاميين نظرا للإرهاب الفكري الممارس على المغاربة هذه الأيام.

أوضحت بعض التحقيقات الصحفية أن “مول الصباط” اعتقل يوم 21 ماي وليس يوم 26 ماي كما ذهبت إلى ذلك رواية البوليس، وأنه كان يتمتع بصحة جيدة، وكان يداوم على رياضة حمل الأثقال، كل هذا يثير الكثير من الأسئلة حول التقرير التشريحي للجثة الذي جاء فيه: أن “مول الصباط” الذي وافته المنية كان يعاني من عدة أمراض، ومما يؤكد هذه التساؤلات، عدم الاستجابة للتشريح المضاد الذي طالب به بعض الحقوقيين.

ومن الملاحظات أيضا هذه الاعتقالات التعسفية، التي طالت الكثير من المواطنين، مما أروعهم وأروع ذويهم، مع أنهم لا علاقة لهم من قريب أوبعيد بالمتورطين في أحداث 16 ماي.

وإذا كان لا أحد ينكر على المصالح الأمنية القيام بواجبها وضربها بشدة على المتورطين، فإن ذلك لا يتعارض أبدا مع المطالبة بعدم استغلال تلك الأحداث لتصفية حسابات خاصة من طرف بعض المسؤولين، أو للقيام بشطط مشين، قد يكون له أثر سيء على حاضرنا ومستقبلنا.

3- كثير من “الانقلاب” على قليل من “الديمقراطية”

لا أريد في هذه الفقرة الحديث عن جماعة العدل والإحسان، فهذه الأخيرة في عرف من نصبوا أنفسهم أوصياء على المغاربة، خارجة عن الديمقراطية و خارجة عن التاريخ !! لأنها ببساطة لا تقبل دخول “اللعبة” بشروط محسوم سلفا أنها لصالح الاستبداد. ولأنها عبرت عن اختيارها السياسي، البعيد كل البعد عن هذه ” الأحادية” المفروضة على مغربنا فرضا.

لا أتحدث عن جماعة العدل والإحسان، لأن هذه الأخيرة لا حقوق لها. ولا ديمقراطية بشأنها، وإن كان القاصي والداني، يعرف أنها ترفض العنف والسرية والتعامل مع الخارج، ولله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أتحدث فقط عن حزب العدالة والتنمية، الذي اغتنم هامش الديمقراطية – هذا الهامش الذي سمح به لتحقيق أهداف معينة- وخاض الانتخابات، ليحتل المرتبة الثالثة في مجلس النواب، من حيث عدد المقاعد، رغم ما شاب انتخابات 27 شتنبر 2002 من تزوير مباشر وغير مباشر.

فهذا الحزب رغم قبوله بشروط “اللعبة”، ورغم رفضه الواضح للعنف، ورغم فوزه في الانتخابات، مورس عليه حصار إعلامي وسياسي بعد أحداث 16 ماي 2003، الأمر الذي يتعارض تماما مع كل ديمقراطية، هذه الأخيرة التي تقتضي المساواة بين الأطراف السياسية في الاستفادة من وسائل الإعلام العمومي، إذ لاحظ المواطنون أن هذا الحزب لم يسمح له بأي تصريح سواء في القناة الأولى أو الثانية، في الوقت الذي فتح فيه الباب على مصراعيه ” للمتياسرين”، بل أتيح المجال لأحزاب لا وجود لها في البرلمان، وأقصيت العدالة والتنمية، فأي ديمقراطية تبرر ذلك؟ وأي مشروع حداثي يشرع لمثل تلك الممارسات الاقصائية؟

والأدهى من ذلك أن ترتفع بعض الأصوات الشاذة، مطالبة بحل الحزب، بمبررات مختلفة، فمرة بمبرر أن الإسلام دين كل المغاربة، وبالتالي لا يجب احتكاره من أي كان! ومرة بمبرر أن وجود هذا الحزب يتعارض مع الدستور وقانون الحريات العامة! ومرة بأن ذلك لايستقيم مع إمارة المؤمنين.

ولا يمكن لمنصف، مهما كان اختلافه مع الخط السياسي لحزب العدالة والتنمية، إلا أن يؤكد هشاشة تلك المبررات، فهذا الحزب لم يدع يوما من الأيام في وثائقه ومواقفه أنه حزب ديني، أو أنه يحتكر الإسلام، وهو أكثر تشبتا من أولئك بإمارة المؤمنين.

إن غاية ما يريده” المتياسرون” أن يتم تقزيم الإسلام، وحصره في العبادات الفردية، أما الإسلام بما هو رؤية اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما هو مرجعية لمشروع مجتمعي متكامل، فهذا ما لا تقبله عقول “المتياسرين”.

إن ما يثار من هرج ومرج هذه الأيام حول حزب العدالة والتنمية من بين أسبابه الانتخابات الجماعية المقبلة، التي لايمكن أن نجازف إذا قلنا أن الحزب سيخرج منها منتصرا رغم كل هذه الحملات التشويهية، لأنه أكثر الأحزاب تجذرا في الأوساط الشعبية، لكن يبقى شرط ذلك عدم اعتماد المخزن على هذه الحملات التشويهية لتبرير أو تمرير تزويره للانتخابات، وهو شرط يتأكد يوما بعد آخر أنه أصبح في حكم المستحيل.

(1) من المفارقات أيضا أن هذا القانون نشر في الجريدة الرسمية بعد يومين من المصادقة عليه، ليكون أسرع قانون من حيث النشر في المغرب، في الوقت الذي لا تحظى فيه بعض القوانين بالنشر إلا بعد شهور عدة